كيف يكون الملك لله ثم يمنحه لعباده؟.. الشعراوي يوضح
تساءل كثير من الناس عن معنى قوله تعالى: «تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء»، وكيف يمنح الله تعالى الملك لعباده رغم أن الملك كله له وحده؟.
وفي خواطره الإيمانية المضيئة، قدم الإمام الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي تفسيرا بليغا لهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران، موضحا أن المقصود بالملك هنا هو ما يمنحه الله تعالى من سلطة وتمكين ونفوذ في الأرض لمن يشاء من عباده، وفق حكمته وعدله وتقديره.
وقال الشعراوي إن الإنسان قد يملك شيئا محدودا مما أذن الله له بامتلاكه، وهذا ما يسمى بـ«المِلك»، كأن يملك مالا أو بيتا أو أرضا، أما «الملك» فهو أوسع من ذلك، إذ يعني أن يمتلك الإنسان من يملك، أي أن الله يمنحه سلطة على غيره أو ولاية على جماعة من الناس، وهي منزلة لا تنال إلا بإرادة الله، كما ورد في قوله تعالى: «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك».
وأشار الشعراوي إلى أن الملك في الدنيا مؤقت ومحدود، يمنحه الله للناس لحكمة، وينزعه منهم إذا شاء، أما في الآخرة، فإن الملك كله يعود لله وحده، كما جاء في قوله تعالى: «لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار»، فهناك تنتهي كل صور التملك البشري، ويصبح السلطان والحكم لله وحده لا شريك له.
أوضح إمام الدعاة أن استخدام القرآن الكريم لعبارة «تنزع الملك» يحمل دلالة قوية، فالنزع لا يكون إلا من شيء متمسك به بشدة، وفي ذلك إشارة إلى طبيعة الإنسان الذي يتشبث بما أوتي من سلطان أو جاه، فيأتي النزع الإلهي ليظهر أن الأمر كله بيد الله، وأن الملك لا يدوم لأحد.
بين أن العزة والذل بيد الله، فهو من يعز من يشاء بالهداية والإيمان والنصر، ويذل من يشاء بالكفر والمعصية أو بالحرمان من التوفيق، مؤكدا أن كل ما يجري في هذا الكون إنما هو بقدر الله، وأن الخير والشر بيده وحده، يعطي ويمنع لحكمة يعلمها سبحانه.
واستشهد الشعراوي بتفاسير عدد من العلماء القدامى الذين أكدوا أن هذه الآية تظهر عدالة الله وقدرته المطلقة في توزيع الملك والعز بين خلقه، وأنه سبحانه لا يمنح السلطان جزافا، بل لحكمة تُظهر عدله في الأرض.
وقال إن المؤمن الحق يدرك أن التمكين امتحان، وأن دوام النعمة لا يكون إلا بشكر المنعم.

