قتل وتعذيب وتجويع.. أسير فلسطيني يروي كواليس 18عاما في سجون الاحتلال|حوار
في الظروف الطبيعية عندما يبدأ الإنسان مرحلة العشرينيات من عمره، تتكون داخله فكرة البحث عن الذات وتحقيق الطموحات والتخطيط للمستقبل، لكن في فلسطين فالوضع مختلف، ففي ظل الاحتلال الإسرائيلي الغاشم لا مكان لأحلام، ولا مستقبل ولا أمان، فالكل مهدد سواء بفقد روحه أو ممتلكاته أو حريته.
وهذا ما حدث مع الشاب ظافر برهم أحد الأسري الفلسطينيين المحررين في صفقة الأسري الأخيرة حيث تم اعتقاله وهو في عمر الحادية والعشرين ليمكث في سجون الاحتلال حتى أصبح عمره أربعين بعدد سنوات اعتقال تجاوزت الثمانية عشر.
اللافت في الأمر أن برهم الذي التقته “إيجبتك” للحديث عن تلك السنوات العجاف التي قضاها في قبضة الاحتلال، مازال متمسكا بالأمل، ومازال قادرا على الحلم، ومتفائلا بمستقبل أفضل وبحياة لا مكان فيها لمحتل أو مغتصب.

وإلى الحوار
عرفنا بنفسك ولماذا تم اعتقالك؟
أنا ظافر برهم القدومي، من قرية كفرقدوم في قضاء قلقيلية، عمري أربعون عامًا قضيت 18 عامًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
اعتقلت عام 2007 بتهمة قتل مستوطن كان ضابطًا طيارًا، وكنت حينها في الحادية والعشرين من عمري. كنت أنتمي لحركة "فتح" – كتائب شهداء الأقصى، كما كنت أعمل في جهاز الأمن الوطني الفلسطيني قبل اعتقالي.
كيف كانت حياتكم داخل السجون قبل الحرب الأخيرة؟
قبل الحرب، كانت لنا حياة يمكن القول إنها أكثر استقرارًا نسبيًا، كنا نعيش نوعًا من الحكم الذاتي داخل السجون، بفضل الإضرابات الطويلة التي خضناها على مدار السنوات الماضية.
هذه الإضرابات ساهمت في انتزاع بعض الحقوق وتحسين ظروفنا المعيشية، مثل السماح بالتعليم، وإدخال الكتب، وتحسين جودة الطعام نسبيًا.
وماذا تغير بعد الحرب الأخيرة؟
بعد الحرب، انقلبت الأمور تمامًا. كل ما حققناه من إنجازات سُحب منا. أصبحنا نعيش في جحيم حقيقي. كانت إدارة السجون تعزلنا بشكل كامل، وتقتحم الزنازين يوميًا. كانوا يدخلون فجأة عدة مرات في اليوم، يضربوننا بلا سبب، يسحبون الفرش والأغطية منذ الصباح حتى المساء، ويتركوننا في البرد القارس.
الإهانات كانت لا تتوقف، والشتائم تُلقى علينا ليل نهار. لا علاج، لا دواء، لا طعام كافٍ، فقط إذلال متواصل.
هل يمكنك أن تصف لنا أحد أشكال التعذيب التي تعرضتم لها؟
أحد أكثر المشاهد قسوة كان عندما تفتح إدارة السجن باب الزنزانة وتطلب منا الخروج للاستحمام. نخرج، لنجد أمامنا وحدة “متسادا” الإسرائيلية، وهي قوة خاصة مشهورة بوحشيتها.
كانوا يطلقون النار علينا أحيانًا لمجرد التسلية، ثم ينهالون بالضرب بالعصي وأعقاب البنادق. بعد أن يشبعوا رغبتهم في الإهانة، يأمروننا بالعودة إلى الزنزانة دون أي علاج.

حدثنا عن الأمراض التي انتشرت بين الأسرى خلال تلك الفترة ؟
العديد من الأسرى أصيبوا بمرض الجرب الجلدي “الإسكابيس”، وكان المرض ينتشر بشكل جنوني. لم يكن هناك علاج، ولا نظافة، ولا استحمام منتظم.
رأيت بأم عيني أسرى لم يستطيعوا النوم من شدة الحكة، حتى تقشّر جلدهم ووصلت التشققات إلى العظم. كانوا يصرخون طوال الليل دون أن يلتفت إليهم أحد.
هل كان هناك تضييق في الطعام والملابس أيضًا؟
نعم، بشكل كبير جدًا. كانوا يمنعون عنا الملابس، خاصة في فصل الشتاء، ويسحبونها عمدًا حتى نعاني البرد القارس. الطعام كان قليلًا جدًا ورديئًا، حتى أن بعض الأسرى فقدوا الكثير من وزنهم. لم يكن مسموحًا بالخروج إلى الساحة أو التعرض لأشعة الشمس.
كيف تمكنت من الصمود كل تلك السنوات؟
الصمود لم يكن سهلًا، لكننا كنا نعيش على الأمل والإيمان. كنت أكتب، أقرأ، وأحاول أن أعيش الحياة رغم الجدران. تعرفت على إخوة كبار في الأسر، مثل عبد الله البرغوثي وعباس السيد ومهند شريم ومعمر الشحروري. وجودهم كان دعمًا معنويًا كبيرًا لي، جعلني أتمسك بالحياة رغم كل شيء.

كيف ترى المستقبل بعد كل هذه السنوات؟
أراه مفعما بالأمل، مهما كان الظلم قاسيًا، الاحتلال قد يسجن الجسد، لكنه لا يستطيع سجن الذاكرة أو الروح. سنواصل النضال بالكلمة والفعل حتى تتحرر فلسطين وكل الأسرى خلف القضبان.
كيف استقبلت خبر الإفراج عنك وإبعادك إلى مصر؟
كان إحساسًا لا يوصف أن تتمتع بالحرية بعد 18 عامًا شعور لا يمكن للكلمات أن تعبّر عنه. ورغم الألم لأنني أُبعدت عن وطني، فإن استقبال مصر لي وللأسرى الآخرين كان عظيمًا لم نشعر للحظة أننا غرباء، بل شعرنا أننا بين أهلنا.
كلمة أخيرة لمن توجهها ؟
أتوجه بالشكر لكل من ساهم في حريتنا، ولكل من دعم قضية الأسرى. أترحم على الشهداء، وأدعو الله بالشفاء العاجل للجرحى، وبالحرية لكل من ما زال في الأسر. كما أشكر مصر حكومةً وشعبًا على هذا الاستقبال الكريم، الذي يؤكد أننا شعب واحد تجمعنا القضية والمصير.

