بعد هروب الرئيس.. خبير شؤون إفريقية يكشف لـ«إيجبتك» القصة الكاملة لأحداث مدغشقر|حوار
تطورات متسارعة شهدتها جزيرة مدغشقر خلال الساعات الماضية بعد الإعلان عن هروب الرئيس أندري راجولينا عقب احتجاجات شعبية شهدتها الجزيرة .
أفادت وكالة رويترز الأمريكية، اليوم الثلاثاء بأن قائد الجيش في مدغشقر سيتولى السلطة لفترة انتقالية مدتها عامان، وسط فوضى عارمة تعم البلاد عقب اندلاع احتجاجات قادها جيل زد.
وكانت المحكمة الدستورية العليا في مدغشقر، دعت ضابطًا برتبة عقيد في الجيش لشغل منصب الرئيس، كما علق عمل مجلس الشيوخ، والمحكمة الدستورية العليا، والهيئة الانتخابية، وعدد من المؤسسات الأخرى.
وفي محاولة لفهم ما يحدث، إلتقت "إيجبتك" بالخبير في الشؤون الإفريقية د.رامي زهدي من أجل إلقاء الضوء على التطورات الأخيرة في مدغشقر وأسباب الاحتجاجات الشعبية.

ماذا يحدث في مدغشقر ؟
ما يجري اليوم في مدغشقر يعكس تحوّلاً مركباً في المزاج السياسي والاجتماعي داخل الجزيرة، بدأ في ظاهره كموجة غضب شبابية، لكنه سرعان ما تطور إلى أزمة حكم شاملة تحمل في طياتها ملامح انقلابية واضحة.
منذ الخامس والعشرين من سبتمبر 2025 خرجت موجات من الشباب تحت شعار "جيل زد مدغشقر" احتجاجاً على الانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء في العاصمة أنتاناناريفو، غير أن ما بدأ كتحرك خدمي بسيط تحوّل إلى حراك سياسي واسع ضد الفساد وسوء الإدارة وتدهور الخدمات العامة وارتفاع تكلفة المعيشة.
كيف تعاملت الحكومة مع الاحتجاجات ؟
ردت الحكومة على الاحتجاجات الشبابية بفرض حظر تجول ليلي في العاصمة وبعض المدن الأخرى واستخدمت أدوات القمع الأمني المعتادة من غاز مسيل للدموع ورصاص مطاطي، ثم مضت أبعد حين حلّت الحكومة وعيّنت رئيس وزراء عسكرياً في محاولة لاحتواء الغضب، لكنها فشلت في تهدئة الشارع أو استعادة السيطرة.
ماذا عن موقف الجيش من الاحتجاجات ؟
برز داخل المؤسسة العسكرية انقسام حاد، إذ انحازت بعض الوحدات، وفي مقدمتها وحدة النخبة المعروفة باسم "كابساط" CAPSAT، إلى صفوف المحتجين أو على الأقل رفضت الانصياع الكامل للأوامر.
وهذه الوحدة تحديداً ليست جديدة على المشهد، فقد كان لها دور حاسم في انقلاب 2009 الذي أوصل الرئيس الحالي أندري راجولينيا إلى السلطة، وهو ما يثير مفارقة لافتة في التاريخ السياسي للبلاد.
ومع تصاعد التوتر، تحدث الرئيس نفسه عن محاولة لاغتصاب السلطة من داخل الجيش، ثم تواترت أنباء عن فراره إلى خارج البلاد أو اختفائه خوفاً على حياته، لتدخل البلاد في حالة من الفوضى السياسية ترافقت مع قرارات استثنائية كحل البرلمان وتجميد بعض المؤسسات التشريعية.
هل يمكن توصيف ما حدث بأنه انقلاب أم ثورة شعبية ؟
من وجهة نظري، يمكن توصيف ما حدث بأنه انقلاب فعلي أو على الأقل محاولة انقلاب عسكرية غير مكتملة.
فالانقلاب في المفهوم السياسي هو نقل للسلطة من الحكومة الشرعية إلى قيادة جديدة دون مسار دستوري، وغالباً بالقوة أو تحت تهديدها.
وما حدث في مدغشقر يحمل هذه السمات، إذ تدخلت وحدة عسكرية في الأزمة وتولت أدواراً تمس القيادة والسيطرة داخل الجيش، في حين أن السلطة المدنية فقدت قدرتها على اتخاذ القرار.
غير أن المشهد لا يزال ضبابياً لأن المحتجين لم يشكلوا حتى الآن قيادة سياسية معلنة، ولم يُعلَن عن قيادة عسكرية بديلة تمسك بزمام الحكم بشكل رسمي، ما يجعل البلاد في حالة "انقلاب متحرك" أو أزمة سيادة تتطور نحو انقلاب مكتمل الملامح.
هل هناك علاقة بين أحدث مدغشقر وما شهدته دول القرن الإفريقي ؟
الوضع مختلف تماما، ما حدث في الغرب الافريقي كان اقرب للإنقلاب المنظم، سواء شعبي او عسكري، وما يحدث الان يدخل في دائرة الاحتجاجات الشعبية الشديدة، دون قائد، فئوية (شباب)، ثم تتحول لانقلاب (او حتي قد تسمي ثورة
هل هناك أسباب حقيقة وراء الاحتجاجات أم نحن بصدد مؤامرة سياسية؟
هناك دوافع متشابكة بين الاقتصادي والسياسي والأمني لما شهدته مدغشقر، فمن الناحية الاجتماعية والاقتصادية، كانت الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء الشرارة التي فجّرت غضب الشارع، لكنها أطلقت معها تراكماً من الإحباط الشعبي نتيجة الفقر وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات وتفشي الفساد وتهميش المناطق الريفية.
وعلى المستوى السياسي، يعاني الرئيس من ضعف في الشرعية بنظر قطاعات واسعة، مع اتهامات بالتلاعب الانتخابي وعدم الاستجابة لمطالب المواطنين، في وقت صعد فيه جيل الشباب كمكوّن سياسي جديد يرى في نفسه صوت المستقبل ويرفض الوصاية التقليدية للنخب الحاكمة.
أما داخلياً داخل المؤسسة العسكرية، فقد ظهرت انشقاقات وانقسامات في الولاءات، خصوصاً داخل "كابساط"، ما جعل الجيش نفسه ساحة صراع بين اتجاهين: أحدهما يدافع عن الوضع القائم، والآخر ينجرف مع موجة التغيير.
هل هناك دعم خارجي للحركة الاحتجاجية أو الانقلابية في مدغشقر ؟
لا أرى أدلة مؤكدة على أن أي قوة أجنبية تقف وراء ما يحدث. الحكومة تحدثت عن "حملة إلكترونية" وتأثيرات خارجية تستهدف تعبئة الشباب، لكن تلك الادعاءات لم تدعمها وثائق أو معطيات ملموسة.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن فرنسا، بحكم علاقاتها التاريخية العميقة بمدغشقر، تظل حاضرة بشكل غير مباشر في الحسابات السياسية والإعلامية، وإن كان ذلك في إطار نفوذ ناعم أكثر منه تدخلاً مباشراً.
هل تتوقع انتهاء الأزمة بسقوط النظام أم تدخل مدغشقر مرحلة جديدة من عدم الاستقرار ؟
ما يحدث في مدغشقر ليس مجرد احتجاج عابر، بل لحظة مفصلية في مسار دولة تعيش توتراً بين جيل جديد يطالب بالتغيير وجهاز دولة تقليدي يصر على البقاء.
هو مشهد يجمع بين انتفاضة شبابية مشروعة وتدخل عسكري حاسم، وبين أزمة ثقة عميقة في الطبقة السياسية ومحاولات لإعادة تشكيل السلطة بوسائل غير دستورية.
لذلك فإن توصيفه الأقرب للواقع هو أنه "محاولة انقلاب تتغذى من غضب اجتماعي واسع"، أزمة مركّبة تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والعسكر بالشارع، والداخل بالمؤثرات الخارجية.
وما لم يتم احتواؤها عبر تسوية مدنية متوازنة ووساطة إفريقية رشيدة، فإن مدغشقر مهددة بدخول دورة جديدة من الاضطراب لن تقف حدودها عند أنتاناناريفو، بل ستمتد آثارها إلى مجمل المحيط الإقليمي في جنوب وغرب المحيط الهندي.
هل هناك احتمالية لانتقال الاحتجاجات لدول أخري ؟
نعم، اذا كانت انتقلت من المغرب ثم الجزائر في اقصي الشمال الي مدغشقر في اقصي الجنوب الشرقي للقارة، الفكرة الشبابية في الاعتراض قد تلقي مزيدا من الحماس من الشباب في عدة دول بالقارة، ربما لسوء الاحوال وتشابها، وربما لغياب الفرص والديمقراطية خاصة للشباب، وربما لان الشباب دائما يتاثر ببعضه البعض ويرغب في التقليد.

