حكم إنشاء المتاحف.. فتوى شيخ الأزهر الأسبق جاد الحق علي جاد الحق
بدأ العد التنازلي للافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، والمقرر له غدًا السبت الأول من نوفمبر 2025، وتتجه أنظار العالم نحو القاهرة والتي تستعد لتدشين أكبر حدث حضاري وثقافي، وحول حكم إنشاء المتاحف، ننقل لكم فتوى الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق، والصادرة بتاريخ الأول من مايو لعام 1980 ميلاديًا، وكانت دار الإفتاء المصرية نشرتها في بيان سابق لها، عن أهمية الآثار وما لها من منافع، عبر موقعها الرسمي.
حكم إنشاء المتاحف
ويقول الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر الأسبق: الآثار وسيلة لدراسة التاريخ وإذ كان ذلك وكانت الأمم الموغلة في القدم؛ كالمصريين القدماء، والفرس، والرومان، وغير أولئك وهؤلاء ممن ملؤوا جنبات الأرض صناعة وعمران، قد لجئوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيا وسياسيا وحربيا نقوشا ورسوما ونحتا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع.
وتابع: والقرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها؛ إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة.
ولفتت الفتوى إلى أن قصة حجر رشيد الذى كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميا على التاريخ القديم لمصر، مضيفة وما قصة هذا الحجر وقيمته التاريخية والعلمية بخافية على أحد، والقرآن الكريم حث على دراسة تاريخ الأمم وتبين الآيات في هذا الموضع، إذ كان كل ذلك كان حتما الحفاظ على الآثار والاحتفاظ بها سجلا وتاريخا دراسيا.
وعلل ذلك بأن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام والابتعاد عما ينهى عنه من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة، مستدلا بقوله تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”، وقوله تعالى: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرا”، وقوله سبحانه: “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ”
إقامة المتاحف ضرورة
وتابعت الفتوى: لما كان التحفظ على هذه الآثار هو الوسيلة الوحيدة لهذه الدراسة أصبح حفظها وتهيئتها للدارسين أمرا جائزا إن لم يكن من الواجبات باعتبار أن هذه الوسيلة للفحص والدرس ضرورة من الضرورات، وقاعدة الضرورة مقررة في القرآن الكريم في قوله تعالى: “وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ”، ولعل مما نسترشد به في تقرير هذه الضرورة الدراسية والأخذ بها ما نقله أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كتابه "الجامع لأحكام القرآن" عند تفسيره قول الله تعالى في سورة سبأ: “يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ”، من استثناء لعب البنات المجسمة من تحريم صنع التماثيل.
فقد قال في المسألة الثامنة ما نصه: "وقد استثني من هذا لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة، رضى الله عنها: "أن النبي، صلى الله عليه وسلم تزوجها وهى بنت سبع سنين، وزفت إليه وهى بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمانِ عشرة سنة"، وعنها أيضًا قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبين صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل ينقمعن منه -أي: يتخفين منه- فيسرِّبُهن -أي: يرسلهن ويبعثهن- إليَّ ليلعبن معي".
قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات؛ حتى يتدربن على تربية أولادهن، ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له فرخص في ذلك.
وتختم دار الإفتاء بيانها، قائلة: وتخريجًا على هذا كان الاحتفاظ بالآثار، سواء كانت تماثيل أو رسوما أو نقوشا في متحف ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضا علميا وعقائديا إيمانيا حث عليه القرآن، فكان ذلك جائزا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب، بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف.

