من كبسولة على الإنترنت إلى سرير في المستشفى.. حكايات ضحايا الأدوية المجهولة
لم تكن «ريهام» فتاة في الثلاثين من عمرها وأم لثلاثة أطفال تتخيل أن سعيها البسيط لخسارة بعض الكيلوجرامات الزائدة سيقودها إلى مأساة تُغير حياتها إلى الأبد.
كانت ريهام تشكو من زيادة في الوزن بعد ولاداتها الثلاث، وقررت البحث عن حل سريع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، هناك، وجدت إعلانًا متكررًا لمنتج تخسيس "مضمون وآمن"، كما روج له البائعون، مع صور لفتيات يؤكدن أنه غير حياتهن في أسابيع قليلة.
دفعت ريهام ثمن المنتج الذي وصلها عبر شركة شحن خلال يومين فقط، دون أن تعرف مصدره أو مكوناته الحقيقية، بدأت في تناوله بانتظام، بالتزامن مع تناول بعض الأعشاب التي اعتادت عليها لعلاج الإمساك المزمن.
لكن بعد أيام قليلة، بدأت تشعر بدوخة شديدة وغثيان، ثم فقدت الوعي فجأة، نُقلت إلى المستشفى، وهناك اكتشف الأطباء أن تفاعل المادة الفعالة داخل منتج التخسيس مع مكونات الأعشاب التي تناولتها أدى إلى تسمم عصبي حاد وغيبوبة كاملة.
ورغم مرور ثلاث سنوات على الحادث، ما زالت ريهام ترقد في السرير بدرجة وعي لا تتجاوز 1%، فيما يعيش أطفالها الثلاثة على أمل أن تستعيد وعيها يومًا ما.
قصة ريهام ليست مجرد حادثة فردية، بل نموذج حي لضحايا "أدوية الإنترنت"، تلك المنتجات التي تتسلل إلى البيوت تحت شعار "الحل السحري"، بينما تحمل في طياتها جرعة موت بطيء.
الكارثة تتكرر.. خلل هرموني وخطر العقم
لم تختلف قصة ياسمين وسلمى كثيرًا عن ريهام. فالصديقتان اللتان جمعت بينهما معاناة الوزن الزائد، قررتا شراء منتج تخسيس "طبيعي وآمن 100%" عبر الإنترنت، بعد أن أغرتهما الإعلانات المتكررة والشهادات المزيفة لمستخدمات يروجن لنتائج مذهلة في وقت قصير.
بعد شهر من الاستخدام، بدأتا تلاحظان انخفاضًا فعليًا في الوزن. غير أن الفرح لم يدم طويلًا؛ فقد بدأت ياسمين تعاني من اضطرابات حادة في الدورة الشهرية، وعند مراجعتها طبيب النساء، اكتشفت أن الدواء تسبب في خلل هرموني أثر على المبايض، وهدد قدرتها على الإنجاب.
قال لها الطبيب بوضوح: "ما تناولتِه يحتوي على مواد كيميائية قوية تؤثر على الغدد المسؤولة عن إفراز الهرمونات الأنثوية، وإذا استمر الاستخدام كان يمكن أن يسبب عقمًا دائمًا."
أما صديقتها سلمى، فقد توقفت مبكرًا عن الدواء بعد شعورها باضطراب في النوم وخفقان متكرر في القلب، فنجت من مضاعفات أخطر. واليوم تحذر الصديقتان الجميع من "الوهم القاتل الذي يُباع في علبة عبر الإنترنت".
قانون يجرم وتجار يفلتون
بهذه الكلمات بدأ الدكتور سامي المشد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، حديثه، مؤكدًا أن "الأدوية التي تُباع عبر الإنترنت غير مرخصة، ولا توجد في الصيدليات أو المستشفيات الحكومية لأنها مجهولة المصدر".
وأضاف قانون مزاولة مهنة الصيدلة يجرم بيع هذه الأدوية ويعتبره جريمة جنائية، ويُفرض على مرتكبيها غرامات مالية كبيرة، ولكن المشكلة تكمن في صعوبة الوصول إليهم".
وكشف المشد أنه أجرى تجربة شخصية لمحاولة الوصول إلى أحد تجار هذه الأدوية، قائلاً: "طلبت منتجًا من صفحة على موقع (فيسبوك)، وعندما وصلني حاولت معرفة المسؤول عن الشركة، لكني اكتشفت أن مندوب التوصيل مجرد موظف في شركة شحن لا يعرف شيئًا عن صاحب المنتج أو مصدره".
وأضاف أن الظاهرة تحتاج إلى رقابة صارمة وتعاون بين وزارة الصحة وهيئة الدواء المصرية والإدارة العامة لمباحث الإنترنت، مشيرًا إلى أن الصيدليات تخضع لتفتيش دوري ومراجعة دقيقة، بينما الأدوية المباعة إلكترونيًا لا تمر بأي رقابة أو اختبارات جودة.
ويحذر المشد من أن "أدوية الإنترنت والعيادات الخاصة غير المرخصة أصبحت قاتلة"، موضحًا أن "بعض أطباء التخسيس والتجميل يمنحون المرضى أدوية داخل العيادة مباشرة، دون وصفة أو إشراف علمي، وهو تصرف غير قانوني وغير أخلاقي".
تسويق مضلل ومكونات قاتلة
من جهته، أوضح الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أن تجارة الأدوية عبر الإنترنت تمس أربعة محاور رئيسية: صحي، وتشريعي، واجتماعي، واقتصادي، مضيفًا أن "المحور الصحي هو الأخطر، لأن المرضى يصبحون فريسة لحملات التسويق المضللة التي تستغل صور المشاهير والمؤثرين لإقناع الجمهور بمنتجات ضارة".

وقال رمزي إن منتجات التخسيس تحديدًا تمثل أزمة كبيرة، إذ "يُكتب على العبوة أنها تحتوي على مواد عشبية طبيعية، بينما تحتوي في الحقيقة على مركبات دوائية محظورة تسبب السكتات الدماغية أو أزمات القلب، مضيفا هناك مادة قاتلة تُستخدم في بعض هذه المنتجات تؤدي إلى تثبيط الشهية لكنها تدمر الجهاز العصبي على المدى الطويل.
وأشار إلى واقعة أخرى حين "رُوج لدواء ادعت الشركة المنتجة أنه يساعد على الإقلاع عن الترامادول، وكان يُباع بسعر 450 جنيهًا للعلبة، بينما هو في الحقيقة مجرد مهدئ يُباع بالصيدليات بأربعة جنيهات فقط.
الحقن المجهولة.. خطر يهدد الكلى
وفي سياق متصل، حذر الدكتور حمزة السيد، أستاذ الأمراض الجلدية، من الانتشار المتزايد لحقن وأقراص التفتيح التي تُباع عبر الإنترنت وتحتوي على مادة "الجلوتاثيون".
وأوضح أن هذه المادة تُستخدم لتفتيح البشرة والجسم بالكامل، لكنها "تسبب مشكلات جسيمة على الكلى وقد تؤدي إلى الفشل الكلويعند استخدامها بجرعات مرتفعة".
وأشار إلى أن هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية لم توافق على استخدام الجلوتاثيون في الحقن الوريدية أو العضلية، ومع ذلك تُباع على الإنترنت دون ترخيص أو إشراف طبي.
ويتابع الجلوتاثيون مادة طبيعية ينتجها الكبد لتخليص الجسم من السموم، لكن الإفراط في تناولها يجعل الجسم يعتمد على المصدر الخارجي ويتوقف عن إنتاجها، مما يضر بالكبد والكلى.
وحذر من أن الحقن مجهولة المصدر قد تؤدي إلى تلوث الدم ومضاعفات جسيمة، خصوصًا في غياب الإشراف الطبي.
التوعية هي خط الدفاع الأول
من جهته، قال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، إن بيع الأدوية عبر الإنترنت "ظاهرة عالمية" لا تقتصر على مصر، مؤكدًا أن الدولة تبذل جهودًا كبيرة للحد منها، مضيفًا هذه الأدوية تُصنع في أماكن غير مرخصة وقد تكون تحت بئر السلم، وتسبب أضرارًا صحية جسيمة تصل إلى الوفاة.

وأشار إلى أن هناك لجانًا لتتبع هؤلاء التجار عبر هيئة الدواء، وجهاز حماية المستهلك، ومباحث الإنترنت، ووزارة التموين، لكن العامل الأهم في المواجهة هو الإعلام.
وقال نريد أن يتحدث الإعلام كله بصوت واحد لتوعية المواطنين، لأن التوعية هي خط الدفاع الأول. المكان الوحيد الآمن لشراء الدواء هو الصيدلية المرخصة، لأنها تخضع لتفتيش دوري وعقوبات صارمة عند المخالفة.
وطالب بتخصيص أرقام هاتفية للإبلاغ عن الصفحات والمواقع التي تبيع الأدوية المجهولة المصدر، لتسهيل سرعة ضبط المخالفين.
تحذيرات رسمية من هيئة الدواء المصرية
وفي بيان رسمي، أكدت هيئة الدواء المصرية أن بعض أدوية إنقاص الوزن المباعة عبر الإنترنت قد تحتوي على مكونات ضارة وغير آمنة للاستخدام البشري.
وحذرت الهيئة المواطنين من شراء أي أدوية مجهولة المصدر عبر الإنترنت، مشددة على أن "هذه المنتجات قد تسبب أضرارًا صحية خطيرة تصل إلى الوفاة.
ونصحت الهيئة بضرورة التأكد من أن أي دواء يتم استخدامه مسجل رسميًا لديها لضمان سلامته وفعاليته، مؤكدة أن الصيدليات المرخصة هي الجهة الوحيدة المصرح لها ببيع وتداول الأدوية في مصر.
الوعي هو اللقاح الحقيقي
رغم الجهود المبذولة من الجهات الرسمية، يرى خبراء الصحة أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الملاحقة القانونية فقط، بل تحتاج إلى استراتيجية شاملة تبدأ من وعي المواطن وتنتهي بتشديد الرقابة الإلكترونية. فالتشريعات الحالية، رغم صرامتها، ما زالت عاجزة عن ملاحقة الكم الهائل من الصفحات والحسابات الوهمية التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي، وتُدار أحيانًا من خارج البلاد.
ويؤكد مختصون أن الحل يبدأ بتكثيف الحملات الإعلامية للتوعية بمخاطر الأدوية المجهولة، وتضمين المناهج التعليمية رسائل حول الاستخدام الآمن للدواء، إلى جانب إطلاق منصة رسمية موحدة من هيئة الدواء المصرية تتيح للمواطنين التحقق من تسجيل أي منتج دوائي بسهولة.
ففي عالم تتداخل فيه الإعلانات مع الوهم، يصبح الوعي هو اللقاح الحقيقي ضد الغش، والدواء الأكثر فاعلية لحماية المجتمع من "تجار الموت" الذين يختبئون خلف شاشة وهاتف، يبيعون الوهم تحت اسم العلاج.