رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ما تيجي نرقص.. العلاج بالفن بين الحقائق العلمية واتهامات التربح|حوار

العلاج بالفن- تعبيرية
العلاج بالفن- تعبيرية

في ظل التزايد الملحوظ في الاهتمام بالصحة النفسية، والبحث عن مسارات علاجية غير تقليدية، برز العلاج بالفن كأحد المناهج الفعالة والمثبتة علميًا.

ومع الانتشار يتزايد الخلط بين الممارسة العلاجية المتخصصة والأنشطة الفنية الترفيهية أو التوعوية، مما يفتح الباب أمام ممارسين غير مؤهلين، قد يتسببون في أضرار نفسية بالغة للمرضى.

وللوقوف على الفروقات الجوهرية، وتحديد ضوابط المهنة، والتحذير من مخاطر الممارسة العشوائية، أجرى موقع «إيجبتك» حوارا مع ياسمين الفيلالي، أخصائية العلاج بالفن الإكلينيكي، والمدرب الدولي المعتمد، كشفت خلاله أسرار هذا العلم، وكيف يمكن التفرقة بين واقعه العلمي، والأوهام المحيطة به، مؤكدة أن العلاج بالفن يتم تحت إشراف طبي، من قبل متخصصين مؤهلين مهنيا لحماية سلامة المتلقين.

ياسمين الفيلالي أخصائية العلاج بالفن الإكلينيكي والمدرب الدولي المعتمد
ياسمين الفيلالي أخصائية العلاج بالفن الإكلينيكي والمدرب الدولي المعتمد

وإلى نص الحوار:

متى دخل العلاج بالفن مصر؟

العلاج بالفن كعلم لم يبتعد كثيرًا عن نشأته في أمريكا أواخر أربعينيات القرن الماضي، وقد ساهم في نشره في مصر علماء مثل الدكتورة عايدة عبدالحميد قطط، د. البسيوني، د. شاكر عبدالحميد، والدكتور لويس كامل مليكة. 

كما أُنجزت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه والكتب التي تناولت مبادئ وممارسات العلاج بالفن، وبصفة أكاديمية معتمدة من المجلس الأعلى للجامعات، أصبح منذ نحو 8 أو 9 سنوات متاحًا كتخصص أكاديمي رسمي.

ما الرابطة أو الاتحاد الذي يجمع العاملين في مهنة العلاج بالفن؟

يوجد في مصر الرابطة الأفرواسيوية للمعالجين بالفن، التي تعمل تحت إطار منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية، وقد تشرفت بأن أكون الرئيس المؤسس لها لمدة سنتين.

 أما على المستوى العربي، فيتم إنشاء البورد العربي للفنون والصحة، الذي يشمل كل أنواع الفنون وتداخلاتها في الصحة النفسية والجسدية، وأشرف على كونه عضوًا مؤسسًا في لجنة الاعتماد والجودة.

هل معترف بالعلاج بالفن داخل مصر؟

نعم، معترف به كتخصص مستقل وشهادته معتمدة من المجلس الأعلى للجامعات، لكنه لا يزال غير معترف به من قبل الأمانة العامة للصحة النفسية، وهي الجهة المسؤولة عن تنظيم عمل جميع العاملين في الصحة النفسية في مصر، ونحن نسعى لذلك.

هل هناك جهة رقابية للعلاج بالفن؟

حتى هذه اللحظة لا توجد جهة رقابية محددة للمهنة.

هل العلاج بالفن مهنة أم موهبة؟

العمل في أي مجال إنساني يعتمد أساسًا على الموهبة، والدراسة تعمل على صقل هذه الموهبة. العلاج بالفن مهنة إنسانية أساسها الموهبة، لكنها تتطلب تأهيلًا علميًا.

لنبدأ بالعلاج بالفن الكلينيكي، ما هي طبيعته، وأين تتم ممارسته؟

العلاج بالفن الكلينيكي هو ممارسة علاجية متخصصة تستخدم الفن بالتكامل مع المدارس العلاجية المعروفة، مثل العلاج المعرفي السلوكي أو التحليلي، وهذا النوع مخصص لعلاج اضطرابات نفسية واضحة ومشخصة من قبل طبيب نفسي، كالاكتئاب، القلق، الوسواس القهري، والصدمات المدرجة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-ويجب أن تتم ممارسته حصراً في الأماكن العلاجية المعتمدة، كالمستشفيات والعيادات والمراكز النفسية، وضمن حزمة علاجية متكاملة وتحت إشراف فريق علاجي. العلاقة هنا تكون "ثلاثية"، حيث يكون العمل الفني عنصراً أساسياً في التواصل بين المعالج والمريض.

وماذا عن المفهوم الآخر، "الفن كعلاج"؟

الفن كعلاج يعتمد على أن ممارسة الفن بحد ذاتها لها طبيعة علاجية وتنفيسية، سواء كان ذلك بالرسم، التلوين، الموسيقى، 

الهدف هنا هو التنفيس الانفعالي، تخفيف الضغوط، وتحسين الحالة المزاجية، حيث ثبت أنه يساعد على خفض هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين، ويمكن ممارسة هذا النوع في ورش اليوم الواحد، المدارس، أو النوادي، ولكن يجب أن يكون واضحاً للمشاركين أن هذا ليس علاجاً نفسياً متخصصاً، بل هو "تعامل نفسي بالفن" أو "ورشة تنفيس فعالي".

بالانتقال إلى ضوابط المهنة، ما هي المؤهلات الأكاديمية والمهنية التي يجب أن تتوفر في المعالج بالفن لضمان ممارسة آمنة وفعالة؟

بالنسبة لضوابط المهنة يجب أن يكون المعالج  صاحب مؤهلاً تأهيلاً عالياً، أولاً، يجب أن يكون حاصلاً على بكالوريوس من كلية فنية، بالإضافة إلى دراسة متعمقة في العلوم النفسية، والأهم هو الحصول على دبلوم عالٍ متخصص في العلاج بالفن، وفي مصر، على سبيل المثال، المكان الوحيد المعتمد هو كلية التربية الفنية بجامعة حلوان، ويفضل بالطبع الحصول على درجات علمية عليا كالماجستير أو الدكتوراه.

هل كل خريج كليات التربية الفنية في مصر يمتلك القدرة على ممارسة مهنة العلاج بالفن؟

لا، يجب الحصول على دبلوم العلاج بالفن، بالإضافة إلى بعض الدراسات المكملة حسب تخصصه، لضمان ممارسة مهنية سليمة وآمنة.

هل تقتصر المؤهلات على الشهادات الأكاديمية؟

لا على الإطلاق، فيجب أن يمتلك المعالج معرفة متخصصة بـ "سيكولوجية الخامات"، أي مدى تأثير كل خامة فنية (كالألوان السائلة، العجائن، الأقلام) على الجهاز العصبي للمريض، كما يجب أن يكون لديه علم واسع بالاضطرابات والمدارس العلاجية المختلفة، والأمر الحاسم هو خضوع المعالج لـ "إشراف مستمر" من متخصصين، وهذا ما يعمل عليه حالياً "البورد العربي للفنون والصحة" لوضع معايير مهنية تضاهي المعايير الدولية.

ما هي المخاطر التي قد تترتب على التعامل مع ممارس غير مؤهل، وهل يمكن أن يتسبب ذلك في ضرر حقيقي للمريض؟

 التحذير هنا شديد الأهمية، الممارس غير المؤهل قد يتسبب في "ضرر بالغ"، فقد يسيء التعامل مع الشخص، أو يسيء استيعابه، أو يفسر الرموز الفنية بناءً على أهوائه الشخصية وليس على أسس علمية، والأسوأ من ذلك، أنه قد يضغط على المريض ويذكره بـ "صدمة" (تروما) كانت من ميكانيزمات الدفاع لديه أن المخ أنكرها، دون أن يكون متمرساً في تعليمه كيفية التعامل معها.

 وما هي التداعيات المباشرة لهذا الخطأ؟

الممارس غير المؤهل قد يحرك الصدمة مرة أخرى، أو يغذي الأفكار الخطيرة في حالات الاكتئاب الشديد أو الإدمان، وقد يخرج المريض من الجلسة وهو “أكثر تهيجاً ومشتتاً ومنهكاً”، العلاج بالفن يتطلب تخصصاً ومعرفة دقيقة بـ "بروتوكولات الإحالة" وحدود الممارسة المهنية، فالمعالج يجب أن يعرف متى يحيل المريض إلى طبيب نفسي أو معالج آخر.

بالنظر إلى فعالية العلاج بالفن، ما هي أبرز الاضطرابات والحالات التي أثبت فيها الفن دوره العلاجي؟

الفن أثبت فعاليته في نطاق واسع، وقد أكدت دراسة ضخمة لمنظمة الصحة العالمية عام 2019 دوره في حالات نفسية وعضوية.

هل يمكن أن تذكري لنا أمثلة محددة؟

بالتأكيد، فبالنسبة للأطفال والمراهقين، فهو فعال في حالات الاضطرابات السلوكية مثل العدوان والتنمر، والاضطرابات النمائية كصعوبات التعلم وضعف الذاكرة، وكذلك فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، حيث يساعد على التركيز وتقليل الحركة. أما البالغون، فيستفيدون منه في علاج القلق، الاكتئاب، الوسواس القهري، والصدمات بأنواعها.

وماذا عن كبار السن؟

في حالات الذاكرة والزهايمر، يعمل الفن كجزء وقائي مهم، إذ يحافظ على "المرونة العصبية" للمخ، مما يقلل من خطر الإصابة بالزهايمر أو يبطئ من سرعة تماكن المرض. بشكل عام، يمكن أن يعمل الفن كعلاج تكميلي في حالات الاضطرابات الشديدة، أو يقوم بالعمل بمفرده في حالات الاضطرابات المتوسطة والخفيفة، شريطة أن يكون تحت إشراف طبي ومتابعة مستمرة.

إذا أخطأ المعالج بالفن، من يحاسبه؟

المسؤول عن الفريق العلاجي هو من يحاسب، وعادة يكون المعالج نفسه أو رئيس العمل، مع مراعاة المعايير الداخلية لكل جهة تقيس تقدم أو تدهور الحالات وتحدد العوامل المؤثرة.

ومن يضمن حياده؟

كل جهة بيكون عندها المعايير اللي بتقيس بيها مدى تقدم او تدهور الحالات و كيفية تحديد العوامل المتداخلة.

وما أمثلة هذه المعايير؟

تتمثل هذه المعايير في خرق لقاعدة من قواعد اخلاق المهنة، مثل عرض الأعمال بدون موافقة العميل، أو سوء استخدام الاعمال الفنية، أو افشاء اسرار العميل، أو توجيه نقد أو حكم أو احتكاك أو تلامس جسدي، أو أي نوع من التهكم أو الاستهزاء.

تردد الكثير من الأقاويل بأن العلاج بالفن سبوبة.. فهل هو وسيلة لجمع المال؟

مثل كل المهن، هناك من يعمل بضمير ومن يسعى فقط للربح دون تقديم قيمة حقيقية، وما يميز العلاج بالفن أنه مهنة إنسانية جميلة، تتيح للعاملين تقديم قيمة حقيقية وتأثير عميق في المجتمع، إلى جانب الجانب المالي.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء