التعليم المفقود والطفولة الموجوعة
ختان الإناث.. هل تكفي القوانين وحدها للتغيير؟
على الرغم من التطور التشريعي، وحملات التوعية المتكررة، والجهود التي تقودها الدولة ممثلة في المجلس القومي للمرأة، لا تزال جريمة ختان الإناث واحدة من أكثر الممارسات الاجتماعية رسوخًا في بعض مناطق مصر فبينما تجرم القوانين المصرية هذه الممارسة وتعتبرها اعتداءً صريحًا على جسد المرأة وكرامتها، ما زالت نسب انتشارها مرتفعة في بعض المحافظات الريفية والصعيدية، في تحدٍّ واضح لسلطة القانون وجهود التغيير الثقافي.
تعد ظاهرة ختان الإناث نموذجًا معقدًا لتداخل الدين بالعُرف، والجهل بالخوف، والتقليد بالموروث، إذ تمتد جذورها إلى قرون طويلة، لتتحول إلى "عادة اجتماعية" تبررها مفاهيم مغلوطة عن الطهارة والعفة ورغم أن المجلس القومي للمرأة أطلق العديد من الحملات الوطنية للتوعية بمخاطر الختان، وشارك في إعداد خطط وطنية بالتعاون مع منظمات دولية، فإن الطريق إلى القضاء الكامل على هذه الجريمة لا يزال طويلاً، في ظل استمرار بعض الممارسات داخل نطاق الأسرة والقطاع الطبي.

يستعرض هذا التحقيق أبعاد القضية من زواياها المختلفة والقانونية والاجتماعية والطبية، ويبحث في الدور الفعلي الذي يلعبه المجلس القومي للمرأة في مواجهة الظاهرة، ومدى فاعلية برامجه في تغيير المفاهيم السائدة وحماية الفتيات من ختانٍ لا يترك سوى الألم والندم.
التعليم المؤجل إلى الأبد للتعبئة العامة والإحصاء 2024
بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2024، بلغت نسبة تسرب الفتيات من التعليم الأساسي نحو 5.3% على مستوى الجمهورية، لكنها تصل إلى أكثر من 10% في بعض قرى الصعيد.
هربت من المدرسة.. وعادت لتواجه الندم
لم تكن سلمى تتخيل أن قرارها بترك المدرسة وهي في الصف الثالث الإعدادي سيغيّر مسار حياتها بالكامل. كانت في الرابعة عشرة من عمرها، تسكن في إحدى قرى محافظة المنيا، فتاة هادئة تحب الرسم وتحلم بأن تصبح معلمة فنون، لكن الفقر والضغوط العائلية كانا أقوى من أحلامها.
تروي سلمى وكنت بحب المدرسة جدًا، بس بابا كان شايف إن التعليم للبنات مالوش لازمة.. قالت لي اتعلمي الطبخ أحسن من الحروف، بكرة تتجوزي وتخدمي بيتك" ومع إصرار والدها وغياب دعم الأم، تركت سلمى المدرسة، وظلت تساعد في البيت، ثم خُطبت وهي في السادسة عشرة لرجل يكبرها بعشر سنوات. بعد عامين من الزواج، وجدت نفسها مطلقة وأمًا لطفل صغير، بلا شهادة ولا عمل ولا مصدر دخل.

سلمى تقول: "كنت كل يوم تصحى وتقول لنفسها لو كنت كملت، كان زماني دلوقتي مدرسة أو حتى موظفة وكنت أقدر أربي ابني بكرامة وتحكي سلمى أن الندم بدأ يلاحقها عندما شاهدت زميلاتها القدامى وهن يذهبن إلى الجامعة أو يعملن في وظائف حكومية و “كنت بشوفهم في الشارع.. واحدة بقيت ممرضة، والتانية في البريد، وأنا أقف أبص عليهم وأداري دموعي و اليوم، بعد مرور ثماني سنوات”، قررت سلمى أن تبدأ من جديد التحقت بفصول محو الأمية، وتعمل على إنهاء شهادة الإعدادية من المنزل و مش سهل أرجع أتعلم وأنا عندي طفل، بس التعليم هو اللي هينقذني وينقذه الندم علّمني إن الجهل أقسى من أي فقر" واختتمت سلمى حديثها بابتسامة باهتة "أنا كنت فاكرة إن التعليم رفاهية، بس دلوقتي عرفت إنه الحياة نفسها".

الطريق إلى الوعي
تشير بيانات الأمم المتحدة (2024) إلى انخفاض معدلات ختان الإناث في مصر بنسبة 15% خلال عقد واحد، وارتفاع نسب التحاق الفتيات بالتعليم الأساسي إلى 97% في الحضر و89% في الريف.
تقول نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي، السابقة في إحدى الندوات أن القوانين وحدها لا تكفي والتغيير الحقيقي يأتي من داخل البيت.. من الأم التي ترفض ختان ابنتها، ومن الأب الذي يصر على تعليمها.
إحصائيات وأرقام
نسبة التسرب بين الفتيات: 5.3% (2024).. أعلى نسب في محافظات( أسيوط – المنيا – قنا).. 80% من الفتيات المتسربات يتزوجن قبل سن 18 عامًا.. 65% منهن تعرضن للختان خلال فترة المراهقة.

شهادات من الميدان
كانت "سارة" في السابعة من عمرها حين أخذتها والدتها فجأة إلى زيارة "الخالة أم زينب"، تلك السيدة العجوز التي لم تكن تراها إلا في المناسبات لم تفهم سارة لماذا كانت والدتها متوترة، ولماذا أُغلقت النوافذ، ولماذا أمسكت بها بقوة.
قالت لها أم زينب.. دي حاجة بسيطة يا حبيبتي، كل البنات لازم يعملوها عشان تبقي طاهرة وكويسة" و لم تفهم سارة، فقط شعرت بالخوف ثم جاءت لحظة الألم.. صرخة خرجت منها كأنها انشقت من قلبها، ودموع، ودوار، ونظرات وجوه الكبار من حولها بلا رحمة. قيل لها بعدها إنها الآن "أنضج"، لكنها لم تشعر بشيء سوى ألم لم تعرف له اسماً.
مرت السنوات.. كبرت سارة، لكنها لم تنسَ وكلما دخلت الحمّام، شعرت بالخوف وكلما ذُكر الزواج، انكمشت روحها. في جلسات الحديث مع صديقاتها، كانت صامتة وشعرت دائماً أنها "ناقصة"، لكنها لم تكن تعرف لماذا.
عانت في حياتها العاطفية ولم تستطع الاقتراب من أي شخص، لم تفهم جسدها، ولم تصدق أنه يمكن أن تشعر بالحب أو المتعة أو الأمان وكانت تتظاهر بالابتسامة، لكنها كانت تحمل بداخلها ندبة لا تُرى، ندبة أعمق من الجرح و لم تستطع أن تخبر والدتها بما شعرت به، لكن يوماً ما، بعد أن كبرت وأصبحت شابة واعية، بدأت تبحث، تقرأ، وتفهم. أدركت أن ما حدث لها كان اسمه "ختان الإناث"، وأنه ليس واجباً ولا فريضة، بل عادة مؤلمة زرعها الجهل والخوف.
قررت أن تكسر الدائرة و في أحد الأيام، واجهت والدتها لم تصرخ، لم تلُم، فقط قالت لها:أنا عارفة إنكِ كنتِ تظنين إنك بتحميني، بس أنا كنت محتاجة حمايتك فعلاً، مش ألمك و بكت الأم، لأول مرة، وفهمت أنه منذ ذلك اليوم، أصبحت سارة تتحدث وتذهب إلى المدارس، والمراكز، وتحكي قصتها. لم تستعد ما فُقد منها، لكنّها أصبحت صوتًا لكل فتاة صامتة، تخاف أن تحكي.

بينما تقول إسراء .ع (45 سنة)، أم لثلاث فتيات من المنيا أنا نفسي أتعلم زمان، لكن أهلي قالوا البنت مالهاش لازمة في المدرسة بنتي الكبيرة كانت شاطرة، بس جوزناها عندها 15 سنة، ما فيش حد يساعد في المصاريف.
أما نجلاء عبد الحميد، مديرة مدرسة في سوهاج، فتقول بنرجع تلميذات بعد شهورغياب، لكن بيكونوا خرجوا نفسيًا من التعليم والأسرة بتقول (هتتعلم ليه؟).. التغيير لازم يبدأ من الوعي.
وتوضح تقارير وزارة التربية والتعليم (2025) أن معظم الفتيات المتسربات يتعرضن لاحقًا إما للزواج المبكر أو لعمليات الختان، ما يجعل الظاهرة التعليمية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالعنف ضد الطفلة.
ختان الإناث.. جرح الجسد والروح
رغم تغليظ العقوبات بالقانون رقم 10 لسنة 2021، الذي رفع عقوبة مرتكبي الختان إلى السجن من 5 إلى 20 عامًا، إلا أن الممارسة لا تزال قائمة في بعض القرى، خاصة في الجنوب.

"لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني حين قالت لي أمي إننا سنسافر إلى الصعيد لزيارة جدتي. كنت طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمري الثامنة، واعتقدت أنها رحلة ممتعة ككل مرة.. لكن هذه الرحلة غيّرت حياتي إلى الأبد وبهذه الكلمات بدأت الدكتورة أمل أحمد، الطبيبة والناشطة في قضايا الصحة الإنجابية، حديثها عن واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها في طفولتها لحظة ختانها وتقول أمل في صباح ذلك اليوم، استيقظت على همسات في البيت، ووجوه متجهمة. دخلت امرأة غريبة، تم تقديمها على أنها 'ست طيبة'، لكن قلبي كان يخبرني أن شيئًا ليس على ما يرام. لم أستوعب ما يحدث، حتى وجدت نفسي محمولة بالقوة إلى غرفة مغلقة و تم تقييدي من ذراعيّ وساقيّ، وبدأت الصرخات تخرج مني دون وعي، ثم شعرت بقطع حاد في جسدي.. وجع لا يوصف، وخوف لا يُنسى.
بعد لحظات الوجع، لم تجد أمل الصغيرة سوى الصمت والدموع. لم يشرح لها أحد ما حدث، ولم يهتم أحد بكسرها النفسي و عدنا إلى البيت، وكنت أنزف من الداخل قبل الخارج. سألت أمي: لماذا؟
قالت لي: 'عشان كده اتربينا، وخفت عليك و لكني كنت أعلم في أعماقي أن ما حدث لم يكن من باب الخوف عليّ، بل من باب الجهل والخوف من كلام الناس و سنوات مرت، كبرت أمل، وقررت أن تدخل كلية الطب، وكانت التجربة التي مرت بها دافعًا خفيًا، لكنها عميق. أرادت أن تفهم، أن تُصلح، وأن تمنع تكرار المأساة مع غيرها ودرست الطب، وتخصصت في الصحة الإنجابية، وبدأت أتحدث. لست خائفة من قول الحقيقة الختان ليس طهارة.. الختان ليس شرفًا.. الختان جريمة تُرتكب باسم التقاليد و تُعد قصة د. أمل واحدة من آلاف القصص المماثلة لفتيات خضعن لعملية الختان في صمت، وما زالت النسبة في بعض المناطق الريفية والعشوائية مرتفعة رغم الجهود الحكومية والتوعوية.
وتضيف أمل رسالتي لكل أم: لا تكرري المأساة ولا تجعلي بنتك تمر بما مررنا به والمعرفة سلاح، والسكوت خيانة وخلف هذا الصوت القوي، طفلة لم تُنس جرحها وطفلة حملت ألمها، وحولته إلى قوة تُحدث تغييرًا حقيقيًا في المجتمع.

المجلس القومي للمرأة.. في خط المواجهة
في مواجهة هذه الموروثات، يقف المجلس القومي للمرأة في الصف الأول، بحملات توعية ومبادرات واقعية وأكدت الدكتورة سحرالسنباطي رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ، في تصريحات لموقع إجيبتك: أن قضية الختان ليست قضية طبية فقط، بل قضية كرامة وحقوق إنسان. نحارب الموروث الثقافي بنفس قوة محاربة الفقر كما ينفذ المجلس حملات “طرق الأبواب” لإعادة الفتيات المتسربات إلى المدارس، بالتعاون مع وزارتي التعليم والصحة.
الدكتورة سحر السنباطي رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، نحن نحمل على عاتقنا أمانة عظيمة، ومسؤولية وطنية وإنسانية جسيمة: أن نحمي فتيات مصر من واحدة من أخطر الممارسات الضارة التي تهدد صحتهن النفسية والجسدية، وتنتهك حقوقهن الأساسية ألا وهي جريمة ختان الإناث، مشيرة إلى أن المسح الصحي السكاني لمصر لعام 2021 قد أظهر أن عدد النساء اللاتي تعرضن للختان في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاما ما زال مرتفعًا، مشيرة الى ان هناك بصيص أمل وتقدما، من خلال جهود اللجنة الوطنية للقضاء على ختان الاناث حيث قد انخفضت النسبة بين الفتيات في الفئة العمرية من 15 إلى 19 سنة إلى 38.2%عام 2021 مقارنة ب 65.4% عام 2015.
وأكدت رئيسة المجلس، أن هناك مؤشرات واعدة تفيد بانخفاض نسبة المؤيدين لهذه الممارسة بين الأجيال الجديدة من الأسر المصرية، خاصة في المناطق الحضرية، وهذا التقدم ما كان ليتحقق لولا تكاتف الدولة المصرية بجميع مؤسساتها، وعلى رأسها القيادة السياسية، إلى جانب الدعم المتواصل من شركائنا في المجتمع المدني والهيئات الدولية.
وقالت السنباطي، إنه تم تعديل قانون العقوبات لتغليظ العقوبات المقررة على مرتكبي هذه الجريمة، فأصبح الختان جريمة لا تسقط بالتقادم، ولا تبرر بأي مسمى ديني أو ثقافي، ولكن ومع كل هذا التقدم هناك العديد من التحديات أبرزها، استمرار بعض المعتقدات المجتمعية الخاطئة.
ختان الإناث ليس من ثوابت الدين
قال الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، إن ختان الإناث ليس من ثوابت الدين، ولا يُعد فرضًا أو واجبًا شرعيًا مضيفاً أن الأحاديث التي يستند إليها البعض لتبرير هذه العادة أحاديث ضعيفة ولا يُبنى عليها حكم شرعي، مشيرًا إلى أنه لا يوجد حديث صحيح يُثبت أن النبي محمد ﷺ ختَن بناته، كما لم يُنقل عن الصحابة أنهم فعلوا ذلك.
وأشار كريمة إلى أن ختان الإناث هو عادة اجتماعية موروثة، وليست عبادة دينية، موضحًا أن هذه العادة تسربت إلى بعض المجتمعات من عصور قديمة، منها العصور الفرعونية، وليس لها أصل في الإسلام الصحيح و أن ما يُمارَس تحت اسم "الطهارة" هو في الحقيقة مخالفة شرعية إذا ثبت ضرره البدني أو النفسي، مستشهدًا بقاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
كما أوضح أن الختان لا يُقبل إلا في حالة طبية ضرورية يحددها الطبيب المختص، وليس بقرار من العائلة أو المجتمع، وفي هذه الحالة فقط يمكن النظر إليه كتدخل علاجي، وليس كشعيرة دينية.
وختم كريمة حديثه بالتأكيد على ضرورة تصحيح المفاهيم الدينية، والامتناع عن إلصاق الدين بعادات وتقاليد قديمة تُسيء للمرأة وتلحق بها أذى نفسيًا وجسديًا.

القانون لا يستخدم مصطلح التستر
قالت اتنصار السعيد، محامية بالنقض ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون أن القانون لا يستخدم مصطلح "التستر” بشكل مباشر في نصوصه الخاصة بختان الإناث، لكنه يُحمِّل المسؤولية لكل من يشارك بأي صورة في الجريمة، سواء بالفعل أو بالتسهيل أو بالتحريض أو بالمساعدة وبمعنى آخر، إذا علم شخص أن عملية ختان ستُجرى وسمح بها أو لم يمنعها رغم قدرته على ذلك (كولي أمر أو طبيب مثلًا)، يمكن أن يُعتبر مشاركًا في الجريمة ويُعاقَب قانونًا.
و أكدت اتنصار السعيد كذلك ينص قانون الإجراءات الجنائية المصري على ضرورة الإبلاغ عن الجرائم، وبالتالي فإن السكوت عن الإبلاغ قد يُعد مخالفة في بعض الحالات، خاصة إذا ترتب عليه ضرر للضحية وختان الإناث جريمة يعاقب عليها القانون المصري منذ عام 2008، وتم تشديد العقوبات أكثر من مرة، وآخرها بموجب القانون رقم 10 لسنة 2021.
و أضافت اتنصار السعيد المحامية ينص القانون على أن من يُجري ختانًا لأنثى يعاقب بالسجن من خمس إلى عشرين سنة، تبعًا للنتائج المترتبة على الجريمة (مثل حدوث عاهة مستديمة أو وفاة) ويعاقَب أيضًا كل من يطلب أو يشجع أو يساعد في ارتكاب الجريمة كما تُغلق المنشآت الطبية التي تُجرى فيها مثل هذه العمليات، ويُمنع الأطباء أو الممرضون المشاركون من ممارسة المهنة لفترات محددة ويمكن الإبلاغ عن أي حالة ختان إناث، سواء تم تنفيذها بالفعل أو كانت هناك نية للقيام بها. القانون المصرى يعتبر ختان الإناث جريمة، ويدعو جميع المواطنين/ات إلى الإبلاغ عن أي واقعة من هذا النوع لحماية الفتيات من الخطر.