زيت الطعام المستعمل.. «الموت من تحت البيت»
«بنشتري بواقي زيت الطعام والكيلو بـ35 جنيه» هكذا يبدأ الصياح في الأزقة وساحات سوق الجملة — صوت بائعٍ لا يهمه سوى حركة البيع وسرعة التداول.
لكن ما يبدو صفقة رابحة للمستهلك الباحث عن السعر الرخيص، هو بداية رحلة زيتٍ أنهكه التسخين مرات ومرات، جمعه تجار الظل، نُقِّيَ سطحيًا أو خُلط، ثم أعيد تعبئته في زجاجات لامعة تحمل أسماءً مُستعارة، وتُعرض على رفوف المحلات كـ«زيت جديد».
المأساة ليست اقتصادية فحسب؛ فهي صحية المواطن الذي يهرول خلف السعر يُدفع بقناع الرغبة في التوفير إلى شراء سمٍ متدرِّج .. سم يتراكم في الخلايا ويترك آثارًا قد تُظهرها سنوات لاحقة: أمراض كبديّة وقلبية، ومضاعفات صحية خطيرة يصل بعضها إلى حدود السرطان.
في تحقيقنا هذا نغوص في خبايا تجارة الزيوت المستعملة: من أين تُجمع، كيف تُعاد تدويرها، من يبيعها، وأهم سؤالٍ على الإطلاق — كيف يميِّز القارئ بين «زيت آمن» و«زيت يعود ليقتلك ببطء»؟

تحذيرات دولية من كارثة صحية بسبب إعادة تدوير زيوت الطعام
دقت منظمات دولية ومحلية ناقوس الخطر حول ممارسات إعادة تدوير زيوت الطعام المستعملة وطرحها في الأسواق على أنها منتجات جديدة، محذّرة من عواقب صحية وخيمة قد تصل إلى الإصابة بالسرطان.
ففي تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، تم التأكيد على أن إعادة استخدام زيوت القلي أو تدويرها يؤدي إلى تكوين مركبات سامة مثل الأكرولين و الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وهي مواد مصنفة علمياً كعناصر مسرطنة. وشددت المنظمة على أن استهلاك تلك الزيوت المتأكسدة يرفع بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان الكبد والمعدة والقولون.
من جانبها، حذرت أبحاث المركز القومي للبحوث في مصر من أن الزيوت المعاد تدويرها تحتوي على نسب مرتفعة من السموم الفطرية والمركبات المسرطنة، نتيجة تعرضها المتكرر للحرارة والأكسدة، مشيرة إلى أن تناولها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تلف الكبد والفشل الكلوي وأورام سرطانية.
وفي السياق نفسه، أكدت هيئة سلامة الغذاء الأوروبية (EFSA) أن إعادة استخدام الزيت في القلي أو إعادة تدويره يضاعف احتمالية تراكم الأحماض الدهنية المتأكسدة، والتي تهاجم الجهاز الهضمي مباشرة وتحفّز نمو الخلايا السرطانية.
هذه التحذيرات تأتي في وقت تتزايد فيه شكاوى مواطنين من انتشار زيوت رخيصة الثمن مجهولة المصدر في الأسواق، وسط مطالبات بتشديد الرقابة وفرض عقوبات رادعة على المتورطين في تلك التجارة التي وصفها خبراء بـ"البوابة الصامتة للسرطان".
أم محمد – ربة منزل في شبرا:
بتقول: "ببيع الزيت المستعمل للناس اللي بييجوا ينادوا في الشارع، بيدفعوا 30 أو 35 جنيه في الكيلو، وأنا بصراحة بفرح بالفلوس وأقول بدل ما أرميه أستفيد. عمر ما جه في بالي إن الزيت ده ممكن يتعاد تدويره ويتباعلي أنا نفسي في زجاجة جديدة. يعني أنا اللي بديهم بإيدي سم لولادي من غير ما أعرف."
عم حسين – صاحب مطعم فول وطعمية في إمبابة:
"الزيت عندنا لازم يتغير كل كام يوم، واللي بييجي يشتريه بياخده بعربية ويشيل براميل كاملة. إحنا كنا فاكرين إنه بيروح يتعمل منه صابون أو حاجات مالهاش علاقة بالأكل. لما عرفت إنه بيرجع يتعبّى في زجاجة ويتباع زيت أكل للناس، اتخضّيت. أنا مضطر أبيع الزيت المستعمل، لكن دي مش مسئوليتي. المسئولية على مصانع بير السلم اللي بتغش وتسمم الناس، وعلى الدولة اللي لازم توقف المهزلة دي."
محمود (شاب وسيط في تجارة الزيت المستعمل)
"أنا اسمي محمود، عندي ٢٨ سنة. شغلي إني أمشي في الشوارع عادي جدًّا وألف على المطاعم والورش وألمّ الزيت المستعمل على العلن، من غير ما أستخبى. البرميل بيتوزن بالكيلو، وأنا ببيعه لمخزن كبير في المنطقة. المكسب بالنسبة لي في الكيلو حوالي ٥ جنيه. المخزن ده بياخد مني الكمية بالعربيات ويمشي، وأنا بصراحة ماليش دعوة هو بيعملوا بيه إيه. أنا كل اللي يهمني إن دي سبوبة أكل عيش، وخلاص."

"بصراحة أنا مش هقول اسمي عشان الموضوع ده كبير وممكن يجيبلي مشاكل. أنا بشتري الزيت المستعمل من المطاعم والبيوت، وببيعه لواحد تاجر كبير. التاجر ده عنده ناس بتعيد تدوير الزيت بمواد كيميائية أنا معرفش تفاصيلها، وبعد كده يعبّوه في زجاجات بلاستيك معاد تدويرها، بس شكلها جديد ونضيفة، ويحطوا عليها اسم أو ماركة كأنها شركة معروفة.
الزيت ده بيروح لتجار الجملة في الأسواق الشعبية، والتجار دول عارفين إنه زيت معاد تدويره. ومع ذلك بيشتروا ويبيعوا للمحال الصغيرة. المحال بدورها بتعرضه للناس على إنه زيت طبيعي عادي.
أنا بقولك بصراحة: اللي بيكسب هو التاجر الكبير، واللي بيبيع في السوق، لكن أنا مجرد غلبان في الدايرة.. بشتغل عشان أكل عيش وبس."
حذَّر د. أحمد سالم، أستاذ تكنولوجيا الأغذية بكلية الزراعة، في تصريح خاص، من خطورة تداول الزيوت المغشوشة في الأسواق، مؤكدًا أنها "أخطر مما يتخيله الناس" نظرًا لتعرضها لإعادة غليان وتكرير بطرق بدائية أو بمواد كيميائية شديدة الضرر.
وأوضح سالم أن المستهلك العادي يصعب عليه التفرقة بين الزيت السليم والمغشوش، لكنه أشار إلى وجود بعض العلامات التي تكشفه:
اللون: الزيت النقي شفاف وصافٍ، بينما المغشوش معكّر أو داكن.
الرائحة: الطبيعي بلا رائحة نفاذة، أما المغشوش فله رائحة زنخة أو محروقة.
الملمس: النقي خفيف، والمغشوش أثقل ولزج.
الرغوة: أثناء القلي، المغشوش يُنتج رغوة كثيفة ويسود بسرعة.
السعر: الانخفاض الكبير في السعر مقارنة بالماركات المعروفة مؤشر واضح على الغش.
وأضاف أن "المخاطر لا تتوقف عند الطعم فقط، بل تمتد لتصيب الكبد والكلى والجهاز المناعي"، مشددًا على ضرورة شراء الزيوت من مصادر موثوقة مثل السوبر ماركت الكبرى أو العلامات التجارية ذات السمعة، والابتعاد عن المنتجات المجهولة في الأسواق الشعبية.
حذَّر د. هاني شوقي، استشاري أمراض الكبد والجهاز الهضمي، في تصريح خاص، من خطورة إعادة تدوير الزيوت المستعملة وطرحها في الأسواق كزيت طعام، واصفًا الأمر بأنه "جريمة في حق الصحة العامة".

وأوضح شوقي أن الزيوت المستعملة بعد إعادة غليها أو إضافة مواد كيميائية إليها تتحول إلى مركبات سامة تهدد حياة المستهلكين، مشيرًا إلى أن أخطر الأمراض التي يسببها الزيت المغشوش تشمل:
الكبد: تراكم الدهون والالتهابات التي قد تصل إلى التليف.
الكلى: أضرار متراكمة نتيجة المواد الكيميائية الضارة.
الجهاز الهضمي: التهابات مزمنة وإسهال وتقرحات.
المناعة: تدمير الخلايا المناعية وزيادة عرضة الجسم للأمراض.
السرطان: بسبب مركبات مسرطنة تتكون من إعادة التسخين المتكرر.
وأكد أن خطورة الزيت المغشوش قد لا تظهر في الطعم عند الاستخدام الأول، لكن تأثيره يظهر مع الاستهلاك المتكرر على المدى الطويل، موجّهًا نصيحة واضحة للمواطنين: "ابتعدوا تمامًا عن شراء أي زيوت مجهولة المصدر، حتى لو كانت أرخص، لأن الصحة لا تُعوّض."
تصريح خاص – خبير أورام يحذّر من الزيوت المعاد تدويرها
حذَّر د. خالد عبد الرحمن، أستاذ الأورام بالمعهد القومي للسرطان – جامعة القاهرة، في تصريح خاص، من المخاطر الكارثية لاستهلاك الزيوت المعاد تدويرها، مؤكدًا أنها "تشكل بيئة خصبة لتكوّن مركبات مسرطنة داخل الجسم".
وأوضح عبد الرحمن أن إعادة غلي الزيوت المستعملة أو خلطها بمواد كيميائية غير آمنة يؤدي إلى تكوين مواد مثل الأكرولين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وهي مركبات مصنَّفة عالميًا كمواد مسرطنة. وأضاف:
"هذه المركبات ترتبط مباشرة بزيادة معدلات الإصابة بسرطان الكبد، القولون، والمعدة، ومع الاستهلاك الطويل ترفع من احتمالية ظهور أورام سرطانية بنسبة مقلقة."
وأكد الدكتور أن الزيت المعاد تدويره لا يمكن اعتباره صالحًا للاستخدام الآدمي بأي شكل، مشددًا على ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق الشعبية التي تنتشر فيها هذه المنتجات.
وختم تصريحه قائلًا: "التوفير في سعر زجاجة زيت قد يكلّف المريض سنوات من العلاج القاسي ضد السرطان، لذلك الصحة أغلى من أي توفير وهمي."
أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن الدولة لن تتهاون مطلقًا مع أي محاولات لغش الزيوت الغذائية أو إعادة تدويرها بشكل يهدد صحة المصريين.
وقال عبد الغفارفي تصريحات صحفية انه "في إطار حرص الدولة على صحة وسلامة المواطنين، تهيب وزارة الصحة والسكان جموع المواطنين بعدم شراء أو تداول الزيوت مجهولة المصدر، خاصةً تلك التي يتم إعادة تدويرها وطرحها في بعض الأسواق الشعبية على أنها زيوت صالحة للاستهلاك الآدمي، بينما في الحقيقة هي تمثل قنبلة موقوتة تهدد صحة كل أسرة مصرية."
وأوضح المتحدث باسم الصحة أن إعادة تدوير الزيوت المستعملة بطرق بدائية أو باستخدام مواد كيميائية ضارة يؤدي إلى تكوّن مركبات سامة ومسرطنة، تشكّل خطرًا بالغًا على الصحة العامة، مشيرًا إلى أن الدراسات العلمية أثبتت أن هذه الزيوت ترتبط بشكل مباشر بزيادة معدلات الإصابة بأمراض الكبد المزمنة، الفشل الكلوي، ضعف المناعة، فضلًا عن أنواع مختلفة من الأورام السرطانية.
وشدّد عبد الغفار على أن حملات التفتيش والرقابة تتم بصفة مستمرة بالتعاون مع وزارة التموين والأجهزة الرقابية المعنية، لضبط المخازن غير المرخصة ومصانع "بير السلم" التي تعيد تعبئة هذه الزيوت وتطرحها في الأسواق، مؤكدًا أنه يتم اتخاذ جميع الإجراءات القانونية الرادعة ضد المخالفين حفاظًا على سلامة المجتمع.
وأضاف المتحدث الرسمي لوزارة الصحة: "نناشد المواطنين بضرورة شراء الزيوت من المنافذ المعتمدة والسلاسل التجارية الكبرى فقط، وعدم الانسياق وراء المنتجات المجهولة أو رخيصة الثمن بصورة مبالغ فيها، والإبلاغ الفوري عن أي مخالفات عبر الخط الساخن ١٠٥ أو من خلال مكاتب الشكاوى الصحية في المحافظات."
واختتم عبد الغفار تصريحه بالتأكيد على أن سلامة الغذاء ركيزة أساسية للصحة العامة، وأن الدولة المصرية بكامل أجهزتها لن تتهاون أو تسمح لأحد بالتلاعب في قوت الشعب أو المتاجرة بصحة المصريين.
أكد المحامي عربي شحاتة، المتخصص في القضايا الاقتصادية وقضايا الغش التجاري، أن مسألة إعادة تدوير الزيوت المستعملة وبيعها على أنها صالحة للاستهلاك الآدمي تُعد جريمة مكتملة الأركان في نظر القانون المصري، بل وتندرج تحت طائلة القوانين المتعلقة بسلامة الغذاء والغش التجاري وحماية المستهلك.
وقال شحاتة في تصريح خاص ل"إيجبتك " "القانون المصري لم يترك ثغرة يمكن أن يستغلها المخالفون في مثل هذه الجرائم، بل وضع نصوصًا صارمة لحماية صحة المواطن، تبدأ من قانون قمع الغش والتدليس رقم 48 لسنة 1941 وتعديلاته، مرورًا بقانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، وصولًا إلى قانون سلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2017."
قانون قمع الغش والتدليس رقم 48 لسنة 1941 وتعديلاته
أوضح المحامي أن هذا القانون ينص على أن كل من غش أو شرع في غش سلعة غذائية معدّة للبيع، سواء بتغيير طبيعتها أو بإضافة مواد ضارة أو بإعادة تدويرها بطرق غير مشروعة، يعاقب بالحبس مدة تصل إلى سبع سنوات، وغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تجاوز 30 ألف جنيه أو ما يعادل قيمة السلعة محل الجريمة إذا زادت.
وأضاف: "الأمر لا يتوقف عند ذلك، فإذا ترتب على استهلاك هذه الزيوت المغشوشة أضرار جسيمة أو حالات تسمم أو أمراض مزمنة للمستهلكين، فالعقوبة تُشدد لتصل إلى السجن المشدد، لأنها جريمة تهدد حياة الإنسان مباشرة."
قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018
وأشار شحاتة إلى أن هذا القانون جاء ليغلق الباب أمام أي محاولات للغش أو تضليل المستهلك، حيث نص صراحةً على حظر تداول أو بيع أو حيازة أي سلع مغشوشة أو مجهولة المصدر.
وقال: "المادة (73) من القانون تعاقب المخالفين بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة تصل إلى 2 مليون جنيه أو ما يعادل قيمة السلع المضبوطة، أيهما أكبر. وهذا يعني أن القانون يضع عبئًا ماليًا ضخمًا على من يغامر بصحة الناس."
قانون سلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2017
وتابع المحامي: "هذا القانون ألزم جميع المنتجين والمصنعين والتجار بالحصول على ترخيص من الهيئة القومية لسلامة الغذاء. وأي نشاط يتم خارج هذا الإطار، سواء مصانع بير السلم أو مخازن غير مرخصة، يُعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. والهيئة لها سلطة إغلاق المنشأة فورًا، وسحب المنتجات المغشوشة من الأسواق، وإحالة المخالفين للنيابة العامة."
وشدد المحامي عربي شحاتة على أن جريمة إعادة تدوير الزيوت لا تُعتبر جنحة بسيطة، بل قد تُصنَّف كـ جناية، لأنها تتعلق بصحة وسلامة الإنسان بشكل مباشر، وتشمل شبهة التسبب في أذى جسيم قد يصل إلى الوفاة. وقال: "القضاء المصري ينظر لهذه القضايا ببالغ الخطورة، خاصةً إذا ثبت وجود علاقة بين الزيت المغشوش وإصابة المستهلكين بأمراض خطيرة مثل الفشل الكبدي أو الكلوي أو الأورام السرطانية."
رسالة إلى المواطنين
واختتم المحامي عربي شحاتة تصريحه قائلًا: "القوانين وحدها لا تكفي، والمسؤولية مشتركة. على المواطنين أن يكونوا أكثر وعيًا، وألا ينجرفوا وراء إغراء السعر الرخيص. فالزيت الذي يباع في الأسواق الشعبية بنصف الثمن ليس صفقة رابحة، بل قنبلة موقوتة تهدد صحة الأسرة بأكملها. القانون سيلاحق المخالفين، لكن وعي المستهلك هو خط الدفاع الأول عن صحته وصحة أسرته."
حماية المستهلك تؤكد استمرار مواجهة زيوت الطعام المغشوشة.. وصحة المواطن خط أحمر
أصدر جهاز حماية المستهلك، برئاسة الدكتور إبراهيم السجيني، بيانًا رسميًا أكد فيه أن مواجهة ظاهرة إعادة تدوير الزيوت المستعملة وبيعها داخل الأسواق الشعبية تُعد أولوية قصوى للجهاز خلال المرحلة الحالية، مشددًا على أن صحة وسلامة المواطن المصري خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.
وأوضح رئيس الجهاز في البيان أن ملف الزيوت المغشوشة يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والصحي، حيث لا يقتصر الأمر على الغش التجاري فقط، بل يمتد إلى التسبب في أمراض خطيرة قد تصل إلى الإصابة بالسرطان.

القانون يواجه المخالفين بحزم
وأشار السجيني إلى أن قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 وضع عقوبات رادعة ضد المتورطين في مثل هذه الجرائم، تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامات تصل إلى مليوني جنيه أو ما يعادل قيمة السلع المضبوطة، بما يعكس جدية الدولة في حماية صحة المواطنين.
حملات رقابية مستمرة
وأكد البيان أن الجهاز ينفذ بشكل يومي، بالتعاون مع وزارتي الصحة والتموين والأجهزة الأمنية، حملات رقابية تستهدف ضبط المنتجات الغذائية المغشوشة. وأوضح السجيني أن الحملات الأخيرة تمكنت من ضبط عدد من مصانع بير السلم التي تقوم بجمع الزيوت المستعملة من المطاعم، وإعادة تدويرها بطرق غير صحية، ثم تعبئتها في عبوات وإعادة طرحها في الأسواق الشعبية.
تحذير للمستهلكين
كما ناشد السجيني المواطنين بعدم الانسياق وراء الأسعار المنخفضة، قائلاً: "الزيت الذي يُباع بنصف ثمنه الطبيعي ليس مكسبًا، بل خطر على صحتك وصحة أسرتك. نؤكد على أهمية الشراء من المنافذ الرسمية والسلاسل التجارية الموثوقة."
قنوات التواصل مع الجهاز
واختتم البيان بالتأكيد على أن جهاز حماية المستهلك يضع نفسه دائمًا في خدمة المواطن، داعيًا إلى تقديم الشكاوى أو البلاغات عبر الخط الساخن 19588 أو تطبيق "حماية المستهلك" على الهواتف المحمولة، مشددًا: "لن نتهاون مع أي مخالف، وصحة المواطن المصري ستظل دائمًا خطًا أحمر."
الشيخ أحمد وسام: بيع الزيوت المغشوشة «حرام شرعًا» وغش صريح للناس
في تصريح خاص لـ«إيچبتك»، أكد الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن إعادة تدوير زيوت الطعام المستعملة وبيعها للمواطنين على أنها صالحة للاستهلاك الآدمي يُعد غشًا صريحًا محرّمًا شرعًا، ويدخل في دائرة الكبائر التي نهى عنها الدين الإسلامي.
وقال الشيخ أحمد وسام: "الغش في أي صورة من الصور محرم تحريمًا قاطعًا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن غَشَّ فليس منا» (رواه مسلم)، وهذا الحديث الشريف لا يحتمل تأويلاً آخر، فهو يبيّن أن الغشاش يخرج عن هدي الأمة، لأنه يضر بالناس ويعرض حياتهم للخطر."
إضرار بالصحة وأكل للحرام
وأضاف: "بيع الزيوت المعاد تدويرها لا يقتصر على الغش التجاري، بل يتعداه إلى تعريض الناس للأذى والأمراض، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. فكيف بمن يبيع سمًا للناس على أنه طعام؟"
حرمة أكل أموال الناس بالباطل
وأشار أمين الفتوى بدار الإفتاء إلى أن هذه الممارسات تدخل أيضًا في باب أكل أموال الناس بالباطل، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].
المسؤولية الشرعية للمخالفين
وأوضح الشيخ أحمد وسام أن من يتاجر بالزيوت المغشوشة لا يكتفي بجريمة الغش فقط، وإنما يحمل وزر كل مريض أو متضرر بسبب ما يبيعه من منتجات ضارة، لافتًا إلى الحديث النبوي الشريف: "لا ضرر ولا ضرار" (رواه ابن ماجه).
مناشدة وتحذير
واختتم أمين الفتوى بتحذير شديد اللهجة "من يتورط في مثل هذا الغش آثم شرعًا، وسيحاسبه الله على أرواح الناس وأموالهم. ونوصي المستهلكين بعدم شراء أي منتجات مجهولة أو رخيصة بصورة مريبة، كما نؤكد أن دور الدولة في الرقابة هو واجب شرعي قبل أن يكون قانونيًا، لحماية صحة المواطنين."
في النهاية
ملف الزيوت المعاد تدويرها يكشف عن واحدة من أخطر دوائر الغش التي تهدد صحة ملايين المواطنين. فبين تجار يبحثون عن الربح السريع، ومستهلكين يقعون ضحايا إغراء السعر الزهيد، تبقى الحقيقة واضحة لا مجال للتهاون مع هذه الجرائم.
الدولة تواصل حملات التفتيش والملاحقة، لكن يظل وعي المواطن هو السلاح الأقوى لحماية أسرته. فالصحة لا تُقدَّر بثمن، وأي تهاون في الغذاء يعني مغامرة بمستقبل جيل كامل.