بجنوب سوريا
بدو السويداء النازحون.. أمل يتلاشى في العودة وسط الخوف المتجدد بعد أحداث دامية
بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على الاشتباكات الطائفية التي هزت محافظة السويداء جنوب سوريا في يوليو الماضي، لا يزال آلاف البدو النازحين يعيشون في حالة من القلق والترقب، وسط تراجع الآمال بعودة قريبة إلى ديارهم، في ظل استمرار أجواء التوتر والخوف المتبادل بينهم وبين أبناء الطائفة الدرزية، وفقًا لـ" فرانس24/ رويترز".
أعمال عنف واسعة النطاق
تعود جذور الأزمة إلى الثاني عشر من يوليو الماضي، حين اندلعت مواجهات مسلحة عنيفة بين مجموعات درزية وقوات حكومية دخلت المحافظة لإعادة فرض النظام، لتتحول سريعًا إلى أعمال عنف واسعة النطاق أودت بحياة أكثر من ألف شخص، غالبيتهم من الدروز، وفق ما أفادت به جهات مراقبة مستقلة.
وانتهت المواجهات بهدنة مؤقتة في السادس عشر من الشهر نفسه، انسحبت بموجبها القوات الحكومية من المحافظة، لكنها تركت خلفها جرحًا عميقًا وانقسامًا اجتماعيًا حادًا أنهى سنوات طويلة من التعايش بين المكونين.
عمليات طرد السكان السنة من المنطقة
من بين آلاف العائلات التي هجرت ديارها، تبرز مأساة عائلة "صبيح" التي فرت في الساعات الأولى من اندلاع العنف، بعد أن هاجم مسلحون دروز حيهم.
يروي فيصل صبيح، رب العائلة، أنه فقد ثلاثة من أقاربه بينهم ابنته ملك (20 عامًا) التي كانت تستعد للزواج في اليوم التالي.
ويؤكد أن جماعات مسلحة موالية لرجل الدين الدرزي الشيخ حكمت الهجري كانت وراء عمليات طرد السكان السنة من المنطقة، وهو ما أكده أيضًا عدد من النازحين في مقابلات متعددة.
اتهامات للسنة بارتكاب مجازر ضد الدروز
تظهر مقاطع فيديو وثقتها "رويترز" مشاهد لعائلات بدوية محتجزة داخل قرية "أم الزيتون" الدرزية، حيث يُسمع أحد المسلحين وهو يطمئنهم على سلامتهم قبل أن يوجه اتهامات للسنة بارتكاب مجازر ضد الدروز. ويتضمن أحد المقاطع مشهدًا آخر لرجل يفتح باب غرفة مزدحمة بالنساء والأطفال، محذرًا من أن وصول أقاربهم المسلحين إلى القرية سيؤدي إلى "عواقب وخيمة".
وقد تحققت "رويترز" من مواقع التصوير عبر صور الأقمار الصناعية، مؤكدةً صحة التسجيلات.
بدافع تأمينها من أعمال انتقامية
من جانبهم، ينفي قادة محليون دروز الاتهامات بتهجير البدو قسريًا، ويؤكدون أنهم سعوا إلى حمايتهم. يقول طارق المغوش، أحد قادة "الحرس الوطني" التابع للشيخ الهجري، إن نقل العائلات البدوية كان بدافع تأمينها من أعمال انتقامية، وإن تصريحات بعض المسلحين لا تعبّر عن موقف القيادة. لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن "عودة البدو إلى السويداء في الوقت الراهن مرفوضة مجتمعياً"، مضيفًا: "كانوا مركز إشعال الفتنة".
أما مكتب الشيخ الهجري فأكد في بيان رسمي أنه "حرّم الاعتداء على البدو باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي"، لكنه ربط مغادرتهم الجماعية بتورط بعض المجموعات البدوية في أعمال العنف، ورفض الإجابة عن أسئلة تتعلق بعودتهم المستقبلية.
تبني الفكر التكفيري
ويتمسك الشيخ الهجري بموقفه الرافض لأي تواصل مع الحكومة السورية، متهماً إياها بـ"تبنّي الفكر التكفيري"، بينما تعتبر وزارة الإعلام السورية أن إحلال الأمن لن يتحقق إلا بإعادة بسط سلطة الدولة على المحافظة، وتصف اتهامات الهجري بأنها "افتراءات لا أساس لها".
لم يبق أحد من عشائرنا
الأحداث الأخيرة أنهت عمليًا التعايش الذي امتد لعقود بين البدو والدروز، وغيّرت ملامح المجتمع المحلي في السويداء. يقول فيصل صبيح بأسى: "كنا نعيش معًا، نخبز من نفس التنور ونشرب من نفس البئر، أما الآن فلم يبق أحد من عشائرنا".
تعيش عائلته اليوم في قرية "نوى" بمحافظة درعا، داخل خيمة مؤقتة في أرض أحد المزارعين، مثل آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر فرصة للعودة.
خطة لتمكين النازحين من العودة
تقدر الحكومة السورية عدد النازحين من السويداء بنحو 220 ألف شخص، بينهم 70 ألفًا من البدو، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن عدد النازحين البدو وحدهم يتجاوز 120 ألفًا. وفي المقابل، يقدّر باحثون دروز العدد الأصلي للبدو في المحافظة بنحو 35 ألفًا فقط، غادر أغلبهم عقب الأحداث.
ورغم إعلان الحكومة في سبتمبر عن "خارطة طريق" من 13 بندًا بالتنسيق مع الولايات المتحدة والأردن، تتضمن خطة لتمكين النازحين من العودة، إلا أن لجنة محلية موالية للهجري سارعت إلى رفضها، مطالبةً بتقرير المصير وإدارة شؤون المحافظة بمعزل عن دمشق.
أمل بعيد بعودة تبدوشبه مستحيلة
وبينما تواصل واشنطن جهود الوساطة لدفع مسار التهدئة وتبادل المحتجزين واستئناف الخدمات، يظل المشهد في السويداء معلقًا بين الخوف وانعدام الثقة، فيما يعيش عشرات الآلاف من النازحين البدو على أمل بعيد بعودة تبدو، حتى الآن، شبه مستحيلة".