رئاسة “كوب30” تضغط لحسم معركة الوقود الأحفوري قبل التصويت النهائي
تواصل البرازيل، بصفتها الدولة المضيفة ورئيسة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب30)، جهودها المكثفة لدفع الدول المشاركة نحو التوافق على اتفاق نهائي اليوم الجمعة، مع اقتراب التصويت الحاسم في الساعات الأخيرة من القمة حول ما إذا كان ينبغي أن يضع الاتفاق العالم على مسار أوضح للابتعاد عن الوقود الأحفوري.
وخاطب رئيس المؤتمر آندريه كوريا دو لاجو الوفود المشاركة في جلسة عامة قبل استئناف المفاوضات، قائلاً إن المطلوب في هذه المرحلة الحساسة هو تغليب روح الوحدة لا الانقسام، مضيفاً: "يجب ألا يكون لدينا جدول أعمال يفرقنا.. علينا أن نصل إلى اتفاق فيما بيننا"، في إشارة واضحة إلى عمق الخلافات حول مستقبل النفط والغاز والفحم، وفقًا لوكالة "رويترز".
مسودة اتفاق بلا ذكر للوقود الأحفوري
أعاد الجدل حول الوقود الأحفوري تسليط الضوء على صعوبة التوصل إلى صيغة توافقية في المؤتمر السنوي للمناخ، الذي بات يمثل اختبارًا متكررًا لمدى جدية المجتمع الدولي في تجنب أسوأ سيناريوهات الاحترار العالمي.
ففي المسودة الأحدث للاتفاق، التي أصدرتها البرازيل قبيل الفجر، اختفت تمامًا أي إشارة مباشرة للوقود الأحفوري؛ إذ تم حذف مجموعة من الخيارات والصياغات المتعلقة بالتقليل التدريجي من استخدامه أو التخلي عنه، بعدما كانت هذه الصياغات حاضرة في نسخة سابقة من النص.
هذا التغييب أثار استياءً واسعًا؛ إذ وصفت عشرات الدول، من بينها دول رئيسية منتجة للنفط والغاز، تلك الصياغات السابقة بأنها غير مقبولة، بينما دعمتها نحو 80 حكومة أخرى رأت أن أي اتفاق يخلو من إشارة صريحة للوقود الأحفوري يفقد جزءًا كبيرًا من جديته ومصداقيته.
حجم الإحباط لدى الكثير من الدول النامية
وحذر مفاوض بنما، خوان كارلوس مونتيري، في مؤتمر صحفي عقد قبل الجلسة العامة صباح اليوم، من أن استبعاد ملف الوقود الأحفوري من نص اتفاق كوب30 قد يحول المفاوضات إلى ما وصفه بـ"عرض هزلي"، في تعبير يعكس حجم الإحباط لدى الكثير من الدول النامية والطموحة من تغير المناخ.

سباق مع الزمن واعتماد بالإجماع
يفترض أن تختتم أعمال المؤتمر، المنعقد في مدينة بيليم الواقعة في إقليم الأمازون بالبرازيل، اليوم الجمعة عند الساعة 18:00 بالتوقيت المحلي (21:00 بتوقيت جرينتش). لكن تجارب القمم السابقة تشير إلى أن تجاوز المواعيد النهائية بات أمراً شبه معتاد قبل التوصل إلى تسوية وسط ترضي الحد الأدنى من الأطراف المتصارعة.
وتتطلب المصادقة على المسودة النهائية توافقًا بالإجماع من نحو 200 دولة مشاركة، وهو ما يزيد من تعقيد المفاوضات، نظرًا لتباين المصالح الاقتصادية والسياسية، خاصة تلك المرتبطة بالدول المنتجة للنفط والغاز من جهة، والدول المتضررة بشدة من آثار التغير المناخي من جهة أخرى.
هذا العام، زاد المشهد تعقيدًا غياب الولايات المتحدة عن طاولة المفاوضات الرسمية؛ إذ امتنعت واشنطن عن إرسال وفد رسمي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، الذي سبق أن وصف الاحتباس الحراري بأنه "خدعة". وأشار كوريا دو لاجو إلى أن غياب أكبر اقتصاد في العالم يفرض أهمية مضاعفة لتوحيد الصفوف داخل كوب30 من أجل حماية مصداقية منظومة العمل المتعدد الأطراف، مؤكدًا أن "العالم يراقب" ما ستسفر عنه هذه القمة.
صراع على مستقبل الوقود الأحفوري
على مدى أيام، تصاعدت الخلافات حول كيفية التعامل مع الوقود الأحفوري الذي يعد احتراقه السبب الأكبر في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بفارق كبير عن المصادر الأخرى. وبينما تطالب العديد من الدول بخطوات جريئة للحد من استخدامه، تصر دول أخرى على حمايته بوصفه ركيزة لاقتصاداتها.
وتسعى عشرات الدول إلى إدراج "خارطة طريق" واضحة تحدد كيفية تنفيذ التعهدات التي خرج بها مؤتمر (كوب28) قبل عامين، والتي تضمنت التوجه نحو التخلي عن الوقود الأحفوري تدريجياً، مع تسريع وتيرة التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.
غير أن مفاوضين مشاركين في كوب30 أوضحوا لوكالة "رويترز" أن السعودية وعددًا من الدول المنتجة للنفط يعارضون أي صياغة ملزمة في هذا الاتجاه. ولم يصدر عن مركز التواصل الحكومي في المملكة رد على طلب للتعليق أرسل عبر البريد الإلكتروني.
وقال مفاوض برازيلي للوكالة إن عودة طرح صيغة "التخلي عن الوقود الأحفوري" في المسودة تبدو غير مرجحة في هذه المرحلة، لافتاً إلى أن رئاسة المؤتمر تضغط نحو إجراء تعديلات طفيفة فقط على النص الحالي بدلاً من إعادة فتح النقاش من جديد حول جوهر المسألة.
ومع ذلك، يراهن بعض المفاوضين على إمكانية الوصول إلى حلول وسط تعزز الالتزامات بخفض الانبعاثات، خاصة إذا اقترنت هذه الالتزامات بتعهدات مالية أكبر من الدول الغنية لدعم الدول النامية في مسار التحول الأخضر، وبالتالي تخفيف حدة الاعتراضات.

التمويل المناخي والتجارة… ملفات موازية لا تقل سخونة
لا يقتصر الجدل في كوب30 على قضية الوقود الأحفوري؛ فمسودة الاتفاق تناولت أيضاً جانب التمويل المناخي، وهو أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للدول النامية.
وتدعو المسودة إلى بذل جهود عالمية لزيادة حجم التمويل المخصص لمساعدة الدول على التكيف مع آثار التغير المناخي إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، مقارنة بالمستويات المسجلة عام 2025. غير أن النص لم يحدد بوضوح ما إذا كانت هذه الأموال ستأتي مباشرة من الحكومات الغنية، أم عبر بنوك التنمية، أم من خلال استثمارات القطاع الخاص.
خيبة أمل لدى العديد من الدول الفقيرة
هذا الغموض قد يثير خيبة أمل لدى العديد من الدول الفقيرة، التي تريد التزامات صريحة وضمانات فعلية لتدفق التمويل المناخي، بدلاً من الاكتفاء بوعود عامة أو صيغ فضفاضة تترك الباب مفتوحاً أمام التراجع أو التأخير في التنفيذ.
وبحسب "رويترز"، تتضمن المسودة أيضاً إطلاق "حوار" جديد في مؤتمرات كوب الثلاثة المقبلة يتمحور حول العلاقة بين المناخ والتجارة الدولية، بمشاركة الحكومات ومنظمات دولية وفاعلين اقتصاديين، من بينهم منظمة التجارة العالمية. وينظر إلى هذه الخطوة كإنجاز لبعض الدول، وفي مقدمتها الصين، التي طالبت مراراً بأن تؤخذ الهواجس التجارية في الاعتبار داخل مفاوضات المناخ.
قلق الاتحاد الأوروبي
لكن هذا التطور قد يثير قلق الاتحاد الأوروبي، إذ غالبًا ما تتركز هذه الهواجس على سياسات مثل ضريبة الكربون على الحدود التي يطبقها التكتل، والتي تهدف إلى حماية الصناعات الأوروبية ومنع "تسرب الكربون". وكانت دول مثل جنوب أفريقيا والهند قد انتقدت هذه الضريبة بشدة وطالبت بإلغائها، معتبرة أنها إجراء تجاري مقنع يضر بصادرات الدول النامية.

