رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الهواء المسموم.. مصانع «الظل» التي تخنق القرى

مصانع الموت
مصانع الموت

في عمق الريف المصري، حيث تتلاصق البيوت وتضيق الأزقة، يعلو دخان أسود كثيف يخنق الأنفاس ويغلف السماء برائحة الحرق، خلف الجدران الصامتة تعمل ورش ومصانع بلاستيكية صغيرة، بعضها في غرف منازل، وأخرى في عشش مؤقتة، تُعيد تدوير المخلفات في الخفاء، بلا تراخيص، بلا رقابة، وبكثير من التجاوزات، تنبعث منها أبخرة خانقة وغازات سامة تحوّل ليل القرى إلى كابوسٍ يومي، وتترك خلفها صدورًا مريضة وجلودًا محترقة، وأطفالًا يتنفسون الموت مع كل شهيق، وما كان يُفترض أن يكون صناعة "صديقة للبيئة" صار مصدرًا لتدميرها، فمصانع التدوير التي تُرفع لافتاتها باسم الاستدامة، تحوّلت في الواقع إلى "قنابل موقوتة" تفتك بالهواء والماء والتربة معًا، ورغم الشكاوى المتكررة والبلاغات المتواصلة، يظل الدخان يتصاعد كل ليلة، وكأن أحدًا لا يريد أن يرى. فمن يحمي هذه المصانع.. وكيف تحوّلت "إعادة التدوير" من حلٍّ بيئي إلى كارثةٍ صحية تقتل بصمت.

أرقام صادمة عن مصانع البلاستيك العشوائية

كشفت وزارة البيئة المصرية في تقريرها السنوي الصادر في مارس 2025 عن تجاوز عدد منشآت تدوير المخلفات غير المرخصة في مصر حاجز 3,200 منشأة، من بينها أكثر من 1,200 ورشة لتدوير البلاستيك تعمل داخل مناطق سكنية، مما يمثل خطرًا بيئيًا وصحيًا جسيمًا على المواطنين.

وفقًا لبيانات جهاز تنظيم إدارة المخلفات، فإن أكثر من 60% من مصانع تدوير البلاستيك في مصر تعمل دون تراخيص بيئية أو اشتراطات سلامة مهنية، وتتركز أغلبها في محافظات: الشرقية، القليوبية، الجيزة، الغربية، المنوفية، والدقهلية.

وأشار تقرير مركز البحوث البرلمانية بمجلس النواب (يونيو 2025) إلى أن التلوث الناتج عن هذه الورش تسبب في ارتفاع نسب أمراض الجهاز التنفسي بنسبة 28% بين السكان المقيمين في نطاق كيلومترين فقط من تلك المصانع، محذرًا من تفاقم الظاهرة في ظل غياب الرقابة البيئية الصارمة.

كما أظهر تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (CAPMAS) أن مصر تنتج أكثر من 6.3 مليون طن من المخلفات البلاستيكية سنويًا، بينما لا يُعاد تدوير سوى 20% منها فقط بشكل رسمي، في حين يُعاد تدوير النسبة الأكبر في مصانع وورش غير مرخصة، تفتقر إلى أبسط معايير الأمان الصناعي.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية – مكتب القاهرة (تقرير أبريل 2025) من أن التعرض المستمر لانبعاثات حرق البلاستيك في بيئة مغلقة يزيد من احتمالية الإصابة بالسرطان بنسبة تصل إلى 35%، لافتة إلى أن المناطق المحيطة بمصانع التدوير العشوائية أصبحت من بين أكثر المناطق تلوثًا في مصر.

الأثر الصحي على السكان

كشفت وزارة الصحة والسكان المصرية في تقريرها عن قطاع الطب الوقائي (مايو 2025) عن أرقام صادمة:

نسبة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي في المناطق القريبة من مصانع تدوير المخلفات ارتفعت إلى 32% مقارنة بـ 19% في المناطق البعيدة عن مصادر التلوث.

نسبة الأطفال المصابين بالحساسية الصدرية بلغت 27%، مقابل 12% فقط في المناطق الأخرى.

حالات التسمم المزمن الناتجة عن الأبخرة والغازات السامة تجاوزت 8,000 حالة سنويًا.

محافظات القليوبية، الشرقية، والمنوفية سجلت أعلى معدلات إصابة بين العمال، حيث يعاني نحو 45% من العمال من أمراض تنفسية مزمنة أو حساسية جلدية.

الوفيات الناتجة عن أمراض الرئة المزمنة وسرطان الجهاز التنفسي بلغت نحو 1,200 حالة سنويًا.

 

ضحايا من قلب النيران

أشرف سيد 42 سنة، عامل بمصنع تدوير بلاستيك في شبرا الخيمة، يقول: “بدأت الشغل هنا من 15 سنة.. كنت فاكرها لقمة عيش، لكن طلعت لعنة”، مضيفًا: “النهاردة عندي تليف في الرئة والدكتور قال لي إن السبب استنشاق الأدخنة اللي بتطلع من صهر البلاستيك، نفسي أخد نفسي طبيعي يوم واحد بس، لكن أعمل إيه؟ لو سبت الشغل، أولادي ياكلوا منين؟"

 

عبد المقصود عبد العال 35 سنة، عامل تدوير في قرية كفر هلال، قال “كنت بشوف الناس بتموت بالسرطان، بس ما كنتش أتخيل إنه هيجي عليا الدور، اشتغلت في المصنع ده 10 سنين، وكل يوم كنت برجع صدري بيوجعني، دلوقتي باخد علاج دائم من المستشفى، الحقيقة إحنا بنعيش جوه المدخنة نفسها”.

مصطفى جمعة 28 سنة، عامل نقل مخلفات في عزبة النخل بالقاهرة، يقول: “أنا بشتغل على عربية صغيرة بنقل مخلفات البلاستيك من الورش كل يوم هدومي بتغرق في التراب والبودرة أنفي دايمًا مسدودة وصدري بيصفّر وأنا نايم، المستشفى قالولي لازم أبعد عن الشغل ده، بس مين هيديني شغل تاني؟”

عادل حلمي 50 سنة، مشرف خط إنتاج تدوير في القليوبية، قال: “اشتغلت في المجال من وأنا عندي 20 سنة، دلوقتي ما بقدرش أطلع سلالم المصنع بسبب الكحة وضيق التنفس، التحاليل أثبتت إن عندي انسداد رئوي مزمن، ومفيش تأمين، ولا علاج على نفقة الدولة، ولا حتى صاحب المصنع سأل عليّ”.

صرخات الأهالي

في قرية صغيرة تابعة لمركز أبو النمرس بمحافظة الجيزة، قالت أم محمود “الدخان ده مش مخلينا نعرف نفتح الشباك.. ريحة البلاستيك المحروق بتخنقنا كل يوم، والأطفال هما الأكثر تضررًا”.

وفي قرية "ميت تمامة" بمحافظة الدقهلية، أكد الأهالي إصابة أكثر من عشرة أطفال بحساسية تنفسية متكررة بسبب مصنع مخالف بجوار مدرسة ابتدائية، ورغم تحرير محضر رسمي ضد صاحب المصنع، إلا أن النشاط ما زال مستمرًا.

وفي حي المرج بالقاهرة، قالت سلمى عبد الحميد "أولادي كل شوية يشتكوا من ضيق النفس وحساسية صدرية، حتى أنا بعاني من صداع دائم، المستشفى قالوا لنا إن السبب التلوث اللي في المنطقة".

الإجراءات الرسمية

وزارة البيئة المصرية أكدت في بيان رسمي متابعة مصانع تدوير المخلفات غير المرخصة، خصوصًا ورش البلاستيك داخل الأحياء السكنية، ووجود خطة عاجلة لإغلاق المنشآت المخالفة ومحاسبة المسؤولين عنها، ووفقًا للتقارير الرسمية:

أكثر من 3,200 منشأة لتدوير المخلفات البلاستيكية، منها حوالي 1,200 ورشة تعمل وسط المناطق السكنية، وتكثيف الحملات التفتيشية بالتعاون مع المحافظات والأجهزة الرقابية.

الهيئة القومية لتنظيم إدارة المخلفات قالت "يتم تصنيف المخلفات البلاستيكية ونفرض تراخيص إلزامية لكل مصانع التدوير، مع عقوبات صارمة تشمل الغرامات المالية وإغلاق المنشآت المخالفة."

وزارة التنمية المحلية أصدرت بيانًا رسميًا:

تنفيذ أكثر من 520 حملة تفتيشية منذ بداية العام، أسفرت عن إغلاق 365 منشأة مخالفة، منها نحو 220 ورشة بلاستيك وسط السكان، وتحرير محاضر ضد 410 مسؤولين وتحويلهم للنيابة، وفرض غرامات تجاوزت 7 ملايين جنيه على المخالفين، وأكدت الوزارة استمرار الحملات التفتيشية اليومية مع تكثيف الرقابة لضمان سلامة البيئة وصحة المواطنين.

تحذيرات الأطباء

د. محمد عبد السلام، استشاري أمراض الصدر يقول: “الدخان الصادر من مصانع البلاستيك العشوائية تحتوي على مواد كيميائية سامة تسبب التهابات مزمنة في الشعب الهوائية وزيادة احتمالات الإصابة بالربو التحسسي”.

د. مصطفى محمد حبيشي، استشاري طب الأطفال يقول: “الأطفال الذين يعيشون قرب هذه المصانع يعانون من نوبات كحة وحساسية صدرية مزمنة، وأحيانًا يحتاجون إلى أدوية موسعة للشعب الهوائية بشكل دائم، هذه الظروف تؤثر على نموهم البدني وقدرتهم على التعلم بسبب قلة النوم والتعب المزمن”.

مشروعات وآفاق مستقبلية

ترأست الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائمة بأعمال وزير البيئة، الاجتماع الثاني للجنة تسيير أعمال مشروع دعم تعزيز ممارسات الاقتصاد الدائري في سلسلة قيمة البلاستيك أحادي الاستخدام، الممول بمنحة من حكومة اليابان وبالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO).

وشددت على دعم انتقال مصر إلى أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة للبلاستيك، وإدخال ممارسات الاقتصاد الدائري في الصناعات لتقليل كمية المخلفات البلاستيكية، بما يتوافق مع رؤية الدولة 2030.

المشروع يشمل ثلاثة محاور رئيسية: دعم السياسات، التوعية، ودعم المجتمع الصناعي، وقد أسفر عن إصدار خمس مواصفات جديدة لبدائل الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام، وتطبيق أنشطة توعية وبرامج تدريب للشركات والمستهلكين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء