رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفاشر تشتعل من جديد.. معارك طاحنة تعيد رسم خريطة الحرب في السودان| تقرير

مسلحون سودانيون ـ
مسلحون سودانيون ـ أرشيفية

تغلي مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، على صفيح ملتهب، بعدما تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى مركز المواجهة الأشد في السودان، عقب إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على قيادة الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني، في تطور وصف بالأخطر منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من  550 يومًا.

المدينة الأخيرة في قبضة الصراع

وتشهد الفاشر معارك ضارية بين الجيش السوداني مدعومًا بالحركات المسلحة من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، في ظل سعي الطرفين لفرض السيطرة على المدينة التي تُعد آخر معاقل الجيش في دارفور، ويُنظر إلى الفاشر على أنها نقطة حسم في الحرب، إذ تمثل السيطرة عليها تحولاً جذرياً في ميزان القوة داخل الإقليم.

لماذا الفاشر مركز المعركة؟

تُعد الفاشر المدينة الأهم استراتيجيًا في دارفور، إذ تشكل محور الربط بين شمال ووسط وغرب الإقليم، ومعبرًا رئيسيًا إلى ليبيا وتشاد ومصر، كما تمتاز بموقع جغرافي مرتفع يبلغ نحو 800 متر فوق سطح البحر، وتبعد حوالي 800 كيلومتر عن الخرطوم.

ويبلغ حجم ولاية شمال دارفور نحو 296 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل 12% من مساحة السودان، ما يجعل السيطرة على الفاشر ذات بعد سياسي وعسكري كبير.

وتحمل الفاشر أهمية عسكرية فائقة كونها مركز قيادة الفرقة السادسة مشاة وموقعًا لمخازن السلاح والذخيرة ومطارًا يستخدم كمحطة لوجستية رئيسية، وقد كانت مركزًا لتنسيق العمليات الجوية والبرية خلال الأعوام الماضية، ومع سقوطها، تفقد القوات الحكومية نقطة الارتكاز الأهم في غرب البلاد، بينما تكسب قوات الدعم السريع مساحة نفوذ جديدة تمكّنها من تعزيز وجودها العسكري في دارفور.

تخريب في الفاشر
تخريب في الفاشر

وتعيش المدينة اليوم واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث، فقد تحولت الفاشر، التي كانت مقرًا رئيسيًا للمنظمات الدولية ومعسكرًا للنازحين، إلى منطقة منكوبة تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء والمياه.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن المدنيين اضطروا لتناول علف الماشية للبقاء على قيد الحياة، بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق وتوقفت الإمدادات الإنسانية.

وأكد اللواء المتقاعد عصام عباس، مستشار تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات، أن سقوط الفاشر يمثل منعطفًا استراتيجيًا في الصراع السوداني، إذ مكن قوات الدعم السريع من السيطرة شبه الكاملة على إقليم دارفور، وفتح لها عمقًا جغرافيًا يمتد حتى ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، مشيرًا إلى أن هذا التطور عزز من صورتها الإعلامية كقوة منتصرة، ما قد يجذب إليها دعماً قبلياً وانضمامات جديدة، وفقًا للعربية.

وأوضح عباس أن خسارة الفاشر تُعد ضربة موجعة للقوات المشتركة من الحركات المسلحة، التي فقدت مركزها الرمزي والعسكري الأهم، الأمر الذي يُضعف من قدرتها الميدانية، أما الجيش السوداني، فرغم تفوقه الجوي، فقد تلقى انتكاسة معنوية كبيرة بفقدانه آخر معقل رئيسي له في دارفور.

وحذر عباس من أن فشل الدعم السريع في إدارة الملف الإنساني سيؤدي إلى تآكل شرعيتها السياسية والعسكرية، مطالبًا إياها بتحمل مسؤولياتها في حماية المدنيين والسماح بمرور المساعدات الإنسانية دون قيود.

استنزاف طويل ومعركة كر وفر

ووصف اللواء المتقاعد أمين إسماعيل مجذوب، القائد السابق للفرقة السادسة مشاة، المعارك الدائرة بأنها قتال في مواقع تبادلية، مشيرًا إلى أن قوات الدعم السريع نفذت أكثر من 266 محاولة هجوم على الفاشر قبل أن تتمكن من التوغل في بعض مباني الفرقة، لكن دون سيطرة كاملة. وفقًا لوكالة الأنباء السودانية.

الدعم السريع
الدعم السريع

وأكد أن الدعم السريع يعتمد سياسة الحصار الميداني لإضعاف المدينة، مرجحاً عدم قدرته على التمدد نحو كردفان أو الخرطوم بسبب محدودية إمكاناته البشرية واللوجستية.

واستبعد مجذوب أن تحظى ما تُعرف بـ"حكومة التأسيس" في نيالا بأي اعتراف إقليمي أو دولي، في ظل الرفض الصريح من الأمم المتحدة والاتحادين الإفريقي والأوروبي والولايات المتحدة.

ويبقى السودان بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب غارقًا في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخه، فيما تتحول الفاشر إلى رمز جديد لمعاناة وطني أنهكته النيران، وانقسمت فيه الجغرافيا كما انقسمت الولاءات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء