تكلفة الخطة الوقائية تتراوح ما بين 700 مليون إلى مليار جنيه مصري سنويًا
من النزيف الجسدي إلى الاستنزاف المالي.. معركة صامتة ضد الهيموفيليا A|خاص
في عالم الأمراض الوراثية النادرة، يقف مرض الهيموفيليا A (الناعور) كأحد التحديات الصحية والاقتصادية الأكثر تعقيدًا، فهو ليس مجرد نقص حاد في "عامل التجلط الثامن" يهدد المرضى بنزيف داخلي وخارجي مستمر، بل هو أيضًا قنبلة موقوتة تستنزف الموارد المالية للأسر وتضع ضغطًا هائلاً على ميزانيات الرعاية الصحية الحكومية، ففي الوقت الذي تبذل فيه الدول جهوداً لتوفير العلاج الوقائي الذي يحسن جودة حياة المرضى ويقلل من مضاعفات الإعاقة، تظل التكاليف الباهظة لعوامل التجلط محور الأزمة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، في تصريحات خاصة لـ إيجبتك، إن مرض الهيموفيليا A يمثل تحديًا صحيًا كبيرًا من الناحيتين الإكلينيكية والاجتماعية، بالإضافة إلى تأثيره الاقتصادي الواضح، موضحًا أن أن المرض يتسبب في عبء هائل على نظام الرعاية الصحية وعلى المرضى أنفسهم، مشيرًا إلى أن جمع البيانات في الوقت المناسب يعد أمرًا بالغ الأهمية لدعم صناع القرار في الصحة العامة وأصحاب الميزانيات لتقييم الوضع بشكل دقيق واتخاذ القرارات المناسبة التي تخفف العبء على النظام الصحي وتحسن نوعية حياة المرضى.
عبء على النظام الصحي والمرضى
ويعد الهيموفيليا A من الأمراض الوراثية النادرة التي تؤدي إلى نقص حاد في عامل التجلط الثامن، مما يجعل المرضى عرضة للنزيف الداخلي والخارجي المستمر، وهو ما يتطلب علاجًا طويلًا ومعقدًا، مشيرًا إلى أن الهيموفيليا A لا تقتصر تأثيراتها على الصحة الجسدية فقط، بل تمتد إلى التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية، حيث يعاني المرضى من تكاليف العلاج المستمرة، مما يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر ونظام الرعاية الصحية.
وأشار عنان إلى أن تقدير العبء الكبير الذي يفرضه هذا المرض على كلاً من المرضى ونظام الرعاية الصحية ضروري لتطوير استراتيجيات فاعلة تُساهم في تخفيف هذه الآثار، وأكد على أهمية اعتماد الأساليب الوقائية لتقليل معدلات المضاعفات وتخفيف العبء المالي على المرضى، وكذلك على ميزانية النظام الصحي في مصر.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان المصرية إلى الحجم الهائل للعبء المالي الذي يشكّله مرض الهيموفيليا A على نظام الرعاية الصحية، وقد كشف وزير الصحة والسكان في أبريل 2024، أن تكلفة الخطة الوقائية لتقديم العلاج لمرضى الهيموفيليا المنتسبين لهيئة التأمين الصحي تتراوح ما بين 700 مليون إلى مليار جنيه مصري سنويًا.
ويأتي هذا الإنفاق الضخم بسبب الحاجة المستمرة إلى توفير عامل التجلط الثامن (Factor VIII)، وهو علاج باهظ الثمن، بالإضافة إلى العلاجات الحديثة مثل (Emicizumab)، وقد أثبت هذا العلاج الوقائي نجاحه في تخفيف العبء، حيث أسهم في خفض معدل تردد المرضى على المستشفيات من 60% إلى 5% فقط، مما يُقلل من تكلفة علاج مضاعفات النزيف.
النهج الوقائي
كشف الملف البحثي الذي أعده الدكتور إسلام عنان أنه ثبت سريريًا وماليًا أن استخدام النهج الوقائي لمرضى الهيموفيليا A يعد حلاً ذا قيمة عالية من الناحية الطبية والتكلفة، وأوضح أن هذه الاستراتيجية العلاجية تشمل المرضى الأطفال الذين يعانون من حالات حادة والمرضى البالغين المصابين بالمرض باستخدام مثبطات العلاج، مشيرًا إلى أن هذا النهج يوفر تكاليف كبيرة ويؤدي إلى تحسين نوعية الحياة للمرضى عن طريق الوقاية من المضاعفات المرضية الناتجة عن النزيف المتكرر.
وأوضح عنان أن تبني هذه الاستراتيجية يتماشى مع المبادئ التوجيهية العالمية في السيطرة على مرض الهيموفيليا A، حيث تساهم في تقليل حدة المرض وتخفيف المضاعفات، مما ينعكس بشكل إيجابي على الصحة العامة ويسهم في تحقيق أهداف رؤية مصر 2030.

أهمية جمع البيانات والتوسع في البحث
كما نوه الدكتور عنان إلى ضرورة الاستمرار في جمع البيانات المتعلقة بالمرض وتحليلها بشكل مستمر، وأكد أن هذه البيانات ضرورية ليس فقط لتحسين الرعاية الصحية لمرضى الهيموفيليا، بل أيضًا لتوسيع نطاق البحث ليشمل أمراض أخرى تساهم في الضغط على النظام الصحي، مثل أمراض القلب، الأمراض التنفسية المزمنة، وغيرها من الأمراض المزمنة التي تشكل عبئًا على الرعاية الصحية.
وأوضح أن البحث المستمر وجمع البيانات يساعد في اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن تخصيص الميزانيات اللازمة لتوفير العلاجات المتقدمة وتحسين كفاءة النظام الصحي، بما يتماشى مع التوجهات الاستراتيجية في مصر 2030 نحو تحسين جودة الرعاية الصحية وتحقيق التنمية المستدامة.
ختامًا: دعوة للاهتمام بتطوير استراتيجيات علاجية فعالة
وفي الختام، دعا الدكتور إسلام عنان إلى ضرورة الاهتمام بتطوير استراتيجيات علاجية وقائية فعالة لمواجهة مرض الهيموفيليا A، والعمل على توفير العلاج المناسب للمرضى بأسعار معقولة لضمان تحسين نوعية حياتهم وتقليل العبء المالي على الأسر والنظام الصحي. وأكد أن استراتيجيات مثل هذه تعتبر حجر الزاوية لتحقيق أهداف الرؤية الصحية المستقبلية في مصر، والتقليل من الآثار السلبية لهذه الأمراض النادرة على المجتمع.