رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حين يتحول الوجع إلى قوة.. حكايات نساء واجهن سرطان الثدي بشجاعة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في أكتوبر من كل عام، يكتسي العالم باللون الوردي ليعلن تضامنه مع السيدات في معركتهن ضد سرطان الثدي، وهو أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين النساء عالميًا. وبين آلاف القصص التي تُروى في هذا الشهر، تبرز "الحدوتة المصرية".. حكايات صمود وأمل لنساء تحدين المرض، وواجهن الخوف والمجتمع، ليبدأن رحلة شفاء ملهمة، بدعم من الدولة والمجتمع الطبي ومبادرات الصحة الوطنية.

رحلة إيناس.. الأمل أقوى من الألم

إيناس، شابة لم تتجاوز الـ28 عامًا، اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي عندما كانت في الخامسة والعشرين. تروي قصتها قائلة: "لاحظت كُلكيعة صغيرة تحت الإبط، فذهبت للطبيب وأخبرني بوجود ورم. توجهت بعدها إلى المبادرة الرئاسية لصحة المرأة، وأجريت الفحوصات اللازمة، وتم عرضي على اللجنة الطبية، ثم خضعت لعمليتين جراحيتين، تلاهما العلاج الكيماوي."

لم تكن رحلة إيناس سهلة، فقد عانت من سقوط الشعر وتغيُّر ملامحها، لكنها تمسكت بالأمل. تضيف بابتسامة يغلبها الإصرار: "كنت أذهب لعملي بعد كل جلسة علاج، لأن الحياة يجب أن تستمر. كان حظي جيدًا لأني اكتشفت المرض مبكرًا، وهذا ما ساعدني على القضاء عليه."

وتوجّه إيناس نصيحتها لكل سيدة: "لا تسمعي كلام أحد، فكل حالة تختلف عن الأخرى، والأهم أن تكشفي مبكرًا.. الكشف هو الأمان."

 

مروة.. معركة بدأت في السادسة عشرة

مروة إبراهيم الجزار، قصة أخرى تُظهر أن سرطان الثدي لا يفرّق بين الأعمار. اكتشفت إصابتها وهي في السادسة عشرة، رغم عدم وجود تاريخ وراثي في عائلتها. خضعت لعدة عمليات جراحية، واستطاعت تجاوز المحنة الأولى، لكنها بعد سنوات واجهت المرض مجددًا بعد الزواج والإنجاب.

تقول مروة بصوت مفعم بالإصرار: "جريت جراحة لاستئصال الثدي الأيمن، والآن أستعد لاستئصال الأيسر. العلاج مؤلم، لكنه لا يكسر الإرادة. كل يوم أحاول أن أعيش من أجل ابني، حتى لو كان الألم جزءًا من يومي."

وجوه شابة في مواجهة المرض.. ظاهرة سرطان العشرينات

لم تعد الإصابة بسرطان الثدي مقتصرة على السيدات فوق الأربعين. فاليوم، هناك فتيات في العشرينات يخضن معركة البقاء، مثل ميادة عصام (20 عامًا)، وفاطمة إبراهيم (25 عامًا)، وعبير طارق (22 عامًا).

تروي ميادة قصتها والدموع في عينيها: "تزوجت قريبًا، والأطباء أخبروني أن العلاج سيحرمني من الأمومة، لكني ما زلتُ أملك الأمل."

أما فاطمة، فتقول: "زوجي تركني بعد أن علم بمرضي، وبقيت أواجه المرض وحدي مع طفلين، لكن ربنا كبير."

وما بين دموع ميادة ووحدة فاطمة، تظل عبير المخطوبة تخشى أن يخذلها القدر أو يخاف خطيبها من المستقبل. قصص الفتيات الثلاث تجسد ظاهرة مقلقة في المجتمع المصري: انخفاض سن الإصابة بسرطان الثدي.

 

أرقام تكشف الحقيقة.. الكشف المبكر حجر الزاوية

بحسب الدكتورة سارة زيتون، استشاري جراحات أورام الثدي، فإن سرطان الثدي يمثل 35% من إجمالي السرطانات المكتشفة في مصر، ويحتل المرتبة الأولى في وفيات السيدات. وتوضح:

"الاكتشاف المبكر هو حجر الأساس في العلاج، لأنه يرفع نسب الشفاء إلى 98%. كلما كان التشخيص مبكرًا، كانت فرص الشفاء دون استئصال أو علاج كيماوي أكبر."

وتضيف زيتون أن العلاج الكيماوي أو الهرموني قد يؤثر على الإنجاب، لذلك أصبح تجميد البويضات أو الأجنة خطوة ضرورية قبل بدء العلاج للفتيات الشابات، للحفاظ على فرص الأمومة بعد الشفاء.

المبادرات الرئاسية.. إنقاذ وتمكين

بفضل المبادرة الرئاسية لصحة المرأة، تم إنقاذ آلاف السيدات من مراحل متقدمة للمرض. تؤكد د. سارة أن المبادرة أسهمت في "زيادة معدلات الاكتشاف المبكر وتوفير العلاج الموجه مجانًا"، موضحة أن تكلفة هذا النوع من العلاج قد تصل إلى نصف مليون جنيه للحالة الواحدة، ما يعكس حجم الدعم الذي تقدمه الدولة.

وفي هذا الإطار، أطلقت الهيئة العامة للرعاية الصحية هذا العام حملة "حكاية وردي" بجميع محافظات منظومة التأمين الصحي الشامل، تزامنًا مع شهر التوعية العالمي.

الحملة تضمنت لقاءات توعوية، جلسات دعم نفسي، وعروضًا ملهمة لمتعافيات، واستهدفت دعم أكثر من 300 سيدة في الإسماعيلية وبورسعيد وأسوان، بالتعاون مع المعهد القومي للأورام وشركة نوفارتس.

وأكد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، أن الحملة تعكس فلسفة الدولة في بناء الإنسان، مضيفًا الوقاية والاكتشاف المبكر هما حجر الأساس لأي نظام صحي متكامل. الاستثمار في صحة المرأة هو استثمار في مستقبل المجتمع، لافتا إلى أن الحملة لم تقتصر على الجانب الطبي، بل شملت الدعم النفسي والاجتماعي، وهو ما يعد ركنًا أساسيًا في رحلة التعافي.

الأسباب الخفية.. تحذيرات من الخبراء

تكشف الدكتورة راشا كمال، أستاذ الأورام بجامعة القاهرة، أن "ثلث المصابات بسرطان الثدي في مصر من الفتيات في العشرينات"، مؤكدة أن العيادات أصبحت تمتلئ بشابات لم يتجاوزن الثلاثين. وتوضح:

في العالم، معظم الحالات تكون فوق الخمسين، لكن في مصر هناك انخفاض واضح في متوسط عمر الإصابة، بسبب العوامل الوراثية والبيئية. الكشف المبكر بالماموجرام هو أفضل وسيلة للوقاية، ولكن يجب ألا يُجرى للفتيات تحت الأربعين إلا عند وجود تاريخ عائلي."

زواج الأقارب والتلوث الغذائي

من جهته، يوضح الدكتور وليد عبد المنعم، أستاذ الأورام بجامعة عين شمس، أن العامل الوراثي يلعب دورًا أساسيًا في الإصابة المبكرة، قائلًا:

"11% من الحالات في العالم سببها العامل الوراثي، لكن في مصر النسبة تصل إلى 20% بسبب زواج الأقارب."

ويضيف: "التلوث الغذائي وغياب الرقابة على الأطعمة والدواجن المحقونة بالهرمونات عوامل تزيد من معدلات الإصابة، فواحدة من كل ثماني سيدات في مصر معرضة للإصابة بسرطان الثدي."

تأخر الزواج وحبوب منع الحمل.. خطر صامت

ويشير الدكتور عمرو الشلقاني، أستاذ النساء والتوليد والأورام النسائية بجامعة عين شمس، إلى أن تأخر سن الزواج وانخفاض معدلات الرضاعة الطبيعية من العوامل المؤثرة في زيادة معدلات الإصابة، موضحًا أن الحمل والرضاعة يساعدان على تقليل مستوى الهرمونات الأنثوية التي قد تحفز نمو خلايا الثدي غير الطبيعية، محذرا من الإفراط في تناول اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان، واستخدام حبوب منع الحمل لفترات طويلة، مؤكدًا أنها قد تُعجل بظهور المرض لدى السيدات الأكثر عرضة وراثيًا.

رسالة أمل للمستقبل

ورغم قسوة الأرقام وصعوبة التجارب، تبقى قصص المحاربات المصريات مليئة بالأمل والعزيمة. تقول إيناس، وهي تمسك شعرها الذي بدأ بالنمو مجددًا بعد العلاج: "سرطان الثدي ليس نهاية الحياة.. هو بداية جديدة، لو واجهناه بشجاعة."

وفي ظل الجهود الطبية والمجتمعية المتزايدة، تبقى التوعية والاكتشاف المبكر هما السلاح الأقوى في "الحدوتة المصرية" لمحاربة سرطان الثدي.. حدوتة عنوانها الأمل، وبطلاتها نساء قهرن المرض وانتصرن للحياة.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء