رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في منزل الوحي.. أسرار من رحلة الدكتور محمد حسين هيكل إلى الحجاز

غلاف كتاب  منزل الوحي
غلاف كتاب منزل الوحي

 بدأ الدكتور(محمد حسين هيكل) حياته كاتب قصة، وختمها كاتب قصة أيضاً! فأول مؤلفاته كانت قصة "زينب" وآخِرها قصة "هكذا خُلِقت". فالرجل الذي بدأ حياته هكذا قصاصاً وختمها كذلك، لَمْ يكن عسيراً عليه أنْ يقتحم ميدان السِّيَر التاريخية، ويُقدِّم أمثلةً رائعةً مازالت تعيش في وجدان الناس!

  لذا جاءت كتاباته الإسلامية جامعة بين عقل المؤرخ وروح الأديب. ومن هنا يبدو يسيراً على الأديب القصاص أن يكتب سيرة تاريخية، ولا أدلّ على ذلك من أنَّ أعظم مُؤرخي السِّيَر .. هم الذين يملكون في الأصل موهبة الأديب الفنان، فمازالت السيرة قصة إنسانية تعجّ بالأحاسيس والانفعالات  والمواقف والأحداث التي يقتنصها كاتب السيرة ليُضفي عليها الحيوية ويبعث فيها النشاط.

   وقد كان الدكتور هيكل يجمع بين الميزتيْن معاً: ميزة المؤرخ العالِم، وميزة الأديب الفنان ... وتتجلَّى تلك الموهبة في كتاباته الإسلامية، مثل: "حياة مُحَمَّد"، "الصدّيق أبو بكر"، "الفاروق عمر"، "عثمان بن عفان"، "الإمبراطورية الإسلامية والأماكن المُقدَّسة"، وكتاب "فـي مـنزل الوحـي" الذي سَجَّل فيه خواطره الحجازية، والذي نحن بصدد الحديث عنه.

    فما هي قصة هذا الكتاب؟ وكيف استهلَّه مؤلفه؟ وما هي الأحداث التاريخية الإسلامية التي شغلت المؤلف عمَّا سواها؟ وما هيَ أوجه التشابه بين هذا الكتاب وبين سواه من كتب رحلات الحج؟!

 الواقع أنه بعدما فرغ الدكتور هيكل من كتابه (حياة مُحَمَّـد) قال لنفسه: "سأظلُّ ينقصني جوهر ما أبحثُ عنه إذا أنا لمْ أذهب إلى بلاد النبيِّ العربي بنفسي وأقف حيث وقف، وأُحيط في حدود الطاقة بالبيئة العامة التي نشأ فيها النبي. فلمَّا ذهب إلى الحجاز، وشاهد ما أراد، قال: رأيتُ من الخير أنْ أُطالِع القُرَّاء بكتابٍ مستقل يتناول ما رأيتُ، ويتناول ما أَحْسَسْتُ به حين كررت بالزمن راجعاً إلى عهد الرسول وما كان بعد ذلك من حياة المسلمين في عهدهم الأول, ثم ما أصاب البلاد الإسلامية المقدسة بعد ذلك إلى وقتنا الحاضر, مع الإشارة الموجزة إلى ما أرجو أن يكون القَدَر قد خَطَّه في لوحه لهذه البلاد يوم ينصر الله دينه على الدين كله".

  وهكذا رحل الدكتور هيكل ليرى آثار الرسول الكريم، ويسير حيث سار مُلْتَمِساً ما في حياته من أُسوةٍ وعِبْرة ويعود ويسجلها في كتابه الضخم (في منزل الوحْـي) الذي يشير في مقدمته إلى ملاحظة مهمة؛ وهى قِلَّة ما كُتِبَ عن بلاد النبيِّ عليه السلام، على الرغم مما لذلك من قيمة علمية تكشف الغطاء عن حقيقة هذه البلاد التي شاهدت الرسالة المُحَمَّدية، والتي اختارها القَدَر لتكون منزلاً للوحي والرسالة على نحو يقنع تفكير العصر الذي نزلت فيه هذه الرسالة.

  ولهذا بدأ الدكتور هيكل يقرأ كل ما كتبه مَن سبقه إلى زيارة هذه البلاد، خاصة الرحَّالة، ومنهم المستشرقون، وما كتبه السلَف عن المسلمين الأوائل.

      جمال الوصف وروعة التعبير

  كان نتيجة قراءات هذا الكتاب الضخم الذي يصور فيه رحلته تصويراً دقيقاً متناولاً الجزيئات والتفصيلات والوقفات التي وقفها في بلاد الوحي ومنزله مستوحياً فيها مواقف الرسولe بعد أن تجرد من نفسه وَكَرَّ العصور يطويها مُتمثلاً الهادي البشيرe والمسلمين من حوله .. فكأنما الكتاب رحلة روحية لا يكتفي –المؤلف- فيها بالوصف الحي، بَلْ نجد نوعاً آخر من الوصف الأدبي يمكن أن نسميه بالوصف الروحي، وهو قريب من أوصاف الصوفية وتخيلاتهم لمنازل الوحي وأماكن النبوة، وذلك حين يستعيد في ذهنه وعلى الصفحات صورة الرسول في غُدُوِّهِ ورَواحهِ بين قومه وعشيرته، أوْ موقفه في "غار حِرَاء" يتلقى أوامر ربه ويُناجي خالقه سبحانه وتعالى!

  وتحس بالصفاء والروعة -حين تقرأ هذا الوصف- كأنما أنت المُشاهِد والرائي حين تطوي صفحات الكتاب التي تبيّن كثرة الاستطرادات والمجادلات التي يلجأ إليها الدكتور هيكل في كتابه هذا الذي يجمع بين جمال الأسلوب ودقة البحث الديني والتاريخي.

  الكتاب مُقَسَّم إلى ستة أجزاء كبيرة: في "الجزء الأول" يحدّثنا هيكل عن السفر ويستهله بهذه الآية الكريمة: ]وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ[ [لقمان:34]. وكيف أنَّ أسفار الكثيرين من أصدقائه تمثلها منذ أعلن عزمه الرحلة إلى الحجاز حاجّاً حتى وَدَّعوه مسافراً .. ثم يحدثنا عن وسيلة السفر وكانت وقتها بالبواخر إلى أن يصل إلى ميناء جدة، ومن بعد ذلك دخوله مكَّة في منتصف الليل ليؤدِّي العُمْرَة .. ويجيء يوم عرفة والتفكير فيما يجب قضاؤه من شعائر الحج، بعد ذلك يصف لنا أيام التشريق على ما كان يُسمِّيها العرب في القديم والتي نعرفها نحن بأيام النحر الآن.

   وصـف مكــة

  في "الجزء الثاني" من الكتاب يحدّثنا الدكتور "هيكل" عن البلد الحرام، ويبدأ الحديث بمكة، فيقول: "أشرتُ لماماً إلى ما رأيتُ بمكة أول نزولي بها، وذكرتُ دار مُضَيِّفي ودار وزير المالية, وقصر المَلِك وصورة عمارتها. ولقد حاولتُ أن أجد فيها وفي المنازل التي دُعِيتُ أثناء مقامي بمكة لزيارتها والمنازل التي نزلتُ بها بضواحي مكة ما أستشف منه روح العصر في العمارة أوْ في نظام الحياة فعدتُ من محاولتي مُقتنعاً بأنَّ مكة القديمة الخالدة ما تزال بريئة من هذا الروح، وإنْ لَمْ يبقَ فيها كذلك شيء من الروح العربي القديم مما تحدثنا به تواريخ مكة من عدة قرون, وغاية ما يستشفه الإنسان من خلال الحياة في "أُم القُرَى" اليوم ذلك أن شبابها يصبو بكل وجدانه إلى الحياة الحديثة".

  ويعقد هيكل شبهاً بين تعليم مكة في تلك المرحلة، وصورة التعليم التي كانت قائمة بالأزهر .. ويشير إلى أنَّ التأخُّر ليس قصراً على الناحية العلمية فحسب، فالناحية العمرانية ليست أحسن حالاً، ويرجع ذلك إلى المحافظة في التفكير عند أهل مكة.

    ومع ذلك، فهو يرى أنَّ "مكــة" أخذت في التحديث، وإنْ كان بصورة متأنية، مستدلاً على ذلك بوصف الرحالة السويسري "بورخارت" لها في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

  وأشار الدكتور هيكل إلى بعض العوامل التي يراها عوناً على التحديث، ويذكر منها رغبة بعض الحُجَّاج الأثرياء وأُولي الأمر بتخصيص أماكن تناسبهم للسكنى والمعيشة خلال فترة الحج، وأن الحكومة بدأت تفكر في مطلبهم، ووجود "التكيَّـــة" المصرية في مكة عامل من عوامل تحديثها، حيث كان يتوفر فيها الغذاء الجيد، والطبيب المعالج، وتصرف منها الأدوية للمرضى. ومن عوامل التحديث اتصال رجال الحكومة في الجزيرة بالبلاد الإسلامية الأخرى، واتصال أفراد من ذوي الشأن بالبلاد المتحضرة، وهذا وذاك يسرع بعملية التحديث.

  الحقّ أنَّ حياة البداوة، وعدم التحديث والنهوض بتلك البقاع الطاهرة، منذ أكثر من نصف قرن، أرَّقَتْ هيكل كثيراً، وآلمته طويلاً .. فليته اليوم بيننا ليشهد مظاهر الاهتمام بهذه المشاعر المقدسة، ليعلم أنَّ دعوته كانت لها أصداؤها، فتطمئن نفسه أنْ تَحقَّق لها مبتغاها!

  أروع مظاهـر الإيمــان

  يمضي الدكتور هيكل في حديثه عن "أُم القُــرَى" فيقول: "وكل الذين يَفِدون إلى مكة هذه في أشهر الحج يَفِدون للصلاة في المسجد الحرام .. حتى إنه في يوم الجمعة يندر أن تجد هناك مسلماً في مكة ويصلي في مسجد آخر غير المسجد الحرام .. فمن يقتنع بأنَّ هناك مسجداً أفضل من المسجد الحرام لحرام! وصلاة الجمعة بالمسجد الحرام من أروع مظاهر الإيمان في الجماعة الإسلامية, هذا الإيمان القوي في بساطته, البالغ في قوته, الذي يجمع بين الحرية والنظام جمعاً لمْ أقف علي ما يقرب من رفعته في أيّ من المذاهب والنظم الحديثة أوْ القديمة التي اطلعتُ عليها, ولقد رأيتُ في أسفاري الكثيرة ببلاد يدين أهلها بغير الإسلام من شعائر العبادة ونظم الجماعة ما فيه مهابة ورهبة ونظام.

  ولقد حضرتُ صلاة الجمعة في بلاد إسلامية شتى .. ولكني لَمْ أرَ في شيء من ذلك ما قد يقرب مظهره وقوة روعته, وفي جمعه بين الحرية والنظام وبين الاعتداد بالذات والإسلام لله، مما رأيتُ في صلاة الجمعة بالمسجد الحرام ولم يطبع شيء من ذلك كله بغير الأثر العميق في نفسي ما طبعتهُ صلاة الجمعة بالمسجد الحرام من أثرٍ بالغٍ عمقه..".

       صـورة غــار حِــراء

    ثمَّ يحدثنا عن الكعبة، ومقام إبراهيم. ومن بعدها زار آثار مكة, ومنها دار الأرقم، ودار أبي سفيان, وغيرها من الآثار, كما زار (غــار حِــراء). وَلَكَمْ كان الدكتور هيكل فناناً حين رسم بقلمه صورة بارعة لِمَا شاهده عند حراء هذا المكان المقدس فيقول: "وحسبكَ أن تقف قُبالة حراء وأنْ تتأمله لتذكر هذا المشهد كله ولتراه مرتسماً أمامك، وكأنه حدث منذ عهد قريب .. فها هو ذا (مُحَمَّد) يسير وحيداً منفرداً حاملاً من الذات ما ينوء رجل بحمله، يخترق طرق مكة من جنوبها الشرقي حيث يقع اليوم شِعْب عليّ, وحيث كانت دار خديجة إلى شمالها الشرقي حيث يقوم هذا الجبل .. وها هو ذا على سفح حِرَاء يصعد إليه وسيماء التفكير مرتسمة علي قسمات مُحَيَّاه، وليس فيما حوله من أسباب الحياة ما يرفه عن تفكيره أوْ ينبهه إلى جديد في الحياة، ويستمر في صعوده وزاده معه حتى يبلغ قمة الجبل .. هنالك يجد ماء المطر القليل قد اختزنته بعض أخاديد شعابه، ويجلس على مقربة من هذا الماء ومن غار قريب منه هو مأواه أثناء نومه ويجيل بصره فيما حوله من خلق الله ..".

  ثمَّ زار الدكتور هيكل (غــار ثَــوْر) ذلك الغار الذي احتمى به النبيّ من عدوّه حين أزمع الهجرة إلى المدينة ... ثم يقوم –المؤلف- بجولة في ظاهر مكَّة وفيها يرى آثاراً إسلامية جد عظيمة مازالت تحمل أثار وبصمات رجال الصدر الأول من الدولة الإسلامية.

 ثم ينتقل بنا إلى "الجزء الثالث" وهو حول الطائف وأثاره، وأول ما يحدثنا عنه هو طريق الطائف ووسائل المواصلات ومنها السيارات والدواب, ثم يصل إلى الطائف هذه المدينة التي تعتبر من أقدم المدن في بلاد العرب, ولعلَّ الدكتور هيكل لا يغلو من أنْ يحسبها هكذا أقدم مدينة في بلاد العرب إذْ كانت هي بالفعل أقدم مدينة كما يروي بعض المتقدمين من كُتَّاب المسلمين ومُفكريهم.

ثم ينتقل إلي أسواق العرب .. ولا يقصد بها أسواق العرب في العصر الحديث، ولا عن أسواقهم في الجاهلية أوْ في صدر الإسلام، وإنما يقصد أسواقاً ثلاثة هي: (عُكاظ) و(مجنَّة) و(ذو مجاز).

  الحُجْـَرة النبويـة الشريفـة

  أَمَّا "الجزء الرابع" من الكتاب، ففيه يصف طواف الوداع، ويظل في هذا المكان الجليل وقتاً من بعده، ليذهب إلى مدينة الرسولe حيث يقدم "الجزء الخامس" وكان أول ما يتحدث فيه عن المسجد النبوي الشريف، ومن بعده يحدثنا عن الآثار المقدسة الموجودة في المدينة.. وأمام الحجرة النبوية الشريفة يتوجّه بهذه التحية: (السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته .. نشهدُ أنَّ نبيَّ الله ورسوله قد بلَّغ رسالة ربه، وجاهد في سبيله حتى أتمَّ له النصر لدينه، وأنه وَفَّى بوعده وأمر ألاَّ نعبد إلاَّ الله وحده لا شريك له). ثم سلَّم على الصدِّيق أبي بكر والفاروق عمر المدفونيْن في حُجرة مجاورة.

  وفي "الجزء السادس" يبدأ الحديث عن غـزوة بـدروأحداثها وشهدائها، وينهيه بالحديث عن الحياة الروحية والمادية والفرق بينهما.

   سِر الحيـاة الروحيــة

  الحق أقـول: إنَّ كتاب (في منزل الوحي) تظهر فيه رؤية الدكتور هيكل الصحفية، حيث يجعل القارئَ يقوم معه برحلة إلى الأراضي المقدسة لحظة عزمهِ السفر ونيّته ووصوله إلى هذه البقاع الطاهرة، إلى عودته وتفكيره أثناء ذلك في الحياتيْن المادية والروحية، حيث يقول: "أَمَا وقد شاهدتُ من مظاهر الحياة الروحية حينما سِرْتُ في أثر النبيِّ العربيّ الكريم ما شاهدتُ ورأيتُ كيف فعل الإيمان الأعاجيب في مواطن لولاه ما كان للإنسان بها طاقة، فما بال قومٍ في عصورٍ وبلادٍ مختلفة جحدوا الحياة الروحية، وكفروا بفضل الإيمان، فكان ذلك عناداً منهم وجهلاً؟ أمْ أَضلَّهم هواهم، وَغَرَّهُم بالله الغرور؟

ولولا ذلك لرأوا من آيات الله، ومن فضله على عباده المؤمنين ما لا يغيب عمن تأمل في خلق الله، وَمَنْ ألقى السمع وهو شهيد ..".  

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء