«إسطبل عنتر».. معبد منحوت في قلب الصخر يحرس أسرار آلاف السنين بالمنيا
تختبئ أسطورة تهمس لكل زائر عن مجدٍ غابر، ومعتقدٍ ظل شاهدًا على عبقرية المصري القديم، بين صخورٍ صامتة تتكئ على ضفاف النيل الشرقي بمحافظة المنيا، هناك في عمق الجبل، يقف "إسطبل عنتر" معبد منحوت في الصخر، تتداخل فيه الأسطورة بالتاريخ، وتغلفه هالة من الغموض الذي يجذب كل عاشقٍ للحضارة القديمة.
موقع فريد بين الجبل والنيل
يقع إسطبل عنتر الأثري جنوب منطقة مقابر بني حسن الشروق بنحو 3 كيلومترات، في مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا، ويُعد واحدًا من أبرز المناطق الأثرية المنحوتة في الصخر بصعيد مصر، وتضم المنطقة آثارًا تمتد عبر العصور المصرية القديمة، من الدولة القديمة والوسطى والحديثة، وصولًا إلى العصرين اليوناني والروماني، ما يجعلها سجلًا حيًا لتطور العمارة والنقوش الدينية في مصر القديمة.
معبد المعبودة "باخت" أيقونة الجبل المقدس
يُعد أبرز معالم المنطقة معبد المعبودة باخت ، الإلهة التي اتخذت شكل القطة البرية وجُسدت كرمز للحماية في المعتقد المصري القديم، المعبد نُحت في الصخر في عهد الملكة حتشبسوت والملك تحتمس الثالث، بين عامي 1551 و1447 قبل الميلاد، ويتألف من بهو كان يرتكز على صفين من الأعمدة، لم يتبقَّ منها سوى ثلاثة فقط، تتقدمها حجرة داخلية تبلغ مساحتها نحو 21 قدمًا مربعًا، تزين جدرانها نقوش تُظهر الملك متعبدًا للإلهة باخت والإله آمون.
كما كشفت النقوش عن أعمال ترميم قامت بها حتشبسوت بعد الدمار الذي لحق بالمعبد خلال فترة حكم الهكسوس، في مشهد يوثق شغف المصريين بإعادة البناء والخلود.
سر التسمية بين الأسطورة والحكاية الشعبية
رغم أن الاسم الرسمي للمنطقة أثريًّا هو "معبد باخت"، فإن شهرتها الشعبية باسم "إسطبل عنتر" ما زالت تثير الدهشة، ويروي الأهالي أن الفارس العربي الشهير عنترة بن شداد مرَّ بالمكان وأقام به إسطبلًا لخيوله، فأطلق السكان اسمه عليه تخليدًا للأسطورة.
لكن الدراسات التاريخية لم تجد دليلًا ماديًا على مرور عنترة بالموقع، فيما يرى علماء الآثار أن الاسم يعكس تداخل الموروث الشعبي مع ذاكرة المكان، ليمنحه طابعًا فريدًا يجمع بين الحضارة والأسطورة.
من معبد إلى كنيسة
لم يكن إسطبل عنتر معبدًا فرعونيًا فقط، بل تحوّل في العصور اللاحقة إلى مركز ديني متنوع، فقد كشفت الحفائر عن بقايا كنيسة قبطية شُيّدت في العصر المسيحي المبكر، بجوار المعبد، ما يعكس استمرار النشاط الديني في المنطقة على مر القرون، كما تحتوي المنطقة على جبانة القطط المقدسة، وهي مقابر لدفن القطط بعد تحنيطها تكريمًا للمعبودة باخت، في مشهد نادر يجسد تقديس الحيوان في العقيدة المصرية القديمة.
بينما خلال السنوات الأخيرة، واصلت البعثة الأمريكية التابعة لجامعة ديبول أعمال التنقيب في المنطقة، كاشفة عن بقايا معمارية ومقابر من عصور متعددة، إلى جانب دراسة أنماط الاستيطان في فترة الاضطهاد الروماني.
كما تُجرى أعمال صيانة وترميم للمعبد والمقابر المحيطة، بهدف حماية النقوش من عوامل التعرية، غير أن الموقع ما زال يواجه تحديات عديدة، أبرزها ضعف الحراسة، وانتشار الحفر العشوائي، وتأثير التغيرات البيئية على جدرانه القديمة.


