الدفتيريا… أشكال متعددة وخطورة متفاوتة
تاريخ الدفتيريا… من وباء قاتل إلى مرض يمكن الوقاية منه
بعد إعلان منظمة الصحة العالمية عن تسجيل 20,412 حالة يشتبه إصابتها بالدفتيريا و1,252 وفاة في ثماني دول أفريقية حتى 2 نوفمبر 2025، عاد المرض الذي كاد يختفي من العالم ليحتل واجهة المشهد الصحي الدولي من جديد، وبينما يثير التفشي الحالي مخاوف حقيقية في دول تعاني هشاشة أنظمتها الصحية، فإن التاريخ يحكي قصة مرض كان يومًا يلقب بـ "القاتل الخانق" قبل أن تغير اللقاحات مجرى البشرية.
وفي هذا التقرير، نستعرض جذور الدفتيريا، أسرار عودته، وتطور اللقاح الذي أنهى واحدة من أسوأ الكوارث الوبائية في التاريخ.
تاريخ الدفتيريا
لم يكن الدفتيريا مجرد مرض بسيط، بل كان كارثة إنسانية متكررة قبل ظهور التطعيمات، ففي عام 1735، ضرب وباء شرس مناطق واسعة من نيو إنغلاند في أمريكا الشمالية، وقضى على آلاف الأطفال خلال أشهر قليلة.
أما أوروبا في القرن التاسع عشر، فكانت تطلق عليه اسم "البلاء الأبيض" بسبب مشاهد الاختناق الجماعي للأطفال، حيث كان الغشاء السميك الذي يتكون في الحلق يمنع الهواء تمامًا من الوصول إلى الرئتين.
ووفقًا لدائرة المعارف البريطانية، كانت الدفتيريا إحدى أكثر الأسباب شيوعًا لوفاة الأطفال في أوروبا وأمريكا قبل اكتشاف اللقاح، ليحمل المرض لقبًا مرعبًا: "القاتل الخانق".
أول اختراق علمي… وصولًا إلى جائزة نوبل
عام 1883، نجح العالمان الألمانيان إدوين كليبز وفريدريش لوفلر في عزل البكتيريا المسببة للمرض، لتبدأ رحلة العلاج، وفي تسعينيات القرن نفسه، تمكن العالمان إميل فون بهرنغ وباول إرليخ من تطوير أول علاج يعتمد على المصل المضاد للسم.
هذا الاكتشاف الثوري حقق نقلة نوعية، ومنح العالم أول أداة فعالة لمواجهة المرض، ليحصل بهرنغ لاحقًا على جائزة نوبل تقديرًا لهذا الإنجاز الطبي.
ثورة اللقاح… نهاية الوباء في العالم المتقدم
ومع بداية عشرينيات القرن العشرين، أحدث العالم الفرنسي غاستون رامون ثورة علمية بعد تطوير لقاح التوكسويد في معهد باستور بباريس. هذا اللقاح – وهو سم معطل يحفز المناعة دون التسبب بالمرض – أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من برامج التطعيم حول العالم، وبفضل إدخاله إلى جداول التطعيم الروتيني للأطفال، اختفى المرض تقريبًا من أوروبا وأمريكا منتصف القرن العشرين.
أنواع الدفتيريا… أشكال متعددة وخطورة متفاوتة
1. الدفتيريا الأنفية الأمامية
أخف أنواع العدوى.
يتكون الغشاء في فتحات الأنف وتكون كمية السم الممتص قليلة، ما يجعل المضاعفات نادرة.
2. الدفتيريا الحلقية (الفموية) – الأكثر انتشارًا
تتركز العدوى في اللوزتين، وتُعد من الأنواع الأكثر قابلية للعلاج عند التدخل المبكر بمضاد السم والمضادات الحيوية.
3. الدفتيريا البلعومية الأنفية
من أشد الأنواع فتكًا.
يمتد الغشاء إلى الأنف والحلق، وقد يؤدي إلى تسمم الدم ومضاعفات قاتلة.
4. الدفتيريا الحنجرية
تتسبب في انسداد خطير بمجرى التنفس وقد تستدعي إجراء عملية فتح القصبة الهوائية لإنقاذ المريض.
5. الدفتيريا الجلدية
تصيب الجلد فقط، وغالبًا ما تظهر في البيئات الفقيرة أو المناطق المكتظة.
لماذا يثير التفشي الأخير القلق؟
وفق بيان منظمة الصحة العالمية، فإن تفشي المرض في 8 دول أفريقية ترافقه تحديات خطيرة، أبرزها:
- ضعف الأنظمة الصحية
- نقص مضاد سمّ الدفتيريا عالميًا
- محدودية القدرة على التشخيص
- انتشار المرض بين الأطفال والشباب
- ازدحام الملاجئ والمناطق ذات الحركة السكانية الكبيرة
ورغم أن الخطر العالمي "منخفض"، فإن خطر التفشي إقليميًا لا يزال "مرتفعًا"، ما يتطلب تعزيز التحصين وتوفير مخزون الطوارئ من مضاد السم.