بين مناهضة للاحتلال وتزوير.. تطور البرلمان المصري في العهد الملكي
يطلق على البرلمان تسميات مختلفة حسب كل دولة مثل "مجلس النواب"، "المجلس التشريعي"، "مجلس الأمة"، "الجمعية الوطنية"، أو "المؤتمر العام الوطني".
ويُمثل البرلمان السلطة التشريعية في الدولة الدستورية، إذ يعتبر الهيئة التشريعية، ويتكون من مجموعة من الإفراد يطلق عليهم اسم النواب أو المُمثلين، ويكون التحاقهم بالبرلمان عن طريق الانتخاب بواسطة الشعب والبرلمان له ثلاث مهام هي التشريع والرقابة على أعمال الحكومة وتمثيل الشعب أمام الحكومة.
البرلمان في عهد محمد علي
كانت بداية الحياة النيابية في مصر عام 1829، في عهد محمد علي باشا، عندما أنشأ مجلسًا للمشورة يتكون من كبار التجار والأعيان والعمد والمشايخ والعلماء، وكانت وظيفته الأساسية إبداء الرأي في المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد علي باشا بتنفيذها، فكان رأي المجلس استشاري ولكن هذا المجلس تعطل بوفاة محمد علي لأن عباس وسعيد لم يكونا متحمسين لهذا المشروع.

البرلمان في عهد الخديوي إسماعيل
أُنشئ مجلس شورى النواب في عام 1866، وكان يتكون من 75 نائب انتخبهم الشعب من طبقة كبار مُلاك الأراضي الزراعية وكان للخديوي إسماعيل رغبة حقيقية في إشراك الشعب مُمثلًا في طبقة كبار الملاك في إبداء الآراء في المسائل التي تتعلق بتسيير شئون الحكومة المصرية، ولكن رأي هذا المجلس كان استشاريًا أيضًا ولعب دورًا مناهضًا للتدخل الأجنبي في شئون البلاد.
البرلمان في عهد الخديوي توفيق
تولي ابنه توفيق الخديوية، بعد خلع الخديوي إسماعيل ونفيه خارج مصر عام 1879 م، واستمر مجلس النواب في عهده يحاول أن ينتزع لنفسه حقوق تشريعية تجعله طرفاً في الموافقة على أي قوانين أو تشريعات جديدة، وهي الحقوق التي حصل عليها بالفعل مناصفة مع الخديوي، بالإضافة إلي حق إقرار الضرائب والمسائل المالية بعد مناقشتها والتصويت عليها، فكان ذلك يبشر بقيام حياة نيابية نشطة في مصر، ومن ثم قيام نظام ديموقراطي يكون الأول من نوعه في المنطقة، غير أن الاحتلال البريطاني لمصر 1882 م قضي علي هذا الحلم الوليد و قضي علي أمل مصر في أن تصبح من طليعة الدول التي تقيم نظام ديموقراطي راسخ.
البرلمان في عهد الملك فؤاد
يُذكر أن كان أول انتخابات برلمانية جرت في مصر كانت في عام 1924م بعد صدور دستور 1923م، وتقدمت الأحزاب، وعلى رأسها الوفد بزعامة سعد زغلول، والحزب الوطني، والأحرار الدستوريين، وحصل الوفد على الأغلبية من مقاعد مجلس النواب بـ 195 مقعدا، وكان عدد الأعضاء 264 عضواً وتم افتتاح البرلمان في 15 مارس 1924.
لم يتحمل الملك فؤاد دستور 1923 وما تمخض عنه من حكومة أغلبية وفدية ومجلس نيابي قوي يسيطر عليه الوفد، لذلك عمد إلى إنشاء أحزاب تكون موالية للقصر لتحقيق التوازن وقام بتولية إسماعيل صدقي باشا الوزارة، فقام الأخير بإلغاء دستور 1923م وأصدر دستور 1930م الذي أعطي صلاحيات واسعة للملك حتى سمي بدستور الملك في مقابل دستور 1923 م الذي سمي بدستور الشعب، ولكن بسبب قيام المظاهرات العارمة في الشوارع احتجاجاً علي إلغاء دستور 1923م و خوف الملك فؤاد من قوة و دكتاتورية إسماعيل صدقي قبل استقالته في 21 ديسمبر 1933م، و عندما تولى توفيق نسيم الوفدي الوزارة، قام بإلغاء دستور صدقي 1930م و العودة إلي دستور 1923م .
البرلمان في عهد الملك فاروق
شهدت الحياة النيابية في مصر أول عملية تزوير لصالح حزب أو ضد حزب بعينه، وهي تزوير انتخابات 1938م، التي زورها محمد محمود باشا لإسقاط الوفد بناءً على رغبة القصر، كما أن القصر والحكومة استغلا الأحكام العرفية وقاما بفرضها في معظم الأوقات لتكميم الصحافة وإرهاب أحزاب المعارضة في مجلس النواب لمنعها من انتقاد الحكومة، وذلك عقب جلوس الملك فاروق على العرش عام 1936م.
وظل دستور 1923م هو الدستور السائد في البلاد حتى يوليو 1952م، وبهذا أنقضت فترة خصبة من الليبرالية المصرية بما لها وما عليها، وبدأت فترة جديدة مختلفة عنها في نواح عديدة، ودخل البرلمان المصري مرحلة مختلفة وجديدة.


