حكم خروج المرأة إلى المسجد متعطرة.. إجابة حاسمة من دار الإفتاء
قالت دار الإفتاء؛ إنّه يجوز للمرأة وضع العطر عند ذهابها للمسجد بشرط أمن الفتنة؛ حيث جاء القرآن الكريم بأخذ الزينة عند كل مسجد سواء للرجال أو النساء، وجاءت السنة النبوية التقريرية بخروج النساء إلى الصلاة بقلائد عطرهن.
وأوضحت الإفتاء أنّ أحاديثُ النهي عن خروج المرأة إلى المسجد متعطرة المراد بها: النهيُ عن تعطرها بالعطر النفّاذ الزائد عن الحد الذي تقصد به الشهرة، أو لفت النظر إليها؛ فإن ذلك حرام، سواء فعلت ذلك بالعطر أو بغيره من وسائل الزينة التي تلفت الأنظار، والاختلاف بين الفقهاء بين التحريم والكراهة والإباحة ليس حقيقيًّا؛ فالتحريمُ عند قصد الإغواء مع تحقق الفتنة أو ظنها، والكراهة عند خشيتها، والإباحة عند أمنها، والاستحباب عند الحاجة إلى الطيب لقطع الرائحة الكريهة ونحو ذلك.
حكم وضع العطر للمرأة وضوابط ذلك
وقالت الإفتاء: إنّ الأمر الإلهي قد جاء بأخذ الزينة عند الصلاة في المسجد؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وهو أمْرٌ عامٌّ لكل البشر يشمل الرجال والنساء؛ ومن ذلك: التطيّبُ؛ فقد أكدت الشريعة على استحبابه في العبادات الجماعية، ومواطن الزحام وتجمع الناس؛ حتى لا يجدوا من بعضهم إلا الرائحة الطيبة؛ رجالًا كانوا أو نساءً، فإذا قصدوا مع ذلك امتثال الهدي النبوي قولًا وفعلًا فقد جمعوا بين محاسن الطِّبَاع وحسنات الاتباع.
المرأة محبّة للزينة بفطرتها
وأوضحت الإفتاء أنّ الزينة أمرٌ ليسَ مقصورًا على الرجال دون النساء؛ بل هو في حقِّ النساء أولى وآكد؛ لِما جُبِلنَ عليه من حب الطيب والعطر؛ فقد أخبر الله تعالى أنه خلق المرأة مُحِبَّةً للزينة، مُنَشَّأَةً في الحلية؛ فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ولم يكن الله تعالى لينشئهن في الحلية ثم يُحَرِّمُها عليهن بالكلية.
وتابعت الإفتاء : ولذلك كان نساءُ الصحابة رضي الله عنهنَّ يلبسن "السِّخاب" عند خروجهن للعيد، وهي قلادة فيها طِيبٌ، ولم يرد أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاهُنَّ عن ذلك؛ فهذه سُنّة نبوية تقريرية، وهذا يقتضي جواز خروجهن للمسجد متطيبات عند أمن الفتنة.و"السِّخَاب": قلادة تتخذ من قرنفل وسُكٍّ ومحلب
وورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كنا نَخْرُجُ مع النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة فنُضمِّدُ جباهنَا بالسُّكِّ الـمُطَيَّبِ عندَ الإحرام، فإذا عَرِقَت إحدانا سالَ على وجهها، فيراه النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم فلا ينهاها"
بيان المراد من أحاديث النهي عن خروج المرأة إلى المسجد متعطرة
وأكّدت دار الإفتاء أنّ السنة التقريرية جاءت إباحة خروج النساء للشعائر والعبادات وهن متطيبات، حتى نص بعض الفقهاء على مشروعية تطيب المرأة في اعتكافها بالمسجد، إلا أنَّ الشرع إنما استثنى من خروج المرأة للمسجد متعطرة ما تحصل به المفسدة؛ كأن يغلب على الظن به حصولُ الفتنة منها أو الخوف عليها؛ كمزاحمتها الرجال، أو وضعها الطيبَ بقصد فتنة الرجال، أو يكون في الموضع فُسّاقٌ يخشَى عليها من أذاهم، ونحو ذلك.
وتابعت الإفتاء :ومن خلال ذلك تُفهَم أحاديثُ النهي عن خروج المرأة إلى المسجد متعطرة؛ فإن المراد به: العطر النفّاذ الزائد عن الحد الذي تقصد به الشهرة أو إثارة الشهوة أو لفت النظر إليها؛ كما جاء في تبويب الإمام ابن خزيمة على حديث المرأة من بني إسرائيل التي كانت تضعُ العطر لتُعرَف به فيسأل عنها الناس إذا وجدوا ريحها؛ حيث بوَّب عليه بقوله: "ذكر بعض إحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله مُنِعْنَ المساجدَ" أو كان عطرها من المبالغة والنفاذ بحيث يشوش على المصلين خشوعهم.
مراعاة العرف في الأحكام الشرعية وأثره في الفتوى
وأكّدت الإفتاء على وجوب مراعاة العرف في الفتوى وأنّ هذه المسألة مبنية على أعراف الناس، والمصلحة الـمُتَوَخَّاةَ فيها: أخذ الزينة عند الصلاة من جهة، وسَدُّ ذريعة الفتنة بها أو عليها من جهة أخرى؛ ولذلك رأى بعض العلماء مشروعية تَطَيُّب المعتكفة في المسجد مع كراهتهم خروجَها متعطرة؛ خشية الفتنة، ولا يخفى تَغَيُّر كثير من الأعراف التي بُنِيَت عليها بعض هذه الأحكام؛ إذ أصبح ارتياد المرأة للمسجد في الأعمّ الأغلب مانعًا مِن تَعَرُّضِ الفُسّاق لها أو فتنتها أو الفتنة بها، ولم تَعُد الفتنةُ عرفًا متحققة بمجرد وضع الطيب، وصار الحفاظ على أمن المرأة وسلامتها خاضعًا لعوامل أخرى أكثر تعقيدًا من العامل الزمني.
وتابعت دار الإفتاء :إنّ المرأةَ لم تَعُد مقصورة على بيتها، بل فرضت عليها طبيعةُ العصر أن تشارك الرجال في الخروج للتعلم والتعليم والعمل وتقلد الوظائف وقضاء المصالح، وصارت موجودةً في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، ولم يَعُدْ خروجها للمسجد بخصوصه مظنة فتنة بعد أن خرجت بالفعل لكل مناحي الحياة، وأصبحت طبيعة عملها في كثير من الأحيان تفرض عليها التعامل مع الأصناف المختلفة من البشر، بما يحوجها إلى استعمال الطيب الذي يلائم التعامل البشري ويطيب الأماكن ويزيل آثار الروائح الكريهة، فلم يَعُدْ مقبولًا أن تذهب بطيبها المعتدل إذا أرادت حيث شاءت، ثم تمنع منه عند دخولها للمسجد الذي جاء الأمر باتخاذ الزينة عنده، بل يقال: إنَّ ذهابها إلى المسجد مُتَطَيَّبةً من غير قصد فتنة، ولا مبالغة في نفاذ عطر، هو أمر مقبول مستساغ تطبق به أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، وتتأسى فيه بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابيات رضي الله عنهن في الخروج إلى صلاة العيد بسخابهن وقلادات عطورهن.
وقد اتَّسَعت المساجد في هذا العصر، واستقلَّت النساء بأماكنهن ومداخلهن المخصصة لهن فيها، وابتعدن فيها عن الرجال، وذلك يجعل أمرَ فتنة الرجال بهن في خصوص المساجد مستبعدًا.
وقالت الإفتاء إنّ ما ورد من عدم قبول صلاة المرأة المتعطرة في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ» فهو محمولٌ على نفي الكمال لا على نفي الصحة، وذلك في حالة سوء قصدها، أو تحقق الفتنة أو غلبتها؛ أي: أن صلاتها صحيحة، لكنها ناقصة الأجر حينئذٍ، وكذلك أمرها بالاغتسال: إنما هو لإزالة أثر العطر النَّفَّاذ، وليس المقصود بذلك الجنابة الحقيقية أو رفع الحدث.
بيان المراد بالنّهي عن تعطّر المرأة
وأكّدت دار الإفتاء : أنّ أحاديثُ النهي عن خروج المرأة إلى المسجد متعطرة يراد بها : النهيُ عن تعطرها بالعطر النفّاذ الزائد عن الحد الذي تقصد به الشهرة، أو لفت النظر إليها؛ فإن ذلك حرام، سواء فعلت ذلك بالعطر أو بغيره من وسائل الزينة التي تلفت الأنظار، واختلاف الفقهاء بين التحريم والكراهة والإباحة أقرب إلى تحقيق المناط منه إلى الخلاف الحقيقي؛ فالتحريم عند قصد الإغواء مع تحقق الفتنة أو ظنّها، والكراهة عند خشيتها، والإباحة عند أمنها، والاستحباب عند الحاجة إلى الطيب لقطع الرائحة الكريهة ونحو ذلك.

