23 سنة اعتقال.. أسير محرر يكشف طرق التعذيب داخل سجون الاحتلال|حوار
خلف أسوار سجون الاحتلال هناك عالم آخر لا يتخيله أحد، عالم أقرب للجحيم، بل هو الجحيم الذي لا يفرق بين طفل وشيخ.
وفي محاولة لكشف غموض هذا العالم المرعب التقى "إيجبتك" أحد الناجين من هذا العالم الغامض، وهو أسير محرر قضى أكثر من 23 عاما في سجون الاحتلال، حيث اعتقل طفلا مقاوما ليخرج منه بطلا صامدا.
بطلنا هو “شادي محمد حسين غوادره”، المعروف بـ"أبو غضب"، أسير محرر من جنين أبعِد عن فلسطين إلى مصر، يروي تجربته مع المقاومة والاعتقال والإبعاد، ويكشف ما جرى خلف أسوار السجون الصهيونية قبل السابع من أكتوبر وبعده، وكيف تحوّل الجسد الأسير إلى ساحة تعذيب، والعقل الأسير إلى مساحة صمود وتعليم ووعي سياسي.
بدايةً.. من هو شادي غوادره لمن لا يعرفه؟
أنا الأسير المحرر والمبعد من وطني فلسطين إلى وطني مصر، شادي محمد حسين غوادره، الملقب بـ"أبو غضب". ابن قرية بير الباشا قضاء جنين، حملت البندقية وأنا في الثالثة عشرة من عمري، ودخلت السجون الصهيونية يافعاً، وخرجت منها رجلاً حمل معه وجع التجربة ووعيها.

بدايتي النضالية ارتبطت بانتفاضة الأقصى عام 2000. عشت ما عاشه شعبي من ظلم وقهر وممارسات تحمل بصمة النازية والفاشية، بل تفوقت عليها في جوانب عدة.
الاحتلال الصهيوني لم يستهدف تنظيماً أو مجموعة بعينها، بل شرع في تنفيذ مجموعة من السياسات ضد المجتمع الفلسطيني برمته: قتل بدم بارد، هدم بيوت ومؤسسات، تدمير ممتلكات ومقدرات الشعب، مصادرة أراضٍ، توسيع استيطان، والتنكيل بكل ما هو فلسطيني.

على المستوى الشخصي، أكثر ما هزّني وغيّر مسار حياتي كان قتل الأطفال، خاصة الطفلة الرضيعة إيمان حجو، وفارس عودة، ومحمد الدرة. هذه الصور لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل تحولت إلى وقود داخلي دفعني نحو خيار المقاومة، أسوة بأبناء شعبي.
كيف استطعت الانخراط في المقاومة رغم صغر سنك؟
كنت في الثالثة عشرة من عمري، وهذا كان كافياً لرفض التنظيمات انخراطي في أجنحتها العسكرية. كلما ذهبت إلى مجموعة قوبلت بالرفض للسبب نفسه: "أنت صغير".
لكنني لم أستسلم. قررت أن أتصرف بشكل فردي قدر المستطاع. أقنعت أحد أفراد عائلتي بأن أستخدم سلاحه الشخصي لاستهداف معسكر "دوتان" المحاذي لقريتي بير الباشا، شمال جنين.
كانت تلك أول عملية أشارك فيها ضد هدف صهيوني داخل الأراضي المحتلة عام 1967، وأنا في سن الثالثة عشرة.

كيف واجهت هذا الرفض ؟
استمر عملي ضمن خلية عسكرية سرية لمدة عامين، حتى بلغت الخامسة عشرة الخلية تشكلت من أفراد عائلتي وعشيرتي، وكانت تعمل بشكل سري ومنظم، دون أن تعرف قيادة المقاومة بوجودي بينهم، لأنهم لو علموا لواجهت الرفض نفسه بسبب السن.
في مرحلة لاحقة، طلبت المقاومة تنفيذ عملية فدائية استشهادية، فتطوعت فوراً. عندها فقط علمت قيادة المقاومة بنشاطي مع الجناح العسكري لحركة فتح، كتائب شهداء الأقصى، ولكن رفضت القيادة تطوعي بسبب صغر سني مجدداً.
اتفقت مع ابن عمي ورفيق دربي "أبو خالد" أن يقنعهم بأن هناك شخصاً آخر أكبر سناً سيتولى التنفيذ، فوافقوا، لم يدركوا أن هذا "الشخص الآخر" هو أنا نفسه وبالعمر ذاته.
نفذت العملية في مدينة باقة الغربية المحتلة عام 1948، وتمكنت من قتل ضابط وإصابة أربعة جنود. خلال الاشتباك تعرضت لإصابة خطيرة، ورفضت الاستسلام حتى اللحظة الأخيرة، لكن في النهاية وقعت في الأسر.
ماذا تتذكر من لحظة سقوطك أسيرا بيد قوات الاحتلال؟
بعد إصابتي واعتقالي، نُقلت إلى مستشفى الخضيرة، حيث بقيت أكثر من ستين يوماً مكبلاً في اليدين والقدمين.
كانت الإهانة والتنكيل جزءاً من "العلاج" اليومي. لم أعامل كأسير حرب وفق اتفاقية جنيف، لا من ناحية الرعاية الطبية ولا من ناحية المعاملة الإنسانية.
التحقيق استمر على سرير العلاج لمدة واحد وعشرين يوماً. رأيت خلاله الموت بأشكال مختلفة، ليس فقط عبر الضرب، بل بسياسة الخنق، والشتائم، والمساومة على تقديم العلاج. كانوا يتعاملون مع علاجي كملف أمني، لا كحالة إنسانية.

كيف واجهت التحقيق؟
فهمت مبكراً أنهم لا يحتاجون إلى "اعتراف" لإدانتي؛ الأدلة كانت دامغة ضدى فهناك سلاح، عملية، إصابة، اعتقال، ما كانوا يلاحقونه فعلاً هو من يقف خلفي من جنّد، من موّل، من درّب، ومن يدير الخلايا.
قررت أن أختلق قصة مقنعة أحمي بها الخلية العسكرية التي أعمل معها، ليتمكنوا من مواصلة المقاومة.
نجحت الخطة في البداية، وحُكم علي بالسجن 24 عاماً لصغر سني، وهذا كان الحكم الأول قبل المؤبد.
بعد عشرة شهور فقط، أُلقي القبض على الخلية التي استمرت في تنفيذ العمليات ضد الأهداف الصهيونية وقتلت مجموعة من ضباط وجنود الاحتلال. حينها فقط أدرك العدو أنني خدعته في التحقيق.
قالوا لي بالحرف تقريباً: "لو أنك قلت الحقيقة منذ البداية لألقينا القبض على هذه المجموعة، ولما قُتل جنودنا".
نتيجة ذلك أضيف إلى حكمي حكم جديد، هو السجن المؤبد.

كيف كانت بداياتك داخل الأسر؟ وكيف تأقلمت مع واقع السجن القاسي؟
بداياتي في الأسر كانت قاسية إلى أبعد حد، فهناك إهمال طبي، معاملة سيئة، طعام رديء، وظروف لم أكن أتخيل أنني سأعيشها يوماً. كنت مهيئاً نفسياً للموت في الميدان، لا للأسر الطويل.
بعد فترة صدمة، قررت أن أتعامل مع السجن كمرحلة أخرى من النضال، لا كنهاية الطريق. جعلت من الزنزانة محطة لاستكمال مسيرتي النضالية والتعليمية معاً. حصلت على شهادة الثانوية العامة، ثم التحقت بالجامعة، فحصلت على البكالوريوس ثم الماجستير في العلوم السياسية.
كيف يتحول السجن إلى ساحة نضال؟ ما أشكال المقاومة داخل المعتقل؟
النضال داخل الأسر لا يتوقف، لكنه يأخذ أشكالاً أخرى، هناك النضال بالعلم والثقافة وصقل الذات بالمعرفة وتعلم اللغات. وهناك النضال اليومي من أجل خلق حياة كريمة رغم كل شيء.
خضنا العديد من الإضرابات عن الطعام، أحدها استمر 42 يوماً، إضافة إلى سلسلة من الخطوات التكتيكية المستمرة لتراكم الإنجازات وتحسين ظروفنا ودعم صمودنا داخل السجون، كل حق انتزعناه جاء خلفه تضحيات ودموع وآلام.
كيف تصف واقع الأسرى قبل السابع من أكتوبر؟ وماذا تغير بعده؟
قبل السابع من أكتوبر، كنا نعيش الألم والقهر والعذاب، لكن ما حدث بعد السابع من أكتوبر نقل الأمور إلى مستوى آخر تماماً.
بعد ذلك اليوم، تحول السجن إلى أكثر من جحيم وفُرضت علينا مجموعة من العقوبات والسياسات الوحشية التي يصعب تصديقها
ما أبرز هذه العقوبات؟
سياسة "العواء" مثلاً، كانوا يجبرون الأسرى على العواء بالقوة والدم، وسياسات الاغتصاب الجسدي بأدوات حادة، وسياسة الحرق حيث أُحرقت جلود كثير من الأسرى بالنار.
كما فرضوا سياسة انحناء الرأس حتى يرتطم وجه الأسير بالأرض وبنعال الجلادين، وسياسة الشتائم التي تطال الدين والعرض، وإجبار الأسرى على شتم الشهداء.
وأطلقوا النار على أقدام الأسرى، وتعمّدوا تكسير العظام، وضرب الوجوه بالأحذية والنعال حيث كان يأتي ضابط، يختار أسيراً بعينه، ويأمر الجلاد أن يضربه "بالشبشب" على وجهه مئة مرة، وإذا أخطأ في العد يبدأ من جديد.
مارسوا سياسة البصق في أفواه الأسرى، والبول على رؤوسهم، ورش المياه عليهم في البرد، إضافة إلى الغاز المسيل للدموع والفلفل، والرصاص المطاطي الذي يصطاد الأجساد داخل الأقسام.
حتى الضوء حرمونا منه؛ لا ضوء في الزنازين كإجراء عقابي بعد السابع من أكتوبر أضف إلى ذلك تجويع ممنهج ومقصود.
ما يحدث في السجون الصهيونية اليوم لا يصدقه عقل ولا يخطر على بال، ويناقض كل ما يعرفه العالم من دين وأخلاق وإنسانية.
كيف ترى موقف "المجتمع الدولي" مما يحدث في سجون الاحتلال؟
ما يجري داخل وخارج السجون كشف حقيقة مؤلمة كل القوانين الغربية التي طالما تغنت بالحرية والإنسانية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان ليست سوى شعارات للاستهلاك الإعلامي والسياسي.
هذه المصطلحات تُستخدم لتبرير الغزو والقتل والعبودية، وتُجنّد لخدمة سياسات وأجندات العالم الغربي المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها، خاصة الدول الغربية التي تنظر إلينا كشعوب زائدة عن الحاجة، خُلقت للموت، لا حق لها في الحياة والحرية.
الوجه الحقيقي للصهيونية والنظام العالمي المنافق ظهر بوضوح دمنا رخيص في حساباتهم، لكننا نعرف يقيناً أن مقاومتنا وكرامتنا ليست رخيصة، وأن هذا الطريق، رغم آلامه، هو الذي يحفظ للإنسان الفلسطيني إنسانيته.

