رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من خان يونس إلى رفح ثم مصر.. رحلة أم فلسطينية تبحث عن الحياة بعد الموت|خاص

خيام النازحين في
خيام النازحين في رفح

في ظلام الحرب ووسط صرخات الأطفال وأنين الأمهات، كانت منى سليم، أم لسبعة أبناء – خمسة أولاد وبنتين – تحاول النجاة بعائلتها من جحيم القصف في خان يونس جنوب قطاع غزة، قصتها ليست مجرد حكاية نزوح، بل ملحمة أم فلسطينية قاومت الموت أكثر من إحدى عشرة مرة، لتصبح شاهدة على واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في غزة.

تبدأ منى حديثها لـ"إيجبتك" بصوت مرتجف، تتذكر الأيام الأولى للحرب حين استشهد شقيق زوجها وابنه تقول "بعدها كان من الطبيعي أن نبدأ النزوح من مكان إلى آخر داخل خان يونس، فقد أصبح الخطر يحيط بنا من كل اتجاه".

نزحت منى أكثر من 11 مرة بحثاً عن الأمان الذي لم تجده ومع اشتداد القصف، اضطرت العائلة إلى إخلاء خان يونس بالكامل والتوجه نحو رفح، تصف منى تلك الليلة بأنها الأصعب في حياته "لم أكن أعرف إلى أين أذهب، كنت أهرب فقط من الموت تركت كل شيء خلفي، لم أحمل سوى حقيبة الأوراق الرسمية، وكل واحد من أولادي حمل حقيبته الصغيرة بملابسه.”

لكن رحلة الهروب لم تكن نهاية الألم فالقصف لاحقهم حتى في الطريق، والموت كان يحيط بهم من كل مكان تقول منى"لم نجد مكاناً نأوي إليه في رفح، فاشترينا الخشب والنايلون، وصنع زوجي خيمة بسيطة، لكن العيش كان شبه مستحيل".

لم تحتمل الأم حياة الخيام، فقررت العودة إلى بيت عائلتها في خان يونس رغم خطورة القرار وكانت قد تركت ابنها الأكبر (16 عاماً) عند أهلها في المنطقة التي كانت تُعد أكثر أماناً، ثم عادت إلى أحد البيوت الذي أمرهم الاحتلال بإخلائه وبعد أيام، وتحت ضغط الجميع تركت البيت وذهبت عند بيت أهلها وكانت هناك نقطة توزيع للمساعدات الغذائية.

وفي أحد الليالي، وكانت الساعة الحادية عشرة تقريباً، تقول مني "غفلت عيني لدقائق، قبل أن أفزع على صوت زوجي يصرخ يا ناس، يا هو... إلحقونا".

تسكت قليلاً، ثم تكمل بصوت متهدج "لقد تم قصفنا بعشرات براميل المتفجرات في أكثر الأماكن التي وُصفت بالأمان، القتلى والمصابين في كل مكان، والأشلاء متناثرة… رأيت ابن أخي بين الضحايا.

تبحث منى بجنون عن أولادها وسط الركام، والدم يسيل من وجهها دون أن تشعر به وتقول "كنت أركض بين الجثث، أريد فقط أن أراهم أحياء".

وعندما ذهبت إلى المستشفى لتطمئن عليهم فوجئت بممرض يقرأ أسماء الشهداء ويقول"هذا وصلنا شهيد.. هذا شهيد، تتابع منى أخذت الورقة من يده فرأيت اسم ابني "عماد الدين" كل ما استطعت قوله كان الحمد لله يا رب، الحمد لله الذي جعلنا من أهل الحمد.

تخيط الطبيبة جرحها دون تخدير، لكنها لا تشعر بشيء تقول منى "لم يكن هناك ألم أكبر من فقد ابني"، ثم عثرت على ابنها الآخر مصاباً في رأسه، ولم ينتبه له الأطباء بسبب كثرة الجرحى، فيما كانت ابنتها مصابة بحروق، وابن أخيها في العناية المركزة قبل أن يُستشهد في اليوم التالي.

لم تجد العائلة وقتاً للبكاء، فالقصف لم يتوقف، وكان عليها أن تجمع ما تبقى من ملابس وفرش لتعود مرة أخرى إلى رفح، حيث استقرت في خيمة مشتركة مع عائلة أخرى لمدة شهرين.

لكن المأساة لم تنتهِ، فبعد شهرين فقط استُشهد والد منى ومعه سلفها وابنه، وابن أخيها، وابن أختها، وأخت زوجها، وابنها، وبنات شقيق زوجها.

تقول منى بعيون دامعة: “كأننا في حلم… لا أصدق أننا فقدنا كل هؤلاء.”

وبعد رحلة نزوح طويلة وأيام من الخوف والجوع، تمكنت منى أخيراً من النجاة إلى مصر مع أطفالها، فيما بقي زوجها في غزة لكنها تقول إن روحها لم تغادر القطاع، ابتعدت عن القصف والدمار، لكن قلبي ما زال هناك كل ليلة أبكي على من بقي في غزة لم أعرف طعم الأمان بعد.

وتختتم منى حديثها بكلمات امتنان لمصر وشعبها "المصريون كانوا خير عون، فتحوا قلوبهم قبل بيوتهم، وشعرنا أننا بين أهلنا".

قصة منى ليست مجرد مأساة عائلية، بل مرآة لمعاناة آلاف الأمهات الفلسطينيات اللواتي فقدن بيوتهن وأحبّاءهن، وما زلن يحملن في قلوبهن الحلم البسيط بالحياة في وطنٍ آمن، بعيداً عن أصوات القنابل والركام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء