كشف حساب وزير الأرقام الصعبة.. «كجوك» بين إشادة الصندوق وضغط الديون| خاص
بينما تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية في مصر نهاية الانتخابات البرلمانية تمهيدًا لتعديل وزاري محتمل، تتجه الأنظار إلى وزارة المالية باعتبارها أحد أهم ركائز الحكومة، وفي قلب هذا المشهد يقف أحمد كجوك، وزير المالية منذ يوليو 2024، بعد مسيرة طويلة داخل أروقة الوزارة امتدت قرابة عقد من الزمان.
خلال 15 شهرًا حاول كجوك تثبيت معادلة صعبة تجمع بين ضبط المالية العامة، وجذب الاستثمارات، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية وسط ضغوط داخلية وخارجية متشابكة.
من نائب وزير إلى قيادة المالية
قبل توليه المنصب الوزاري، كان كجوك يشغل منصب نائب وزير المالية لشؤون السياسات المالية منذ مارس 2016، حيث لعب دورًا محوريًا في ملف التفاوض مع صندوق النقد الدولي حول القرض التاريخي بقيمة 12 مليار دولار، ثم في القرض الجديد البالغ 8 مليارات دولار.
تجربته الطويلة داخل الوزارة جعلته أحد مهندسي السياسات المالية الحديثة، القائمين على الشفافية والإفصاح عبر مبادرات مثل “موازنة المواطن” التي استمرت في عهد معيط ثم توسعت في فترته كوزير.
الميزانية العامة.. فائض أولي قوي وعجز كلي مرتفع
أحد أبرز الملفات التي شكلت اختبارًا حقيقيًا لأداء كجوك هو الميزانية العامة للدولة، فوفقًا لتقارير وزارة المالية، بلغت إيرادات الدولة 2.625 تريليون جنيه في موازنة 2024/2025، بزيادة 35% عن العام السابق، وهو نمو يُعد غير مسبوق منذ 2018. كما حققت الدولة فائضًا أوليًا قدره 629 مليار جنيه، ما يعكس تحسنًا واضحًا في كفاءة الإيرادات والإدارة المالية.
لكن خلف هذا الرقم الإيجابي، يختبئ تحدي آخر، إذ ارتفع العجز الكلي إلى 1.18 تريليون جنيه نتيجة تضخم فوائد الدين العام، وفي الربع الأول من العام المالي 2025/2026، سجلت فوائد الديون نحو 695 مليار جنيه، بزيادة 54% عن العام السابق، مما جعل السيطرة على الإنفاق تحديًا يوميًا للوزارة.
الإصلاح المالي مع صندوق النقد.. شهادة ثقة دولية
من نقاط القوة في مسيرة كجوك نجاحه في المضي بثبات في البرنامج الإصلاحي مع صندوق النقد الدولي، فقد تمكنت مصر خلال فترته من استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة للاتفاق، وحافظت على التزامها بخفض الدين العام إلى 85.6% من الناتج المحلي في يونيو 2025، بعد أن كان 89.4% في العام السابق.
كما استعاد الاقتصاد المصري ثقة المؤسسات الدولية، حيث توقعت بعثة الصندوق نموًا يصل إلى 4.5% في 2025، وهو معدل يتجاوز التقديرات السابقة.
هذا الإنجاز دفع مجلة African Leadership إلى منحه لقب “أفضل وزير مالية إفريقي لعام 2025”، تقديرًا لإدارته المتوازنة بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية.
الضرائب والشراكات.. نجاح فني وصعوبات في التطبيق
في الجانب التشريعي والإيرادي، سجلت الضرائب نمو قدره 37% في الربع الثالث من 2025، كما توسعت الوزارة في إطلاق 30 مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص خلال 18 شهر فقط، بحسب بيانات الوزارة، وهو رقم يعكس توجهًا واضحًا نحو تحفيز القطاع الخاص وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني.
لكن رغم هذا النمو، قالت تقارير صندوق النقد الدولي إلى فجوة في الإيرادات الضريبية بقيمة 88 مليار جنيه، نتيجة ضعف الامتثال الضريبي وتأخر تطبيق تعديلات قانون القيمة المضافة الصادرة في سبتمبر 2024، فضلاعن أن الزيادات الضريبية لم تكن دائمًا مصحوبة بتحسين مماثل في الإيرادات غير الضريبية، مثل الجمارك وقناة السويس، وهو ما جعل الاعتماد على الضرائب يتجاوز 60% من إجمالي إيرادات الدولة.
الديون الخارجية.. الجانب الأصعب في المعادلة
يكاد يجمع خبراء الاقتصاد على أن ملف الدين الخارجي يمثل أكبر التحديات أمام وزارة كجوك، فقد ارتفع إجمالي الدين الخارجي إلى 161.2 مليار دولار في يونيو 2025، بزيادة 4.5 مليارات دولار عن مارس من نفس العام، رغم سداد التزامات ضخمة.
كما بلغ دين الحكومة فقط 81.9 مليار دولار، بنسبة تمثل أكثر من نصف إجمالي الدين الخارجي، فيما سجلت فوائد السندات الدولية بين 7 و8%، ما جعل كلفة الاقتراض مرتفعة نسبيًا مقارنة بدول المنطقة.
ورغم نجاح الوزارة في إبرام صفقات تبادل عملات وتمويلات ميسّرة مع الإمارات وعدة مؤسسات دولية، إلا أن الصندوق أشار في تقريره الأخير إلى استمرار الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي بدلا من تنويع مصادر التمويل.
الإيرادات غير الضريبية.. خسائر قناة السويس تضغط على الموازنة
الملف الجمركي والإيرادات غير الضريبية مثلوا تحديات إضافية، بعد أن أدت اضطرابات البحر الأحمر إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بأكثر من 6 مليارات دولار في 2024، وهو ما انعكس بالسلب على موارد الدولة خلال 2025.
أيضا تراجعت الإيرادات الجمركية بنسبة تقارب 15%، نتيجة انخفاض حجم الواردات، الأمر الذي رفع من عبء تمويل العجز عبر الاقتراض المحلي والخارجي.
وتعتبر هذه الخسارة من أبرز نقاط الإخفاق الواضحة في الأداء المالي العام، رغم أنها تعود جزئيًا إلى ظروف خارجية.
الحماية الاجتماعية.. الوجه الإنساني للسياسات المالية
رغم التركيز الكبير على الإصلاح المالي الصارم، لم تغفل وزارة المالية في عهد كجوك الجانب الاجتماعي، إذ تضمنت موازنة 2025/2026 زيادات في أجور العاملين بالدولة اعتبارًا من يوليو 2025، بالإضافة إلى توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وبرامج الدعم النقدي.
كما تبنت الوزارة سياسة "موازنة لكل المصريين" التي تهدف إلى تبسيط المعلومات المالية للمواطنين وتعزيز المشاركة المجتمعية، وهو توجه لاقى ترحيبًا من مؤسسات الرقابة الدولية.
خدمة الدين والعجز الكلي.. تحدي مستمر في احقبة الوزارة
وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، ارتفعت خدمة الدين إلى أكثر من 50% من إجمالي الإنفاق العام في 2025/2026، أي ما يعادل سبعة أضعاف نسبتها في عام 2015/2016.
ورغم تحقيق فائض أولي 3.5%، إلا أن فوائد الدين التهمت معظم الإيرادات، ليصل العجز الكلي إلى نحو 7.1% من الناتج المحلي، وهي نسبة تظل مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة.
كجوك بين النجاح والإخفاق .. أداء متوازن في الوزارة
يمكننا القول إن أداء أحمد كجوك خلال فترة توليه وزارة المالية اتسم بالتوازن بين الطموح والإدارة الحذرة، فقد حقق كجوك نجاحات واضحة في ملفات الإصلاح المالي، وزيادة الإيرادات، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي، واستعادة ثقة المؤسسات الدولية، لكنه واجه إخفاقات في ملفات الديون الخارجية والإيرادات غير الضريبية، والتي ما زالت تشكل خطر هيكلي على الاقتصاد المصري.
ومع اقتراب التعديل الوزاري المرتقب، يبقى السؤال: هل سيواصل كجوك مسيرة الإصلاح من داخل الوزارة ذاتها؟ أم سيأتي التعديل بوجه جديد لقيادة أهم حقيبة اقتصادية في الحكومة؟

