رئيس جامعة الأزهر يشكف سر إفراد «النور» وجمع «الظلمات» في القرآن
كشف الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، عن سر بلاغي ولغوي بديع في التعبير القرآني، موضحًا سبب ورود «الظلمات» جمعًا و«النور» مفردًا في آيات القرآن الكريم، ومبينًا أن النبي صلى الله عليه وسلم وافق هذا البيان في أدعيته الشريفة.
وأكد داود أن تعدد طرق الباطل وضلالاته يقابلها وحدة طريق الحق والهدى، لذا جُمعت «الظلمات» وأُفرد «النور»، في إشارة إلى أن طريق الهداية واحد مستقيم، بينما سبل الغواية كثيرة ومتفرقة.
ولفت رئيس جامعة الأزهر، إلى إن من الكلمات التي كَثُر ورودها مفردة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كلمات: النور، والرحمة، والنعمة، موضحًا أن كلمة “النور” وردت مفردة في دعائه الشريف ولم تَرِد مجموعة، وكذلك “الرحمة” و“النعمة”.
لماذا تُذكر الظُلُمات جمع والنور مفرد في القرآن الكريم؟
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «اللهم نجِّنا من الظلمات إلى النور»، فجمع الظلمات وأفرد النور، لأن طرق الضلال والباطل كثيرة ومتعددة، أما الحق والعدل والهدى فطريق واحد لا يتشعب، ولهذا وافق بيانه الشريف البيان القرآني في قوله تعالى: «الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور».
وأوضح رئيس جامعة الأزهر، أن هذا المعنى تجلى في دعائه صلى الله عليه وسلم عند خروجه لصلاة الفجر، إذ كان يقول: «اللهم اجعل في سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لحمي نورًا، وفي عظمي نورًا... اللهم اجعلني نورًا، واجعل لي نورًا».
وأكد أن تكرار كلمة “النور” بصيغة الإفراد دون الجمع في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يحمل معنى جليلًا، وهو أن طريق النور والهدى واحد، بينما طرق الضلال متعددة ومتشعبة، لافتًا إلى أن من يسير إلى المساجد في الظلمات لصلاة الفجر يستضيء بنور الله جل جلاله، وهو النور الذي يهدي القلوب ويضيء البصائر.
لماذا جائت كلمة "رحمة" في دعاء النبي مفرد؟
وأشار إلى أن كلمات الرحمة في أدعية النبي تأتي غالبًا بصيغة المفرد رغم شمولها لكل المعاني، موضحًا أن هذه المفردة تحمل في معناها الكثير من الخير للمؤمنين. مبينا أن كلمة رحمة في دعاء النبي: «اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها الفتى وتعصمني بها من كل سوء»، جاءت مفردة، لكنها تشمل جميع الجوانب التي ذكرها النبي في الدعاء، فهي تهدي القلب، تجمع الأمر، تلم الشعث، تصلح الغائب، ترفع الشاهد، تزكي العمل، تلهم الرشد، وتعصم من كل سوء.
وأوضح رئيس جامعة الأزهر أن الرحمة من الله واحدة لكنها واسعة وشاملة، كما أن القليل منها كثير في أثره، مؤكدًا قول العلماء: "القليل من رحمة الله كثير"، مستشهدًا بمثال النبي حين سمع أعرابيًا يقول: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»، فقال له النبي ﷺ: "لقد ضيّقت واسع رحمة الله"، في إشارة إلى شمول رحمة الله للجميع.
وأضاف أن أحيانًا تأتي كلمة رحمة مفردة بجوار كلمة جمع مثل الصلوات، كما في دعاء النبي لسعد بن عبادة: «اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة»، فبين أن الرحمة رغم مفردها تعادل جمع الصلوات في شموله، وهو ما يتوافق مع قوله تعالى: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
واختتم تصريحه خلال حلقة برنامج "بلاغة القرآن والسنة"، المذاع على قناة الناس، الجمعة بأن المفردة الدعاء ليست تقييدًا في الكمية بل دلالة على وحدة مصدر الرحمة وعظمتها وشمولها لكل خير، مشيرًا إلى أن رحمة الله واسعة وكافية لكل المؤمنين، والقليل منها يحمل الكثير من النفع والبركة.




