رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين يتحول الغضب إلى مرض.. ما هو الاضطراب الانفجاري المتقطع؟

إيجبتكِ

هل رأيت من قبل شخصًا يفقد أعصابه في لحظة، وكأن شرارة صغيرة أشعلت داخله بركانًا من الغضب فيتصبب عرقًا ويعلو صوته وتتسارع أنفاسه وكلماته تتدافع بلا وعي، ثم يهدأ في دقائق قليلة ليعود إلى صمته، وربما يندم، ويعتذر؟  هذه الحالة تطرح سؤالًا هل ما حدث مجرد غضب بشري عابر؟ أم أن وراءه اضطرابًا نفسيًا؟ 

الاضطراب الانفجاري المتقطع 

العلماء استطاعوا كشف وجود سبب طبي وراء هذا السلوك المندفع، الذي يبديه بعض الأشخاص عقب وقوعهم تحت ضغط الغضب، بحسب شبكة BBC.  

ويصف الأطباء هذه الحالة بأنها “نوبات من الغضب الشديد غير المتناسب مع الموقف”، فيما توضح الدكتورة جوسلين عازار، رئيسة قسم الطب النفسي في مستشفى الجامعة اللبنانية الأمريكية، أن من يعاني من مرض الاضطراب الانفجاري المتقطع يعيشون حياته بشكل طبيعي تمامًا، إلى أن يتعرض لموقف يستفزه بشدة، فيخرجون عن السيطرة. 

وأضافت أن هذه النوبات لا تدوم طويلًا، لكنها تترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا على من يعيشها ومن حوله، كما أنه رغم كون الكثيرين لم يسمعوا من قبل عن الاضطراب الانفجاري المتقطع، فإن الأرقام تكشف انتشاره الواسع، بحسب موقع “ساينس دايركت”، الذي أشار في تقرير له إلى أنه بعد تحليل بيانات أكثر من 182 ألف شخص من 17 دولة، تبيّن أن 5.1% من الناس يعانون من هذا الاضطراب خلال حياتهم.

ويُدرج الطب النفسي هذه الحالة ضمن دليل DSM-5 الأمريكي للاضطرابات العقلية، إذ تُصنف على أنها نوبات مفاجئة من العدائية والعنف المبالغ فيه، وتشير الدراسات إلى أن التشخيص ليس سهلًا، فغالبًا ما يخلط بين الاضطراب الانفجاري المتقطع وحالات أخرى مثل اضطراب الشخصية الحدّية أو الاضطراب ثنائي القطب، أو حتى اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

ومن الناحية العلمية، لا يُعد كل شخص "عصبيًا" مصابًا باضطراب، فالغضب في حد ذاته انفعال طبيعي، ينشأ استجابةً للظلم أو التهديد أو الإحباط  لكن حين يصبح رد الفعل مبالغًا فيه إلى حد فقدان السيطرة، نبدأ بالحديث عن الاضطراب الانفجاري المتقطع.

وتوضح عازار أن البيئة تلعب دورًا مهمًا؛ فبلدان مثل لبنان، حيث يعيش الناس تحت ضغط مستمر، قد تزداد فيها حالات الغضب الشديد، لكنها لا تعني بالضرورة الإصابة بالمرض، بل قد تكون انعكاسًا للضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

الأعراض كيف تبدأ النوبة؟

وقبل لحظات من الانفجار، يشعر الشخص بتوتر داخلي، تسارع في ضربات القلب، ضيق في الصدر، ورغبة عارمة في الصراخ أو العراك.
وتشير مراكز مايو كلينك إلى أن النوبات عادةً تأتي بشكل مفاجئ وبدون مقدمات واضحة، وتشمل الجدال الحاد، الصراخ، المشاجرات، أو حتى تكسير الأشياء وإيذاء النفس أو الآخرين.

وبعد انتهاء النوبة، قد يشعر المريض براحة مؤقتة يتبعها إرهاق شديد وندم، لكنه رغم ذلك لا يستطيع منع تكرارها لاحقًا.

ويذكر الدليل التشخيصي الأمريكي أن تكرار النوبات مرتين أسبوعيًا لمدة ثلاثة أشهر، أو ثلاث مرات شديدة خلال عام، يشير بوضوح إلى وجود خلل يستدعي العلاج.


 الأسباب:من الطفولة إلى الدماغ

وتتعدد أسباب الاضطراب الانفجاري المتقطع بين البيولوجية والنفسية والاجتماعية، فالكثير من المصابين مرّوا بصدمات في الطفولة مثل العنف أو التنمر أو الإهمال، كما أن وجود الطفل في بيت يكثر فيه الصراخ والمشاجرات قد يجعله أكثر عرضة للاضطراب لاحقًا.

ومن الناحية البيولوجية، تشرح عازار أن الخلل قد يكون في وظائف الدماغ، خاصة في منطقة تُسمى اللوزة الدماغية (Amygdala)، المسؤولة عن التحكم في الانفعالات والخوف.

كما أظهرت دراسات في ساينس دايركت عام 2016 أن هذه المنطقة تكون مفرطة النشاط لدى المصابين بالاضطراب، مما يجعلهم أكثر استجابة للمحفزات الغاضبة.

فيما يلعب السيروتونين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالمزاج والسعادة، دورًا مهمًا فعندما ينخفض مستواه في الدماغ، يختل التوازن بينه وبين الدوبامين، مما يؤدي إلى اندفاعات غضب غير مبررة.

ولا يقتصر تأثير الاضطراب الانفجاري المتقطع على الحالة النفسية فقط، بل يمتد إلى الصحة الجسدية، فالنوبات المتكررة ترفع خطر الإصابة بالجلطات وأمراض القلب والسكري، إلى جانب المشاكل الاجتماعية والقانونية الناتجة عن السلوك العدواني.

وغالبًا ما يعاني المصابون من تدهور علاقاتهم مع العائلة والأصدقاء، إذ يخاف الناس من ردود أفعالهم المفاجئة. تقول الدكتورة عازار: "نحن لا نتحدث عن مجرد غضب، بل عن رد فعل خارج السيطرة لا يمكن التراجع عنه في اللحظة".

العائلة خط الدفاع الأول

وبالعودة إلى الدكتورة جوسلين عازار، رئيسة قسم الطب النفسي في مستشفى الجامعة اللبنانية الأمريكية، نجدها تؤكد أن العائلة تلعب دورًا محوريًا في ملاحظة الحالة، ففهم من يشاهدون تكرار النوبات ويستطيعون ملاحظة شدتها وتنصح بعدم مقاطعة الشخص أثناء غضبه أو مطالبته بالهدوء، لأن ذلك قد يزيد انفعاله.

وتعد الطريقة الأفضل هي منحه مساحة للتعبير ثم مناقشة ما حدث بهدوء بعد انتهاء النوبة، كما تنصح الأسرة باستشارة أخصائي نفسي ومراعاة سلامتهم في المقام الأول.

طرق العلاج

العلاج ممكن لكن يحتاج إلى صبر وفهم،  ويبدأ عادة بـ العلاج السلوكي المعرفي الذي يساعد المريض على التعرف إلى محفزات الغضب والسيطرة عليها كما تُستخدم تقنيات الاسترخاء والتنفس كوسائل مساعدة فعالة.

وفي الحالات الشديدة من الاضطراب الانفجاري المتقطع، يوصي الطبيب باستخدام أدوية مثل مضادات الاكتئاب أو مثبتات المزاج، وتوضح عازار أن اختيار المعالج وطريقة العلاج المناسبة هو العامل الأهم لتحقيق التوازن النفسي المطلوب.

وقد نميل أحيانًا إلى تبرير الغضب بأنه "طبع بشري"، لكن حين يتحول إلى انفجار غير مبرر يدمّر العلاقات ويؤذي النفس والآخرين، يصبح الأمر مرضًا يحتاج إلى وعي وعلاج، فالغضب ليس دائمًا ضعفًا في الأخلاق بل قد يكون صرخة صامتة من دماغ مضطرب يطلب المساعدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء