صور الكون كما لم تشاهدها من قبل.. والسر في تلسكوب جيمس ويب
في قلب الفضاء وعلى مسافة تتجاوز مليون كيلومتر من الأرض يعمل تلسكوب جيمس ويب مثل عين كونية لا تغفو، تراقب الكون وتلتقط صوره الأولى منذ لحظة الانفجار العظيم، لكن ما لا يعرفه العديد هو أن هذا العملاق الفضائي الذي تبلغ تكلفته أكثر من 10 مليارات دولار لم يصل إلى هذه الدقة المذهلة بين ليلة وضحاها، وفقًا لـ «NASA»، فما السر؟

كيف نجح العلماء في تحسين رؤية تلسكوب جيمس ويب؟
وراء كل صورة مدهشة للنجوم والمجرات البعيدة، هناك فريق من العلماء والمهندسين نجح في مهمة تبدو شبه مستحيلة، لتحسين دقة عدساته من مسافة مليون كيلومتر دون لمسه، وكانت بداية الرحلة مهمة أكثر دقة من خياطة شعرة حيث واجه العلماء بعد إطلاق التلسكوب في ديسمبر 2021 تحديًا هائلًا
المرآة الأساسية لـ جيمس ويب تتكون من 18 قطعة سداسية الشكل، كل واحدة منها بحجم صحن طعام تقريبًا، وحتى يعمل التلسكوب بدقة تمكنه من التقاط الضوء القادم من مجرات تبعد مليارات السنين، كان عليهم محاذاة هذه القطع بدقة تعادل تحريك شعرة إنسانية لمسافة أصغر من عشرها، ولأن التلسكوب بعيد جدًا، لم يكن هناك مجال للتدخل المباشر أو إصلاح يدوي بل كان يجب التحكم فيه عن بعد بالكامل من مراكز التحكم في وكالة ناسا عبر أوامر رقمية معقدة.
السر وراء نجاح العملية يكمن في مزيج من الخوارزميات الذكية وتقنيات التصوير الفائق، فقد طور العلماء برنامجًا يعتمد على تحليل أنماط الضوء التي يلتقطها التلسكوب، ثم يرسل أوامر دقيقة لتحريك كل جزء من المرايا بمقدار نانومتر واحد أي جزء من المليار من المتر.

أصبح الذكاء الاصطناعي بمثابة عين ثانية تساعد التلسكوب على ضبط نفسه بنفسه، لدرجة أن بعض العلماء وصفوه بأنه كائن حي يتعلم كيف يرى.
صور الكون كما لم نرها من قبل
بعد شهور من الضبط والتعديلات المتكررة، بدأت النتائج المذهلة تظهر، فقد التقط جيمس ويب صورًا غير مسبوقة تظهر تفاصيل لم تر من قبل في المجرات البعيدة، وغيوم الغاز التي تُكوّن النجوم، وحتى كواكب خارج نظامنا الشمسي بوضوح مذهل، يقول الدكتور سكوت أكتون، أحد المهندسين في فريق الضبط البصري، “في البداية كانت الصور مشوشة، كأنك تنظر بعينين غير متطابقتين، لكن بعد المزامنة الكاملة، بدا الكون كما لم نره قط واضحًا وحيًا ومليئًا بالألوان".
ورغم هذا النجاح، يؤكد العلماء أن عملية تحسين الرؤية لم تتوقف بعد، لأن التلسكوب يواصل تعديل نفسه باستمرار مع تغيّر درجة الحرارة وحركة المرايا، باستخدام بيانات آنية وأوامر دقيقة للحفاظ على استقراره البصري، كما تستخدم تقنيات مماثلة اليوم في تطوير الجيل الجديد من التلسكوبات الأرضية والروبوتات الفضائية، ما يجعل مشروع جيمس ويب ليس مجرد تلسكوب، بل مختبرًا طائرًا لتقنيات المستقبل.

