انفراد الزوجة بقرار منع الحمل بسبب إدمان الزوج..الإفتاء توضح
قالت دار الإفتاء ‘ إنّ الإنجابَ حقٌّ مشتركٌ بين الزوجين، ولا يجوز لأحدهما أن ينفرد بقرارِ منعه أو تأجيله دون إرادة الآخر، إلا إذا كان هناك حاجة داعية له إلى التأجيل، فإذا تحققت الحاجة؛ كتخوف الزوجة من إدمان وتعاطي زوجها للمخدرات وما يتبع ذلك من مخاطر على ولدها في حال كونه جنينًا أو بعد ولادته؛ فإنه يجوز لها حينئذٍ الانفراد بقرار تأجيل الإنجاب حتى يتعافى زوجها من الإدمان، وتأمن من عدم تأثر الجنين أو الطفل بتوابعه.
حث الشرع على رعاية الأبناء
وأوضحت الإفتاء أنّ من عناية الشريعة الإسلامية بالأمور الأساسية التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، ولا تتحقق مصالحهم إلا بالحفاظ عليها ورعايتها، كالنفس والعقل والدِّين والنسل والمال، جعلت المحافظة عليها هي المقصود الأعلى لها، والذي عليه مدار أحكامها وتشريعاتها، حتى أطلق العلماء على ضرورة الحفاظ على هذه الأمور "مقاصد الشريعة الكلية" بحيث لا يخرج عن رعايتها حكمٌ من الأحكام المنصوص عليها، وإليهم أيضًا المرجع والمآل فيما يستجد من النوازل والوقائع والأحوال.
وتابعت : ويتحتّم على الآباء بداعي الطبع وضرورة الفطرة بذل قصارى الجهد من أجل تنشئتهم تنشئة حسنة، إلا أنه لخطورة أثر التَّهاون أو الإهمال في حقِّ الأولاد، مع تأكُّد تفاوُت الناس في سلامة الطباع ونقاء الفطرة، واختلاف تقديرهم للمصالح والمفاسد، لم يترك الشرع الشريف أمرَ رعاية الأولاد موكولًا لعاطفة الآباء حيالهم أو مدى شفقتهم عليهم ورحمتهم بهم، بل ألزمهم بذلك إلزامًا حتميًّا بوازع الأمر والتكليف الشرعي، حتى أخبر أنه لو لم يكن للإنسان إثم في حياته إلا أنه أضاع حقَّ أولاده عليه، لكان عِظَمُ ذلك الإثم كافيًا حتى يحبط سائر عمله.
حكم تأخير الحمل بسبب عدم القدرة على رعاية الأولاد
وأشارت الإفتاء إلى أنّه إذا غَلَب على الإنسان الظن أنه لن يُحسن تربية أولاده أو أنه لا يستطيع أن يوفر لهم عوامل الطمأنينة والاستقرار والأمان والرعاية لسفر أو لمرض أو توقع خطر عليهم، شُرِعَ له حينئذٍ الامتناع عن الإنجاب، حتى يغلب على ظنه تحقق القدرة على القيام بذلك الحق، فيكون بذلك مراعيًا لظروفه وإمكاناته رافعًا عن نفسه إثم تكليف نفسه بما فوق وسعه وطاقته.
وذلك مقتضى ما تواردت عليه النصوص الشرعية، حيث أفادت أنه إذا خاف الزوجان أو أحدهما على ذريته من المشاق أو الضرر أو عدم القدرة على القيام بواجبه الشرعي نحوهم جاز أن يمتنع من الإنجاب حتى يزول ما يتخوف منه، وتتحقق لديه القدرة من القيام بحقِّ رعايتهم؛ قال تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
وتابعت : وقد تواردت نصوص السُّنَّة المطهرة على مشروعية اتخاذ وسائل منع الحمل إذا ثَبَتَ أنه يترتب على حصوله الإضرار بالولد، ومن ذلك: ما همَّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النهي عن الغيلة -وهي أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ وَلَدَهَا، فتحملَ فيضرَّ لبنُها رضيعَها- فلما عَلِمَ أنَّ ذلك لنْ يَضر بالولد لم ينه عنه، فعَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّةِ رضي الله عنها أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ. حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ».
مشروعيّة منع الحمل لعذر شرعي أو طبي
وقالت الإفتاء إنّه قد تبادر إلى فهم الصحابة رضي الله عنهم أن يتخذوا وسائل منع الحمل شفقةً على أن يتضرَّر من حملِ الأم ولدها الصغير، ولم يعارض النبي صلى الله عليه وآله وسلم صحة ذلك الفهم منهم، مع توضيحه أنه إذا لم يثبت الضرر لم يكن هناك ثمة داعٍ لمنع الحمل، فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآلهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَوْلَادِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا، ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ». وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلَا. مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَلَا الرُّومَ»
حكم انفراد الزوجة بقرار منع الإنجاب بسبب إدمان الزوج
وأكّدت الإفتاء أنّ الأصل ألَّا ينفرد أحدُ الزوجين بمنع الحمل لكونه حقًّا مشتركًا بينهما، لما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعزل عن الحرة إلَّا بإذنها" وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وعطاء.
و يستثنى من ذلك بعض الأحوال التي يتخوف فيها من إلحاق الضرر لأحدِ الزوجين، حيث نصَّ محققو الحنفية على أن استعمال الوسائل التي من شأنها منع الحمل مشروع في حقِّ الزوجين على السواء.
ومقتضى الفقه أنه يجوز للزوجة في حال تخوفها مِن لحوق الضرر بجنينها أو بطفلها أن تنفرد بقرار تأجيل الحمل وأن تتخذ الوسائل المعينة لها على ذلك، خاصةً أنه قد ثبت طبيًّا حدوث عدة مخاطر صحية للجنين في حال حدوث حملٍ أثناء تعاطي أحد الأبوين المخدرات، كانخفاض وزن الجنين، أو تعرضه للإصابة بتشوهات خِلْقية، أو تأخر في معدلِ النمو العقلي، أو التعرض لخطر الوفاة.
واختتمت دار الإفتاء بقولها : إننا نؤكد على أن الإنجابَ حقٌّ مشتركٌ بين الزوجين، ولا يجوز لأحدهما أن ينفرد بقرارِ منعه أو تأجيله دون إرادة الآخر، إلا إذا كان هناك حاجة داعية له إلى التأجيل، فإذا تحققت الحاجة كتخوف الزوجة من إدمان وتعاطي زوجها للمخدرات وما يتبع ذلك من مخاطر على ولدها في حال كونه جنينًا أو بعد ولادته؛ فإنه يجوز لها حينئذٍ الانفراد بقرار تأجيل الإنجاب حتى يتعافى زوجها من الإدمان، وتأمن من عدم تأثر الجنين أو الطفل بتوابعه

