كتاب «في بيتي».. رحلة في عالم عباس محمود العقاد
ستّون عامًا مرّت على رحيل عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد (1889–1964)، غير أنّ بيته وكتبه لا يزالان ينطقان بالحياة، ويستدعيان القارئ إلى جولة بين أوراقه وروحه وأشيائه.
في كتابه «في بيتي»، يصحبنا العقاد إلى عالمه الداخلي، لا بوصفه كاتبًا فقط، بل إنسانًا يرى النور في كل تفصيلة من تفاصيل المكان، يبدأ حديثه باعترافٍ بسيطٍ وعميقٍ عن عشقه للنور وحبّه لمدينة الشمس أسوان، وكأنّ الضوء الذي ملأ بيته هو ذاته الذي أضاء فكره طوال حياته.
الكتاب ليس مجرّد وصفٍ لمنزله، بل سيرة فكرية تأخذ شكل المكان؛ فالعقاد يفتح لنا باب بيته كما يفتح صفحات عقله، نقرأ فيه فلسفته تجاه الأشياء الصغيرة، ونتلمّس نظرته إلى الحياة والموت، وإلى الجمال والعزلة، في كل غرفة حكاية، وفي كل زاوية فكرة، حتى لتكاد تشعر أن رفوف الكتب تنبض بعباراته.
بيت العقاد في شارع السلطان سليم (شفيق غربال حاليًا) بحي مصر الجديدة لم يكن مجرد مسكن، بل صالون ثقافي جمع صفوة المثقفين والأدباء؛ من أنيس منصور إلى طاهر الطناحي ومحمد خليفة التونسي، كان البيت شاهداً على نقاشات الفكر والسياسة والأدب، قبل أن يتحول – بمرور الزمن – إلى مبنى متهالك غاب عنه العمران، كما غابت عنه رعاية المسئولين.
ورغم الصمت الذي خيّم على المكان بعد رحيل صاحبه، ظلّ تلاميذه أوفياء لذاكرته؛ فأسسوا جمعية العقاد الأدبية، وواصلوا تقليد “ندوة الجمعة” الأسبوعية لأكثر من ثلاثين عامًا بعد وفاته، يتحدثون فيها عن فكره وذكرياتهم معه، ويشربون القهوة والليمون كما اعتاد هو أن يفعل.
يمتزج في هذا الكتاب السرد الشخصي بالفكر الفلسفي، فالعقاد يتأمل منزله كما يتأمل العالم: لا يرى في الرقم (13) نحسًا، بل تفاؤلًا، إذ حمل بيته هذا الرقم، ورحل عن الدنيا في اليوم ذاته. كما لم يجد في “البومة” رمزًا للتشاؤم، بل جعلها مجسّمًا يزين مكتبته. كل شيء عند العقاد يحمل معنى أعمق من ظاهره.
في كتابه، يصف درجات السلم التي صعدها في شبابه ثلاثًا ثلاثًا، ثم اثنتين اثنتين، ثم درجة درجة حين كبر سنّه، وكأنها رمزٌ لمسيرة عمرٍ حافلة بين القوة والتأمل، بين صعود الفكر وهدوء الشيخوخة. يصف مكتبته التي غطّت جدران البيت حتى المطبخ والحمّام، في إشارة إلى أن المعرفة كانت لديه أسلوب حياة لا حدود له.
ومن خلال فصول الكتاب، يتجلى العقاد الإنسان: الناقد الحادّ، والكاتب الجسور، والزاهد في المظاهر، والعاشق المنكسر في “سارة”. يتحدث عن صالونه الذي كان واديًا من الظلال، وعن مكتبته التي هي بيته، وعن بيته الذي هو فكره.
لقد كتب العقاد ما يزيد على مئة مؤلف بين أدب وفكر وتاريخ وفلسفة، من بينها: عبقريات الإسلام، الله، إبليس، التفكير فريضة إسلامية، الإنسان في القرآن، بين الكتب والناس، ساعات بين الكتب، سارة، حياة قلم. أعمالٌ صنعت منه قامة عربية عالمية، وخلّدته في ذاكرة الأدب الحديث.
يبقى كتاب «في بيتي» بمثابة سيرة للمكان والروح معًا، يرسم صورة رجلٍ عاش وحيدًا بين كتبه، يرى العالم من نافذة الفكر، ويحاور الإنسانية من مقعده في البيت رقم (13)، ذلك البيت الذي كان عقله، وصالونه الذي كان قلبه، ومكتبته التي كانت حياته كلها.
سيرة أديب العربية الكبير
وُلِد عباس العقاد في 28 يونيو/حزيران 1889 بأسوان، أقصى جنوب مصر، لأب مصري وأم كردية الأصل، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1903، لكنه لم يتمكن من مواصلة تعليمه بسبب الظروف المادية الصعبة، ومع ذلك، بفضل الإرادة الصلبة التي قال إنه ورثها عن والدته، قرر العقاد أن يعلّم نفسه بنفسه ليصبح مثقفا وأديبا وشاعرا ومفكرا وروائيا. لم يقتصر اطلاعه على الكتب العربية فقط، بل تعلم الإنجليزية بنفسه، مما أتاح له الإبحار في الثقافات العالمية.
زار الشيخ محمد عبده مدرسته الابتدائية، وأشاد بدفتر الإنشاء الخاص به، متنبئا له بمستقبل باهر في الكتابة. وكان والد العقاد يأخذه إلى مجلس الشيخ أحمد الجداوي، أحد علماء الأزهر الشريف الذين تتلمذوا على يد جمال الدين الأفغاني.
في شبابه، قابل العقاد عددا من أعلام الأدب المصري والعربي مثل عبد العزيز البشري، وجورجي زيدان، وعبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري، كما شهدت حياته لقاءات مميزة، من بينها علاقته بالأديبة اللبنانية مي زيادة. وقد ساهمت تلك اللقاءات مع صفاء ذهنه وإصراره على المطالعة في نبوغه المبكر، لكنه لم يكن بمعزل عن المعارك الأدبية التي خاضها لاحقا.
معارك سياسية وأدبية
لم يتزوج العقاد قط، وعندما سُئل عن السبب، أجاب أنه لا يريد أن يشق على امرأة بسبب كثرة معاركه.
كانت أبرز معاركه السياسية مع الملك فؤاد الأول، عندما حاول إسقاط عبارتين من الدستور تنصان على أن الأمة مصدر السلطات، وأن الوزارة مسؤولة أمام البرلمان. وقف العقاد أمام البرلمان وقال بقوة "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه". كلفته هذه العبارة السجن 9 أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية، وخلالها كتب قصيدته الشهيرة:
وكنت جنين السجن تسعة أشهر
فها أنذا في ساحة الخلد أولد
ففي كل يوم يولد المرء ذو الحجى
وفي كل يوم ذو الجهالة يلحد
استقر العقاد في القاهرة بعد وفاة أبيه عام 1907، وعمل في الصحافة والتدريس. خلال ثورة 1919، كان أحد مناصري حزب الوفد وزعيمه سعد زغلول، لكنه اصطدم بالوفد لاحقا، واعتزل السياسة تماما في عام 1935 ليتفرغ للتأليف.
في المجال الأدبي، خاض العقاد معارك طويلة، أبرزها مع طه حسين حول "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، حيث قلل العقاد من خيال المعري. كما شهدت معاركه الأدبية صداما عنيفا مع مصطفى صادق الرافعي حول إعجاز القرآن الكريم.
أما مع أحمد شوقي، فقد وصف وزير الثقافة المصري الأسبق حلمي النمنم معركتهما بأنها اتسمت بالقسوة، حيث حاول العقاد أن ينزع عنه لقب أمير الشعراء.