"أحلام من أبي.. الوحدة التاريخية".. رؤساء يخطون قصص كفاحهم
يروي الرؤساء سير حياتهم، تخليدًا لأسمائهم وأحيانًا تذكير المواطنين بمأساة حياتهم، لإعطائنا عبرة، بأن المأساة يعقبها انتصارات عظيمة، ومن بين هؤلاء الرؤساء الرئيس الأمريكي الأسود الذي تولى أمريكا "باراك أوباما"، الذي أصدر كتابًا يحمل بين طياته قصته مع والده غير الموجود في حياته، الذي لا يعرف عنه شيئًا سوى من جدته وأمه، وأسمى الكتاب بعنوان "أحلام أبي: قصة عِرق وإرث"، وكذلك من هؤلاء الرؤساء "الرئيس فلاديمير بوتين"، الذي تتناول في كتابه يذهب إلى أن الهوية الأوكرانية القومية الحديثة «صناعة تاريخية»، وأن كثيرًا من أراضي أوكرانيا الحالية كانت تاريخيًا روسية، ويحمّل في الوقت ذاته الدول الغربية مسؤولية «فصل الشعبين» عبر سياسات تهدف وفق رؤيته إلى تحويل أوكرانيا إلى دولة مناهضة لروسيا.
ونستعرض خلال التقرير التالي كتابي "أوباما، وبوتين"، على النحو التالي:
نشر الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما"، كتابًا يحمل بين طياته مذاكرته، بعنوان "أحلام أبي: قصة عِرق وإرث"، وصدر هذا الكتاب لأول مرة عام 1995، إذ حكى فيه سيرة حياته وقصة حلم والده الذي لم يعرفه كفاية خلال حياته، لكنه اكتشفه بعد موته، ووعى الحلم الذي ورثه عنه جينيًا، الذي رافق وحكم حياته، وهو حلم كل مواطني القارة السوداء، سواء الذين عاشوا فيها وحاولوا تطويرها، أو ولدوا بعيدين عنها في أمريكا وحملوا بصمات أسلوب حياتها حتى ولو لم يعرفوها، وترجم الكتاب إلى العربية.
محتويات الكتاب
يشتمل الكتاب على 3 أبواب، الأول بعنوان "جذور"، ويضم 6 فصول، والثاني بعنوان "شيكاغو"، ويحتوي على 7 فصول، والباب الثالث بعنوان "كينيا"، ويضم 6 فصول.
يدور هذا الكتاب حول سعي "أوباما" لفهم القوى التي أسهمت في تشكيله، بوصفه ابنًا لأب إفريقي أسود وأم أمريكية بيضاء، كما يحمل الكتاب تأملًا استقصائيًا لمعنى الهوية في أمريكا، ويسلط الضوء على الصعاب التي كابدها أحد زعماء الولايات المتحدة في رحلة بحثه عن الهوية قبل أن يشغل أعلى منصب في البلاد.
ترجمة الكتاب للعربية
صدرت ترجمة الكتاب واتيحت على الإنترنت بموجب اتفاق قانوني بين مؤسسة هنداوي والمؤلف باراك أوباما، عناية ديستل، جودريتش، آند بوريت. حقوق الترجمة محفوظة لمؤسسة هنداوي.
حياة أوباما الشخصية
يسرد أوباما سيرته من اللحظة التي تلقى فيها اتصالًا مقتضبًا من عمته جين في نيروبي، تخبره بأن والده توفى في حادث سيارة، ويتوقف أوباما عند هذا الخبر، ليسرد ذكرياته القليلة عن والده المتوفي الذي لا يمثل بالنسبة له سوى شخصًا رآه مرة واحدة، وقضى معه قرابة عشرين يومًا، وباستثناء ذلك الحادث لم تتعد العلاقة بينهما الكلمات التي تصل عبر رسائل في فترات متباعدة، تحمل النصيحة والحث على الاجتهاد، دون أن ترفق ولو لمرة واحدة بحوالة مالية أو حتى هدية.
وتابع "أوباما"، في كتابه، لهذا السبب لم تترسخ صورة الأب الحقيقية، وبقى شأنه شأن آلاف الأطفال الأمريكيين ابنًا لامرأة عزباء عليها أن تؤّمن مصاريف عيش ابنها ودراسته، وما تبقى له من صورة والده أكملتها أمه وجدته عنه، ومن خلال قصص هؤلاء (الجد والجدة والأم) كوّن أوباما لنفسه صورة لهذا الأب القادم من أعماق إفريقيا في بعثة دراسية لأمريكا، ليتزوج امرأة بيضاء، ويعود إلى موطنه بعدما ولد طفله بقليل، في حقبة مفصلية من التاريخ الأمريكي، كانت فيها قوانين الفصل العنصري لا تزال سارية في بعض الولايات، وفي هذه الأجواء في منزل الجد والجدة حيث كان الحديث يدور عن الأب وقصصه، نشأ هذا الطفل الأسود في رعاية أسرة بيضاء، كانت تشكل قمة التناقض المحير في حياة طفل صغير يفتح عينيه على الحياة.
كتاب الوحدة التاريخية
في السنوات الأخيرة، تصدر اسم فلاديمير بوتين أغلفة كتب ومنصات نشر روسية ككاتبٍ مؤلّف، لكن الصورة التي تتشكل عند التمعّن في هذه المواد تكشف شيئًا مختلفًا تمامًا، فالرجل الذي يقود روسيا منذ أكثر من عقدين لم يتجه يومًا إلى كتابة رواية أو مذكرات سردية واسعة، بل ترك بصمته عبر نصوص سياسية وأيديولوجية وخطب متراكمة، وُضعت لاحقًا في شكل كتب تُباع على منصات إلكترونية، وتُقدَّم بوصفها مؤلفات فكرية لرئيس الدولة.
قصة كتاب «الوحدة التاريخية»
من بين أبرز ما يُنسب لبوتين يأتي مقال «حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين»، الذي نُشر رسميًا على موقع الكرملين في 12 يوليو 2021 بثلاث لغات، وصار في غضون أشهر أحد أهم النصوص السياسية في روسيا الحديثة، وفي هذا المقال الذي يشبه خطابًا أيديولوجيًا أكثر من كونه دراسة تاريخية، يستعرض بوتين رؤيته للعلاقة بين الروس والأوكرانيين والبيلاروس، معتبرًا إياهم أجزاءً من «أمة ثلاثية» واحدة.
ويذهب إلى أن الهوية الأوكرانية القومية الحديثة «صناعة تاريخية»، وأن كثيرًا من أراضي أوكرانيا الحالية كانت تاريخيًا روسية، ويحمّل في الوقت ذاته الدول الغربية مسؤولية «فصل الشعبين» عبر سياسات تهدف وفق رؤيته إلى تحويل أوكرانيا إلى دولة مناهضة لروسيا، وشكّل هذا النص لاحقًا إحدى الدعائم الفكرية للسياسات الروسية تجاه كييف، حتى أنه أدرج ضمن مواد بعض المؤسسات التعليمية العسكرية، في مؤشر على تحوّله من مقال سياسي إلى وثيقة مرجعية داخل أجهزة الدولة.
رسائل أيديولوجية في ثوب مؤلفات
كما انتشرت سلسلة من الكتب المنسوبة إلى بوتين، مثل «روسيا الموجهة إلى المستقبل»، الذي يُقدَّم على أنه «كلمة قوية من الرئيس»، وكتاب «أفكار عن روسيا: الرئيس حول أهم الأمور»، إلى جانب كتاب «الوطنية: الفكرة القومية لروسيا».
وتتشابه هذه المؤلفات من حيث البناء والمحتوى، فهي ليست أعمالًا أدبية أو بحوثًا فكرية معمقة، بل تجميع لكلمات وخطب وتصريحات رسمية جرى تنسيقها وتقديمها في قالب كتابي، وتُظهر هذه المواد تركيز بوتين المستمر على مفاهيم مثل القوة الوطنية، والاستقلال السياسي، والدور التاريخي لروسيا، وهي مفاهيم غالبًا ما ترد في خطاباته العامة وفي الأيديولوجيا الرسمية التي تبنيها الدولة اليوم.
أما كتاب «الخطب والبيانات المختارة»، فهو مثال آخر على هذه النوعية من المؤلفات، إذ يتضمن نصوصًا رسمية دون تدخل من الكاتب نفسه، ورغم تداوله بين القراء كمؤلَّف لبوتين، فإنه أقرب إلى أرشيف سياسي منه إلى كتاب مؤلف. وتأتي هذه المادة ضمن سياق متكرر في التجربة الروسية المعاصرة، حيث تُحوَّل خطابات القادة إلى مؤلفات تُقدَّم للجمهور بوصفها نتاجًا فكريًا مباشرًا.
أرشيف سياسي يُسوّق كعمل أدبي
على الجانب الآخر، يبرز كتاب مختلف تمامًا، وهو «First Person: An Astonishingly Frank Self-Portrait»، فهذا الكتاب ليس من تأليف بوتين، بل يشكل مجموعة مقابلات مطوّلة أُجريت معه على مدار أكثر من 24 ساعة، تتناول طفولته، وخدمته في جهاز المخابرات الروسي «KGB»، وصعوده إلى السلطة.
ويعد هذا العمل أقرب ما يكون إلى سيرة ذاتية، لكن مساهمة بوتين فيه اقتصرت على الحوار لا الكتابة، ومع ذلك، اكتسب قيمة كبيرة لأنه يقدّم واحدة من أولى الإطلالات المباشرة على شخصيته ومسيرته، كما شكّل مرجعًا مهمًا لفهم بداياته السياسية.
ومع شهرة هذه المواد، تنتشر أيضًا روايات ملفّقة حول مؤلفات أخرى منسوبة إلى بوتين، أبرزها الادعاء الشائع بأنه كتب كتابًا بعنوان «كفاحي» على غرار كتاب هتلر، وهو ادعاء لا يستند إلى أي مصدر موثوق، ويعكس انتشار هذه المزاعم حالة الخلط بين الكتب الرسمية، والخطابات المنسوبة، والمحتوى الأيديولوجي الذي يحمل اسمه من دون أن يكتبه فعليًا.

