اقتصاد المناخ الخفي.. كيف تتحول الكوارث إلى سوق عالمية؟|خاص
تجاوزت قضايا المناخ إطارها البيئي التقليدي لتصبح جزءًا لا يتجزء من الاقتصاد العالمي وسياسات التنمية المستدامة، وتتحول إلى قوة اقتصادية كبرى تعيد تشكيل الأسواق العالمية، وتفرض على الحكومات والشركات إعادة النظر في سياساتها الإنتاجية والاستثمارية، في وقت أصبح فيه “اقتصاد المناخ” أحد أهم محركات النمو العالمي خلال العقد الأخير.
وفي ظل ارتفاع الكوارث الطبيعية تتصاعد الضغوط الدولية لخفض الانبعاثات الكربونية تتجه رؤوس الأموال نحو الاستثمارات الخضراء، فيما تتراجع جاذبية القطاعات الملوثة للبيئة.
ويرى خبراء أن هذا التحول لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية تمليها حقائق السوق الجديدة. كما يتفق الخبراء على أن العالم يقف اليوم أمام تحول اقتصادي غير مسبوق، يقيس القوة لا بحجم الناتج المحلي فحسب، بل بقدرته على حماية الكوكب من الاحتباس والتلوث.
وبينما تتسابق الدول نحو “التحول الأخضر”، تبقى الفرصة أمام الاقتصادات الناشئة وفي مقدمتها مصر لاستثمار هذا التحول وبناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على الاستدامة والتمويل الذكي والمسؤولية البيئية.
الأسواق تكافئ الشركات الصديقة للبيئة
تقول خبيرة الاقتصاد الدكتورة حنان رمسيس إن المناخ أصبح من العوامل المؤثرة بقوة في حركة الأسواق العالمية، مشيرة إلى أن العديد من الدول بدأت بإدراج الشركات المتوافقة مع المعايير البيئية ضمن مؤشرات خاصة، لتلبية احتياجات المستثمرين الباحثين عن الشركات صديقة البيئة.
وأوضحت رمسيس في تصريحات لـ “إيجبتك” أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في أداء الشركات الملوثة للبيئة مثل شركات التبغ والصناعات الثقيلة، في المقابل نمت الشركات الملتزمة بالمعايير البيئية وازدادت قيمتها السوقية في بورصات كبرى مثل نيويورك ولندن.
وأضافت أن الاهتمام العالمي المتزايد بمؤتمرات المناخ أسهم في بروز أدوات تمويل جديدة، أبرزها السندات الخضراء وسندات الكربون، التي باتت وسيلة رئيسية لتمويل المشروعات المستدامة. كما بدأت بعض الحكومات إصدار سندات صديقة للبيئة بالتعاون مع مؤسسات دولية، ما جعل هذه الإصدارات جزءًا أساسيًا من سوق التمويل العالمي.
الكوارث المناخية تصنع خاسرين ورابحين
وترى رمسيس أن الكوارث المناخية تؤثر على الأسواق بشكل متفاوت، موضحة أنه “خلال جائحة كورونا ارتفعت أسهم شركات الأدوية والمستلزمات الوقائية، بينما تضررت قطاعات أخرى”، مؤكدة أن بعض الشركات استطاعت تحويل الأزمات الصحية والمناخية إلى فرص للنمو وتحقيق الأرباح.
وأضافت أن أدوات التمويل المناخي اليوم أصبحت أكثر تنوعًا، وتشمل الصكوك الخضراء والسندات البيئية وأسهم الشركات منخفضة الانبعاثات، وتحظى بإقبال متزايد من الصناديق الاستثمارية الكبرى حول العالم.
وضربت مثالًا بـ صندوق المعاشات النرويجي الذي خفض استثماراته في شركات الطاقة غير الملتزمة بالمعايير البيئية في البورصات الخليجية، ووجّه أمواله نحو شركات تركز على الاستدامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
مصر ضمن المستفيدين من التحول نحو التمويل الأخضر
وأشارت رمسيس إلى أن مصر من الدول المستفيدة من التحول نحو التمويل الأخضر، إذ نجحت في إصدار سندات خضراء تمت تغطيتها بشكل كبير، ما وفر مصدر تمويل منخفض التكلفة لدعم المشروعات البيئية. وأضافت أن هذه الخطوة عززت مكانة مصر بين الدول المهتمة بالاستدامة، خاصة بعد استضافتها مؤتمر المناخ في شرم الشيخ.
كما كشفت أن الأسواق العالمية تشهد حاليًا ظهور منتجات مالية جديدة مرتبطة بخفض الكربون، وأن الدول العربية تسعى إلى التوسع فيها لتنشيط اقتصاداتها وجذب استثمارات مستدامة.
وحول المخاوف من تحول الاستثمار البيئي إلى “فقاعة مالية”، أكدت أن ذلك “صعب للغاية”، لأن هذا النوع من الاستثمار يخضع لمعايير دولية صارمة، ويعتمد على استراتيجيات طويلة الأجل، وليس على مضاربات قصيرة الأمد.
وأكدت رمسيس على ضرورة تعزيز التعاون بين هيئة الرقابة المالية والبورصة ووزارة البيئة لإطلاق المزيد من الإصدارات الصديقة للبيئة، مع أهمية نشر الوعي المجتمعي بأدوات التمويل الأخضر وتنويع الإصدارات بعملات مختلفة مثل الروبل الروسي أو الروبية الهندية إلى جانب الدولار، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويقوي سلة العملات.
اقتصاد المناخ يفرض قواعد جديدة للنمو العالمي
وفي السياق نفسه، يؤكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ اقتصاديات البيئة بجامعة عين شمس، أن “اقتصاد المناخ” لم يعد مفهومًا نظريًا، بل أصبح ركيزة رئيسية في السياسات الاقتصادية والاستثمارية حول العالم، إذ يدمج البعد البيئي والاجتماعي في معادلة النمو والتنمية.
وأوضح سرحان في تصريحاته لـ إيجبتك أن جوهر اقتصاد المناخ يتمثل في معالجة قصور السوق التقليدي، حيث لا تتحمل الأنشطة الاقتصادية التكلفة الحقيقية للتلوث أو الانبعاثات الكربونية. ومع إدخال هذا البعد في حسابات السوق، تحولت الانبعاثات إلى سلعة اقتصادية لها سعر، تُتداول في الأسواق من خلال آليات مثل ضرائب الكربون أو تجارة الانبعاثات، ما أوجد ما يُعرف بـ “سوق الكربون العالمي”.
من النمو الكمي إلى النمو المستدام
ويضيف سرحان أن هذا التحول غير قواعد اللعبة الاقتصادية، فالعالم لم يعد يقيس النمو فقط بمعدلات الإنتاج، بل أيضًا بمدى استدامته وانخفاض بصمته الكربونية. وظهرت مفاهيم جديدة مثل الاقتصاد الأخضر والتمويل المستدام، التي تهدف إلى تحقيق توازن بين النمو والبيئة والعدالة الاجتماعية.
وأشار إلى أن الكوارث المناخية، رغم آثارها السلبية، خلقت أسواقًا جديدة للأرباح، منها أسواق “رد الفعل” التي تزدهر في مجالات التأمين وإعادة الإعمار، وأخرى “استباقية” تركز على الاستثمار في الحلول الوقائية مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية المقاومة للمناخ.
فجوة تمويل بين الدول الغنية والنامية
ويرى سرحان أن أبرز التحديات أمام اقتصاد المناخ هي عدم عدالة توزيع التمويل بين الدول الغنية والنامية، موضحًا أن الدول المتقدمة لم تلتزم بالكامل بتعهداتها بتوفير 100 مليار دولار سنويًا لدعم الدول النامية في مواجهة التغير المناخي، وأن معظم هذا التمويل يأتي في شكل قروض لا منح، مما يزيد أعباء الديون رغم أن هذه الدول ليست المسؤول الأكبر عن الانبعاثات.
وأضاف أن المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد، بدأت تدرك أن المناخ لم يعد قضية بيئية فقط، بل قضية اقتصادية وأمنية، إذ تهدد الكوارث المناخية الاستقرار المالي وسلاسل التوريد والإنتاج الغذائي، ولذلك أصبحت هذه المؤسسات تدمج المناخ ضمن سياساتها التمويلية وخططها التنموية.
مصر مؤهلة لتكون مركزًا إقليميًا للاقتصاد الأخضر
وأكد سرحان أن مصر تمتلك مقومات قوية للتحول إلى مركز إقليمي للاقتصاد الأخضر بفضل موقعها الجغرافي ومشروعاتها الضخمة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. وأوضح أن الدولة يمكنها تحويل قناة السويس إلى ممر ملاحي أخضر باستخدام الطاقة النظيفة في النقل البحري، وتطوير المناطق اللوجستية لتصبح مراكز لتجارة وتخزين السلع الخضراء.
وشدد على أن نجاح مصر في هذا الاتجاه يتطلب استمرار الدعم الحكومي للمشروعات البيئية، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في الحلول المستدامة، إلى جانب تعزيز دور البنوك في تقديم أدوات تمويل خضراء وميسرة، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وجذب استثمارات أجنبية مباشرة.