السفير محمد حجازي: القاهرة صوت الجنوب العالمي داخل مجموعة العشرين|حوار
- مشاركة مصر في «العشرين» تحولت من حضور رمزي إلى دور مؤثر في صناعة القرار
- استضافة القاهرة لاجتماعات رسمية غيرت موقعها داخل المنظومة الدولية
- التمويل العادل والتنمية المستدامة على رأس الأولويات المصرية
- مصر توازن بين الشراكات الدولية واستقلال القرار الوطني
- قمة العشرين منصة لتعزيز الدور الإقليمي لمصر في أفريقيا والشرق الأوسط
- الأمن الغذائي ملف استراتيجي يقود الحضور المصري عالميًا
- مصر باتت جسرًا اقتصاديًا بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي
- التنوع في التحالفات يحصّن السياسة الخارجية المصرية
- القاهرة تعيد تعريف دورها في النظام الاقتصادي العالمي
تتصاعد رهانات القوى الكبرى على إعادة رسم موازين النفوذ العالمي، وتبرز مشاركة مصر في قمة مجموعة العشرين بوصفها أكثر من حضور بروتوكولي، بل تعبيرًا عن دور متنامي في صياغة أجندة الاقتصاد العالمي والدفاع عن قضايا الدول النامية.
وفي هذا السياق، يكشف السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، خلال حواره مع موقع «إيجبتك»، عن كواليس هذه المشاركة وأبعادها الاستراتيجية، مستعرضًا الرسائل التي حرصت القاهرة على إيصالها، ومحددًا ملامح الدور المصري في ملفات التمويل والتنمية والأمن الغذائي، فضلًا عن كيفية تحقيق التوازن الدقيق بين توسيع الشراكات الدولية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني، ومقدمة تفتح نافذة على قراءة معمقة لموقع مصر في قلب التحولات الدولية الكبرى.
وإلى نص الحوار:
كيف تقيمون أهمية مشاركة مصر في قمة العشرين هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة؟
أرى أن أهمية مشاركة مصر، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في قمة العشرين هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة تعود لعدد من الاعتبارات الجوهرية، منها أن مصر شاركت كدولة مدعوة في قمم 2016 و2019 و2023 (رئاسة الهند) و2024 (رئاسة البرازيل)، ثم استمرت الدعوة في 2025 تحت رئاسة جنوب أفريقيا؛ أي أننا أمام ثالث عام متتال من المشاركة الكاملة في اجتماعات المجموعة، وليس مجرد حضور عرضي.

ودعوة مصر هذا العام أكثر أهمية وتميزًا، لأن القمة تُعقد أول مرة على أرض أفريقية (جوهانسبرج)، ومصر تُقدم بوصفها أحد أبرز الاقتصادات الإقليمية، ومصر استضافت لأول مرة اجتماعًا رسميًا لمجموعة العشرين في القاهرة حول الأمن الغذائي في سبتمبر 2025، ما نقلها من مجرد “ضيف” إلى مساهم مباشر في صياغة أجندة المجموعة.
وإجمالًا أرى أن وزن مشاركة مصر هذا العام أعلى من الأعوام السابقة من حيث الاستمرارية، والبيئة الأفريقية للقمة، وقيامها باستضافة بعض اجتماعاتها.
ما هي أبرز الرسائل التي أرادت القاهرة إيصالها من خلال حضورها هذا الاجتماع الدولي؟
ومن أبرز الرسائل التي تريد القاهرة إيصالها أربع نقاط رئيسية، وهي تمثيل صوت “الجنوب العالمي”، حيث ركز الخطاب المصري في قمة ريو 2024 على تحديات الدول النامية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وضرورة التضامن الدولي، ورفعة شأن ومكانة صوت الجنوب النامي، وهو نفس الخط الذي تواصله القاهرة في اجتماعات 2025.
والتركيز على الأزمات الإقليمية (خاصة الوضع في فلسطين وغزة ولبنان والسودان وليبيا وعدم الاستقرار الإقليمي)، وسوف يتناول الرئيس السيسي تطورات أزمات الشرق الأوسط، مع التشديد على أثر هذه الأزمات على الاستقرار والتنمية، كما تحدث بنفس النهج في قمة ريو 2024، وتطالب مصر دومًا بـ“تمويل عادل” للتنمية وآثار المناخ.

وشددت مصر في اجتماعات البرازيل وجنوب أفريقيا على ضرورة تحسين شروط التمويل للتنمية والبنية الأساسية والمناخ في الدول النامية، بما فيها توسيع أدوات الضمان وتقليل المخاطر للاستثمار الخاص، وإبراز مصر كـ“جسر” بين أفريقيا والعالم العربي وأوروبا، ففي اجتماعات التجارة والاستثمار ضمن رئاسة جنوب أفريقيا، قدّمت مصر نفسها كمركز لوجستي واستثماري يربط أفريقيا بالمتوسط والشرق الأوسط.
إلى أي مدى أسهمت اللقاءات الثنائية في تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية لمصر مع القوى الكبرى؟
ومن مكاسب المشاركة تلك دور اللقاءات الثنائية في تعزيز العلاقات الاقتصادية، فدوما قمة العشرين تعد منصة للقاءات الثنائية المكثّفة، سواء مع رئيس الدولة المستضيفة أو مع دول الـG20 الكبرى ومؤسسات التمويل الدولية، وتسهم تلك اللقاءات في تسريع الاتفاقات الاستثمارية والتمويلية أو دفع مفاوضات قائمة أصلًا حول ملفات تهمنا في مجالات مثل (الطاقة، الموانئ، المناطق الصناعية).
وتثبيت مواقف سياسية بشأن الملفات الإقليمية (فلسطين، ليبيا، السودان، البحر الأحمر)، وإبراز دور مصر كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي.
ما الملفات الاقتصادية التي ركزت عليها مصر لضمان تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة؟
ومن تتبع مسار مشاركة مصر في اجتماعات وزراء التنمية والمالية والتجارة في 2024–2025 يمكن رصد حزمة أولويات اقتصادية متكررة، وهي تمويل البنية التحتية الكبرى، وتحسين الوصول لأدوات مجموعة العشرين الخاصة بالبنية التحتية (مثل مبادرات البنية التحتية العالمية، وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص).
والتركيز على الموانئ والنقل والربط الكهربائي ومشروعات اللوجستيات العابرة للقارات (ربط أفريقيا بالمتوسط وأوروبا)، والانتقال العادل في الطاقة والطاقة المتجددة.
ومصر تتحرك في إطار ما بعد استضافتها لـCOP27، وتطرح نفسها كمنصة لمشروعات الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والرياح، مع مطالبة مجموعة العشرين بتسهيل تمويل هذه المشروعات بشروط ميسّرة، وبتحمل أكبر للمخاطر من جانب مؤسسات التمويل متعددة الأطراف، والمياه كجزء من أمن الطاقة والغذاء.
والقاهرة طرحت في اجتماعات التنمية بالبرازيل قضية المياه كركيزة للتنمية، وربطتها بالتمويل المناخي (مبادرة AWARe)، وهو امتداد طبيعي لملف النيل وأمن المياه في سياستها الخارجية.
وإصلاح نظام التمويل الدولي والدين، والمطالبة بدور أكبر لمجموعة العشرين في إعادة هيكلة الديون، وخفض كلفة الاقتراض على الدول متوسطة الدخل، وتوسيع استخدام الضمانات وأدوات خفض مخاطر الاستثمار في الدول النامية.
كيف ترى دور مصر في محور الأمن الغذائي على مستوى العالم بعد المشاركة في القمة؟
مشاركة مصر في ملف الأمن الغذائي هذا العام ليست رمزية فقط، بل مؤسسة لدور أطول مدى، واستضافة اجتماع رسمي لمجموعة العشرين في القاهرة خصص للأمن الغذائي، مع عرض تجربة مصر في توسيع الرقعة الزراعية، ودعم الفلاحين، وضمان توافر السلع الأساسية لملايين المواطنين عبر منظومة الدعم، ودعم “التحالف العالمي ضد الجوع والفقر” الذي أطلقته رئاسة البرازيل، وربط هذا التحالف بأولويات أفريقيا في مكافحة الفقر وسوء التغذية.
وهذا يضع مصر في موقع “المتحدث باسم أفريقيا والعالم العربي” في مِلَفّ الغذاء داخل مجموعة العشرين، خاصة مع امتلاكها ثقلًا سكانيًا كبيرًا وخبرة في إدارة دعم الخبز والحبوب، ودورًا محوريًا في تجارة الغذاء عبر قناة السويس وموانئ المتوسط والبحر الأحمر.
وتعد مشاركة مصر في قمة تُعقد برئاسة أفريقية وعلى أرض أفريقية، مع استضافة القاهرة لاجتماع رسمي من اجتماعات المجموعة، يعزز صورتها في محورين، المحور الأفريقي، حيث تظهر مصر كشريك رئيسي لرئاسة جنوب أفريقيا في صياغة أجندة القمة؛ وهو ما يدعم سردية أن أفريقيا لا تُمثل فقط عبر الاتحاد الأفريقي، بل أيضًا عبر الدول المحورية مثل مصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا.
وهذا يعزز أوراق مصر داخل الاتحاد الأفريقي وفي ملفات مثل البنية التحتية القارية والتكامل التجاري (منطقة التجارة الحرة الأفريقية).
ومحور الشرق الأوسط، في ظل التوترات الإقليمية (فلسطين، لبنان، اليمن، البحر الأحمر)، مشاركة مصر تكرسها كواجهة الإقليم في المحافل الاقتصادية العالمية، خصوصًا أن اقتصادات عربية أخرى ما زالت خارج مجموعة العشرين كأعضاء دائمين.
ويعطينا هذا مساحة أوسع لربط القضايا الأمنية (غزة، الملاحة في البحر الأحمر) بتأثيرها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، وبالتالي كسب دعم دول مجموعة العشرين لمقاربات مصرية في التهدئة وتأمين الممرات البحرية.
كيف توازن مصر بين توسيع علاقاتها مع القوى الكبرى والحفاظ على استقلاليتها؟
ويمكن تلخيص ركائز توجهاتنا في ثلاث مبادئ عملية، تنويع الشركاء لا استبدالهم، ومصر تحرص على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه تُعمِّق شراكاتها مع الصين وروسيا والهند والبرازيل ضمن أطر مثل BRICS وG20، وهذا التنويع يساعدها على تجنّب الارتهان الكامل لأي محور واحد، والفصل قدر الإمكان بين الاقتصاد والسياسة لحساسية القضايا المطروحة، والقاهرة تحاول أن تجعل قضايا الاستثمار والطاقة والبنية التحتية “مجالات تعاون مفتوحة” مع الجميع، مع الحفاظ على حرية الحركة في ملفات حساسة كالعلاقات مع روسيا أو الموقف من فلسطين، حتى لو اختلفت مع مواقف بعض القوى الغربية، وخطاب ثابت حول “الملكية الوطنية للأجندة الاقتصادية”.
وفي مداخلاتها في مجموعة العشرين، تكرر مصر فكرة أن التمويل الدولي والمناخي يجب أن يكون متسقًا مع الأولويات الوطنية، وليس العكس، وأن دور مؤسسات التمويل هو دعم أجندات التنمية التي تضعها الدول نفسها.
بهذا الشكل، تحاول مصر استخدام منصة G20 لتوسيع هوامشها، أكثر انفتاحًا اقتصاديًا على كل الأطراف، مع الحفاظ على مساحة مناورة سياسية مستقلة قدر المستطاع.


