الأسير الفلسطيني المحرر باسم خندقجي: أعيش على إيقاع السجن رغم الحرية
منذ عقود، ظلت السجون الإسرائيلية رمزًا من رموز القهر والاضطهاد للشعب الفلسطيني. آلاف الرجال والنساء، شبابًا وشيبًا، دخلوا هذه السجون، بعضهم لأول مرة في حياته، وبعضهم قضى فيها سنوات عمره، لكن رغم كل القيود، كان للأسرى الفلسطينيين القدرة على تحويل هذه الجدران إلى فضاء للصمود، والإبداع، والمقاومة الفكرية.
الكتابة عنهم تمنحني الحرية الحقيقية
يصف الأديب والروائي الفلسطيني باسم خندقجي، شعوره بعد تحرره بالارتباط العميق بالأسرى الذين تركهم خلفه داخل السجون قائلاً: "أعيش على إيقاع السجن رغم الحرية، ولا زلت أشعر بأن جزءًا مني ما زال معهم. الكتابة عنهم تمنحني الحرية الحقيقية، لأنها تحررهم وتكمل حريتي".
وقال، في تصريحات خاصة لـ" إيجبتك": "إن أدب السجون الفلسطيني اليوم أصبح جسراً بين الماضي والحاضر، بين الأسرى والحرية، وبين الألم والأمل". لافتًا إلي أنه من خلاله، يمكن للقارئ أن يلمس الصمود الإنساني في مواجهة القهر، وأن يرى كيف يمكن للإبداع أن يكون قوة مقاومة أقوى من القضبان والأسوار.
وأضاف الأديب والروائي الفلسطيني، أن تجربته ليست مجرد قصة فردية، بل نموذجا حيا لمئات الآلاف من الأسرى الفلسطينيين الذين ظلوا، وما زالوا، يشكلون صرحًا ثقافيًا وأدبيًا متجددًا، يثبت أن الحرية الحقيقية ليست مجرد تحرر من القيود الجسدية، بل تحررًا للعقل والكلمة والروح.
وتابع باسم خندقجي: "إن رحلة الأسر الفلسطيني في سجون الاحتلال تستمر كحكاية صمود وإبداع، وإن الأدب أكبر دليل على أن القيد قد يكسر الجسد، لكنه لا يستطيع كسر الإرادة، ولا إخماد صوت الحرية الذي ينبض في قلب كل أسير فلسطيني".
يتعرض الأسرى للانتهاكات الجسدية والحرمان
وأشار إلي أن "الأسر في سجون الاحتلال ليس مجرد قيد جسدي، بل تجربة نفسية وفكرية واجتماعية عميقة. فبالإضافة إلى العزل القسري والضغط النفسي، يتعرض الأسرى للانتهاكات الجسدية والحرمان من حقوقهم الأساسية. ومع ذلك، استطاع كثيرون تحويل هذا الألم إلى كتابة، ورواية، وشعر، وفن، بما يحفظ تاريخهم الشخصي والوطني ويخلّد صمودهم".
صندوق لدعم أدب الأسرى
وختم تصريحاته لـ"إيجبتك" بأنه قد أنشأ صندوقًا لدعم أدب الأسرى ونشر إبداعاتهم، الذين حولوا السجن إلى "غرفة عمليات ثقافية، ليبقى صوتهم حيًا على الرغم من العزلة. وقد تبنى شقيقه هذا المشروع بعد خروج خندقجي، بالتعاون مع "المكتبة الشعبية ناشرون" في نابلس، لتوثيق هذه التجربة الإبداعية وحفظها للأجيال القادمة.

حاملاً شغف الكلمة والأدب
ويبرز اسم الروائي الفلسطيني باسم خندقجي كنموذج حي يوضح كيف يمكن للحرية الحقيقية أن تولد من رحم الأسر. فقد دخل خندقجي السجن عام 2004 في سن الحادية والعشرين، حاملاً شغف الكلمة والأدب، ليجد نفسه أمام ثلاثة أحكام بالسجن المؤبد، في واحدة من أقسى صور القهر التي يمكن أن يعيشها أي إنسان.
يشار إلي أن باسم خندقجي وُلد في نابلس عام 1983، ومنذ صغره كان للشغف بالكلمة دور كبير في حياته. درس الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية، وبدأ في كتابة القصص القصيرة قبل أن يعتقل. ورغم الأسر، لم يتوقف عن التعلم، فأكمل دراسته الجامعية انتسابًا إلى جامعة القدس، حيث ركزت أطروحته على الدراسات الإسرائيلية في العلوم السياسية، ليظل ذهنه نشطًا ومعطاءً حتى في أقسى الظروف.

خندقجي صوتًا أدبيًا مميزًا داخل السجن
خلال سنوات اعتقاله الطويلة، أصبح خندقجي صوتًا أدبيًا مميزًا داخل السجن، حيث كتب مجموعتين شعريتين هما "طقوس المرة الأولى" (2010) و"أنفاس قصيدة ليلية" (2013)، وثلاث روايات نالت اهتمامًا نقديًا واسعًا: "نرجس العزلة" (2017)، و"خسوف بدر الدين" (2019)، و"أنفاس امرأة مخذولة" (2020). في عام 2023، حصل على جائزة "البوكر" العربية عن روايته "قناع بلون السماء"، ليؤكد أن الإبداع قادر على اختراق القضبان، وأن الحرية الحقيقية هي حرية الفكر والكلمة.
وما يميز تجربة خندقجي عن غيره من كتاب أدب السجون هو أنه لم يقتصر على سرد تجربة الأسر الشخصية، بل تجاوزها إلى بناء عالم أدبي كامل، يخلط بين الواقع والخيال، وبين الألم والحرية الداخلية. يقول خندقجي: "الأدب يعمر أكثر من السياسة، وتحفظه الأجيال بينما تموت السياسة غالبًا مع أصحابها. كلمات أسرانا وكتاباتهم أبدية".

