رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غزة بعد الحرب .. سلام على الورق ومعركة الإعمار على الأرض

اعمار غزة
اعمار غزة

في شرم الشيخ تجمع قادة العالم، لحضور مراسم توقيع اتفاق السلام بين حماس وإسرائيل، بحضور الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وعدد من زعماء الدول الكبرى. لحظة وُصفت بأنها تاريخية، لكنها فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا للتساؤلات: ماذا بعد؟

فبينما تبادل القادة المصافحات والابتسامات أمام الكاميرات، كانت غزة تئن خلف الكواليس تحت ركام حرب مدمرة خلّفت آلاف القتلى والجرحى، وأحياء كاملة سويت بالأرض، وبنية تحتية تكاد تكون منهارة. ومع توقف القتال، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا  هل يكفي التوقيع على اتفاق لإعادة الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب؟ أم أن الطريق إلى السلام الحقيقي يبدأ من إعادة إعمار النفوس قبل الحجارة؟

تقرير أممي: 67 ألف قتيل ودمار يتجاوز مائة ألف مبنى

كشفت تقارير أممية ودولية حديثة عن حجم غير مسبوق من الدمار والخسائر البشرية في قطاع غزة بعد شهور من العمليات العسكرية التي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار.
ووفقًا لبيانات وزارة الصحة في غزة بتاريخ 3 أكتوبر 2025، فقد بلغ عدد القتلى نحو 67,075 شخصًا، فيما تجاوز عدد الجرحى 169 ألفًا، معظمهم من المدنيين، بينهم آلاف الأطفال والنساء.

أما على صعيد البنية العمرانية، فأوضح تقييم برنامج الأمم المتحدة UNOSAT أن عدد المباني المدمرة كليًا بلغ 102,067 مبنى حتى أغسطس الماضي، بينما تشير صور الأقمار الصناعية إلى أن العدد الإجمالي للمباني المتضررة والمدمرة قد يقترب من 197 ألف مبنى، أي ما يعادل نصف الكتلة العمرانية في غزة.

وتُقدّر منظمات الإغاثة الدولية أن نحو 90% من سكان القطاع (قرابة مليوني شخص) نزحوا عن منازلهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح بالمنطقة منذ عقود.

 كما أكدت الأونروا أن أكثر من 430 مدرسة ومنشأة تعليمية تضررت أو دُمّرت، فيما خرجت نسبة كبيرة من المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية عن الخدمة.

القمة الدولية في شرم الشيخ: تنسيق لإعمار غزة وتثبيت الهدنة

شارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في اجتماع موسع على هامش قمة شرم الشيخ للسلام، بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وضم الاجتماع ملك الأردن، ورؤساء فرنسا وتركيا، وأمير دولة قطر، والمستشار الألماني، ورؤساء وزراء إيطاليا والمملكة المتحدة وكندا، إضافة إلى وزير خارجية المملكة العربية السعودية.

 

وبحسب المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، فقد تناول الاجتماع تنفيذ اتفاق وقف الحرب في غزة، وجهود إعادة الإعمار، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع.

وأكد الرئيس السيسي خلال الاجتماع على أهمية عقد مؤتمر القاهرة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار في نوفمبر 2025، والبناء على الزخم الذي أحدثته القمة، مشيرًا إلى أن مصر والأردن يواصلان تدريب عناصر من الشرطة الفلسطينية استعدادًا لتسلم مسؤوليات الأمن في القطاع، وداعيًا الدول الأوروبية إلى تقديم الدعم الفني واللوجيستي لاستمرار تلك الجهود.

 

واتفق القادة المشاركون، بمن فيهم الرئيس الأمريكي، على إنشاء آلية دولية مشتركة لتنسيق المساعدات وإزالة الركام، ووضع خطوات تنفيذية محددة لضمان إعادة الإعمار الفعّالة وتثبيت الهدنة بشكل دائم.

الرئيس السيسي: مصر ستعمل مع الولايات المتحدة والشركاء للمضي قدمًا في إعادة إعمار غزة

قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن مصر دشنت مسار السلام في المنطقة، مشيرا إلى أن الشعب الفلسطينى له الحق فى العيش  بكرامة وسلام، ومشددا على أن مصر ستعمل مع الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء للمضي قدمًا في إعادة إعمار غزة.

جاء ذلك خلال كلمة الرئيس السيسي في القمة الدولية المنعقدة بمدينة شرم الشيخ، اليوم الإثنين، تحت عنوان "قمة شرم الشيخ للسلام"، برئاسته المشتركة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبمشاركة قادة أكثر من عشرين دولة.

وتهدف القمة إلى إنهاء الحرب في قطاع غزة، وتعزيز جهود إحلال السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار الإقليمي.

التحديات الاقتصادية: تكلفة الإعمار تتجاوز 70 مليار دولار

كشف وزير الأشغال العامة والإسكان الفلسطيني عاهد فائق بسيسو أن الحكومة الفلسطينية تعمل على حصر شامل للأضرار في غزة بالتعاون مع المؤسسات الدولية.

وأوضح أن الدمار شمل جميع القطاعات من الإسكان والطرق إلى الكهرباء والمياه، مشيرًا إلى أن التكلفة المقدّرة لإعادة الإعمار ارتفعت من 53 إلى أكثر من 70 مليار دولار بسبب الأضرار الإضافية.

وأشار إلى أن قطاع الإسكان تضرر بنسبة تتجاوز 85%، حيث دُمّر نحو 300 ألف وحدة سكنية بالكامل وتضرر جزئيًا أكثر من 100 ألف وحدة أخرى، كما تعرضت 85% من شبكة الطرق للدمار، خصوصًا الطرق الرئيسية.

وأكد أن الحكومة الفلسطينية أعدّت خطة متكاملة لإعادة الإعمار تستند إلى الخطة المصرية العربية التي أقرتها القمة العربية في القاهرة ، وتشمل مراحل تبدأ فور وقف إطلاق النار وتمتد لخمس سنوات لاحقة.

الموقف الدولي: العرب يمولون وأمريكا تراقب

أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن الدول العربية ستتحمل الحصة الأكبر من تمويل إعادة إعمار غزة، مشيرًا في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" إلى أن المساهمة الأمريكية ستكون دبلوماسية ورقابية، بينما تأتي الموارد الرئيسية من دول الخليج العربي.

وفي السياق نفسه، قال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إن هناك دولاً "ثرية جدًا" ستتولى تمويل إعادة إعمار غزة، واصفًا الوضع الحالي في القطاع بـ"المأساوي"، بينما صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن التطورات الأخيرة "ستمهد لأن تصبح غزة مكانًا قابلًا للعيش".

خبراء: الإعمار قد يستمر حتى عام 2040

قال الدكتور إسماعيل تركي، أستاذ العلوم السياسية، إن مرحلة ما بعد السلام ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على تحويل السلام إلى واقع.
وأوضح أن تقريرًا مشتركًا للبنك الدولي ومشروع إعادة الإعمار والتنمية (IRDNA) قدّر تكلفة الإعمار بـ 53 مليار دولار، مع احتمال امتداد العملية حتى عام 2040 نظرًا لحجم الدمار الكبير وصعوبة إدخال المواد.

وأشار إلى أن مصر ستتولى الدور اللوجيستي عبر معبر رفح، بينما تدير قطر التمويل التنموي عبر صندوقها للتنمية، بدعم من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، موضحًا أن الاستقرار السياسي والشفافية سيكونان مفتاح النجاح.

جهود المنظمات العربية والدولية

أكد زهير العمري، رئيس مجلس إدارة الهيئة العربية الدولية لإعمار فلسطين، أن إعمار غزة أولوية قصوى للهيئة منذ عام 2008، موضحًا أن الهيئة نفذت مشاريع بقيمة 40 مليون دولار بالتعاون مع بنك التنمية الإسلامي في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان.

وأشار العمري إلى أن الهيئة وزعت خلال العدوان الأخير 13 ألف خيمة و110 ملايين لتر من المياه الصالحة للشرب، وساهمت في ترميم المستشفيات والمخابز وشبكات الصرف الصحي، مؤكدة استمرارها في توسيع برامج التنمية المستدامة داخل القطاع.

الاتحاد الأوروبي: دعم مالي لإنعاش غزة وبناء الدولة الفلسطينية

أعلنت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، أن الاتحاد الأوروبي يعمل على تشكيل مجموعة مانحين دولية لتمويل إعادة إعمار غزة، بهدف دعم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأكدت أن بقاء السلطة الفلسطينية "على المحك"، وأن الاستقرار الاقتصادي شرط أساسي للسلام، مشيرة إلى إنشاء أداة مالية مخصصة لإعادة الإعمار بالتنسيق مع المانحين الدوليين.

من جهته، دعا رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى وقف الحملة العسكرية على غزة ووقف المستوطنات في الضفة الغربية، مؤكدًا أن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو حل الدولتين، قائلاً: “وقت السلام هو الآن، وعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا لتحقيقه".

 

بين الحلم والواقع

رغم الاتفاقات والمؤتمرات والتعهدات، يبقى الاختبار الحقيقي في الميدان؛ بين ركام المنازل وآمال الأطفال، وبين الأوراق الموقّعة والواقع الصعب.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجو غزة فعلًا من لعنة الحرب؟ أم تُدفن وعود الإعمار تحت أنقاض السياسة؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء