رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من قاعة المحاضرات إلى مقعد أوبر.. الفقر يطارد أساتذة الجامعات بسبب تدني الرواتب

الدكتور وائل كامل
الدكتور وائل كامل

يُعتبر الأستاذ الجامعي الركيزة الأساسية للتعليم العالي والبحث العلمي، والمحرك الحقيقي لتقدم الأمم. لكن في مصر، يكشف واقع الرواتب عن مأساة حقيقية تضع هذه القامة الأكاديمية أمام خيارات مؤلمة. فبينما يُفترض به التفرغ لإنتاج المعرفة، يجد عضو هيئة التدريس نفسه في سباق مع التضخم، تتآكل فيه قيمة راتبه ليصبح في كثير من الأحيان أدنى مما يتقاضاه الموظف العادي، خاصة بعد الخروج إلى المعاش.

هذه الأزمة الهيكلية، التي تفاقمت بفعل قانون الخدمة المدنية عام 2015 واعتماد الراتب على نسبة متغيرة ضئيلة، لم تدفع فقط بالكفاءات إلى الهجرة نحو الجامعات الأهلية والخاصة، بل ألقت بظلالها القاتمة على أسوار الجامعة ذاتها؛ حيث بات التكالب على مصادر الدخل البديلة - بما في ذلك العمل كسائق في تطبيقات النقل الخاصة أو الاستحواذ على رسائل الماجستير والدكتوراه- ظاهرة تكشف عن خلل عميق يهدد جودة العملية التعليمية والبحثية بأكملها. هذا التقرير يسلط الضوء على تفاصيل الأزمة الصامتة ويكشف عن دوافع عمل الأساتذة خارج أسوار الحرم الجامعي، كما يطرح تساؤلات حول مستقبل البحث العلمي في ظل هذا الانهيار الاقتصادي.

قال الدكتور وائل كامل، عضو هيئة التدريس في جامعة حلوان، إن رواتب أعضاء هيئة التدريس في الجامعات تختلف عن رواتب باقي الجهاز الإداري للدولة؛ لأن تكوين النظام في الراتب الجامعي عبارة عن 20% أساسي و 80% متغير.

 

وأشار إلى أن قانون الخدمة المدنية عندما صدر في عام 2015 كان بهدف معالجة مشكلة الأجر المكمل والأجر الأساسي، وأصبحت رواتب كافة العاملين بالدولة عبارة عن 80% أساسي و 20% مكمل. وهذا هو الوضع الطبيعي، وللأسف لم يحدث نفس الأمر في رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية.

وأكد أنه للأسف عندما يخرج أستاذ الجامعة إلى المعاش، يصبح ما يتقاضاه من معاش ضعيفًا، وقد يكون أضعف مما يتقاضاه الموظف العادي في الجهاز الإداري للدولة، حيث يُخصم منه الأجر التأميني. المشكلة الثانية هي أنه عندما صدر قانون الخدمة المدنية في عام 2015، تم تعويض الكادرات الأخرى بتعديلات وبزيادات أخرى وتم التحسين من وضعهم الاقتصادي، بينما لم يحدث نفس الأمر في كادر أعضاء هيئة التدريس، ولم يحدث في رواتبهم تحسين يتوازى مع معدلات التضخم ومتطلبات وأعباء الحياة المعيشية.

وأوضح أن الأمر اقتصر على أنه يُقرّ كل عام زيادة في حافز الجودة، وتضخم هذا الحافز ووصل إلى أنه يشكل أكثر من سدس الراتب، وهو حافز متغير. والمفترض أن الزيادات تتم على الأساسي، ومنذ تطبيق قانون الموازنة في عام 2015، تم تثبيت المتغيرات، وبالتالي أي زيادة تحدث تزود الأساسي الذي هو في الأصل ضعيف، لأن الأساسي لدينا 20% من إجمالي الراتب. وبالتالي لو تم زيادة 10% على الأساسي، يكون شيئًا ضعيفًا. مثال: أعلى أساسي لأستاذ الجامعة يبلغ 1500 جنيه، وبالتالي عندما تُعطَى له 10%، فيكون ما يحصل عليه من زيادة حوالي 150 جنيهًا.

وقال الدكتور إنه في عام 2012 حدثت زيادات في بدل الجامعة وهو بند من ضمن البنود في الراتب ولم يُستحدَث ولكنه كان ضعيفًا وكان سيتم زيادة أيضًا في بدل الريادة، وكانت الزيادة على وشك أن تحدث ولم يتم تطبيق أي زيادة. وفي عام 2012، تم وضع جدول بزيادات أعضاء هيئة التدريس على 3 مراحل على افتراض زيادة تحسين أجره.

وكشف الدكتور وائل عن حجم المأساة في أزمة رواتب أساتذة الجامعات، قائلًا: "الدولة لا تنتظر من عضو هيئة التدريس راتبه لا يكفيه إنتاجًا مقابل عضو هيئة تدريس آخر راتبه يكفيه".

كما كشف الدكتور وائل كامل عن حجم المأساة التي يعيشها أعضاء هيئة التدريس، قائلًا: إن بعض أساتذة الجامعات اتجهوا إلى البحث عن عمل خارج أسوار الجامعة بالمخالفة لقانون الجامعات، الذي تنص مواده 101 و 102 على منع عضو هيئة التدريس من العمل خارج أسوار الجامعة إلا بتصريح. ولا أحد يحاسب أعضاء هيئة التدريس وتفعيل هذه المواد بسبب الأوضاع الاقتصادية لرواتب أعضاء هيئة التدريس.

وقال إن هناك من أعضاء هيئة التدريس من يعمل في مكتب خارجي أو شركة أو عيادة أو من يعمل في مشروع تجاري، وهناك عدد من أساتذة الجامعات من يعمل سائقي "أوبر".

وانتقل إلى أزمة أخرى تتعلق بالجامعات الأهلية، والتي تسببت في تفريغ الكفاءات من الجامعات الحكومية، والسبب هو المقابل المالي، حيث يتقاضى أستاذ الجامعة هناك ثلاثة أو أربعة أضعاف راتب الجامعة الحكومية، ويتضاعف الراتب في الجامعات الخاصة.

وكشف أيضًا عن قضية أكثر سخونة ومنطلقها أنه بسبب تكوين راتب الأستاذ الجامعي، لا سيما أن بند المتغيرات أحدث تكالبًا على مهام بشكل يضر العملية التعليمية والبحثية. فمثلًا لكي يعوضوا تدني الأجر، قرروا رفع مقابل بدل الإشراف على مناقشة الرسائل وتم رفعه من المئات إلى حدود ألف جنيه أو ألفين، فأصبح هناك تكالب على الرسائل التي تُقدم، وأصبح من له نفوذ وعلاقات يستطيع الاستحواذ على أكبر عدد من الرسائل، وبعلاقاته خارج أسوار الجامعة يذهب ليشرف ويناقش خارج الجامعة، والمشرف في الخارج يجلبه عنده، وتحولت العملية إلى تبادل مصالح أكبر من خدمة العملية التعليمية والبحثية.

وأكد أن إجراء عمل أستاذ الجامعة في الجامعات الخاصة أو الأهلية يتم عن طريق أيام التفرغ، حيث إنه له 4 أيام عمل داخل الجامعة ويومان انتداب إلى الجامعة الأهلية ويسمى انتدابًا جزئيًا أو كليًا بموافقة مجلس الجامعة، أو ينتقل نهائيًا إلى الجامعة الأهلية أو الخاصة.

خريطة توزيع الأجور هل تختلف من كليات عملية عن كليات نظرية؟ كشف عنها الدكتور وائل كامل قائلًا: إنها لا تختلف طبقًا لقانون تنظيم الجامعات، ولكن استحداث البرامج الخاصة في الكليات أحدث فروقات كثيرة وسبب بعض المشكلات في الكليات الحكومية، لأن راتب عضو هيئة التدريس ثابت في الجدول منذ عام 1972 ومدرج به القيم الخاصة به. مثال: مقابل الترقية من أستاذ مساعد إلى أستاذ في السنة الكاملة 72 جنيهًا، ومقابل رئاسة القسم 120 جنيهًا في السنة بمعدل 10 جنيهات في الشهر لمن يتولى رئاسة القسم.

ولفت إلى أن خريطة توزيع الأجور تنتهي في أقصاها من 15000 إلى 17000، وأدناها أو في بداية العمل الجامعي تبلغ 8000 جنيه، ومنها نحو 35% استقطاعات: حوالي 20% ضرائب و 15% تأمينات.

وأشار إلى أن موضوع البرامج الخاصة في الجامعات الحكومية لها مصروفات خاصة مختلفة عن البرامج العادية، ومن يعمل بها له مقابل مختلف عن من يعمل في البرامج الحكومية، ومن يدرس للطلاب الوافدين له أجر مختلف عن زميله في التدريس للطلاب العاديين. وهذه التفرقة تسببت في تكوين شبكة مصالح أو لوبي تحالفات أو استحواذ وحدوث بعض المشكلات داخل الكليات بسبب استحواذ مجموعة صغيرة على هذه المكاسب. وكان مقترح الحل لتفكيك هذه التحالفات هو أن تكون هناك قيمة ثابتة لعضو هيئة التدريس وما يكلف به من أعمال، ومن لا ينفذ التكليف يُخصَم منه، فالراتب يجب أن يكون ثابتًا على الكل.

واقترح أيضًا زيادة في الموازنة العامة للدولة وزيادة المخصصات المالية. والمقترح الآخر هو تعميم تجربة جامعة القاهرة بعد أن أعلن رئيس جامعة القاهرة عن رفع أجور أعضاء هيئة التدريس من خلال الفائض من جامعة القاهرة الأهلية، وإن كان هذا حل جزئي لكنه ليس حلًا جذريًا، لتحقيق الاستقرار المالي لعضو هيئة التدريس والتفرغ لأبحاثه ومؤلفاته. إنما هي فكرة جيدة، لكن هناك تفاصيل غير واضحة في زيادة جامعة القاهرة. وهناك بعض الكليات تحاول إعطاء مكافأة من فائض الوافدين وتقوم بتوزيعها على أعضاء هيئة التدريس، وتُعطَى مكافأة حوالي 1000 أو 1200 جنيه كل تيرم (فصل دراسي).

وشرح البدلات: منها بدل الجامعة الذي تم رفعه في 2012 وصل إلى 2500 لدرجة الأستاذ، وحافز الجودة في بدايته كان 800 عام 2012، وبمرور السنوات وفي محاولة من الدولة لمعالجة ضعف الرواتب يأخذ الزيادة المقدرة بـ 10% مثل باقي العاملين، بخلاف رفع حافز الجودة كل عام بقيمة مالية معينة مختلفة، والتي وصلت قيمته إلى أكثر من ثلث الراتب. هناك بدل ساعات مكتبية، والمفترض أستاذ الجامعة له عدد ساعات تدريس معينة حوالي 8 ساعات في الأسبوع، وما زاد عن ذلك يستحق مقابل ساعات مكتبية يكون 200% من أجره الأساسي والمربوط على درجته الوظيفية ويصل في أقصاه إلى 220 جنيهًا في الشهر.

وقارن بين مكافآت المعلمين وحافز المعلمين، قائلًا: لدينا حافز للامتحانات لكن مكافآت المعلمين التي يتقاضونها مقابل الإشراف على الامتحانات أضعاف أضعاف أساتذة الجامعات.

هناك علاوة زواج بقيمتها 2 جنيه و عشرون قرشًا.

وأشار إلى أنه لا يوجد رابطة بين أساتذة الجامعات أو اتحاد، وحتى دور الأندية الاجتماعية دورها مكبَّل ولا تقوم بأي شيء.

وأنهى تصريحاته الخاصة بأن رواتب القيادات الجامعية مقارنة برواتب أساتذة الجامعات أضعاف الأضعاف، وهناك فارق كبير جدًا، لأن الدخل العائد على الجامعة تجد أن رئيس الجامعة له نسبة فيها، مقابل لجان أو اجتماعات، ومن الممكن أن تجد راتب رئيس الجامعة يصل إلى الملايين، وبالتالي لا يكون عنده أي سبب للمطالبة بزيادة أساتذة الجامعات. وبالتالي تجد هناك تكالبًا على المناصب القيادية في الجامعات وصراعات تصل لحد التشويه و "حرب تكسير عظام". وللأسف عندما وُضِعَ قانون تنظيم الجامعات عام 1972 لم يكن يعلم أساتذتنا الكبار عندما وضعوا القانون أن هناك فروقات كبيرة مثلما يحدث الآن، وكان "التكليف وليس تشريف". ومع التعديلات التي تحدث في القانون تكون لصالح من يريد إجراء التعديلات قبل مصالح أساتذة الجامعات الصغار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء