القائد الذي هزّ إسرائيل.. حكاية أسر عساف ياجوري في ملحمة أكتوبر
في مثل هذا اليوم، الثامن من أكتوبر، تحل ذكرى واحدة من أبرز وقائع حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، حين أُسر العقيد عساف ياجوري، قائد اللواء 190 مدرع في الجيش الإسرائيلي، على يد القوات المصرية في معركة الدفرسوار، في واقعة هزت إسرائيل ورفعت الروح المعنوية للجيش المصري إلى ذروتها.

من هو عساف ياجوري؟
كان عساف ياجوري أحد أكبر ضباط المدرعات في الجيش الإسرائيلي، خاض حرب 1967، واعتُبر بطلًا ميدانيًا في تل أبيب، وقد تولى قيادة اللواء 190 مدرع، وهو من أهم تشكيلات سلاح المدرعات الإسرائيلي، وكان يُعرف عنه الصرامة والانضباط والاعتداد الكبير بالنفس، لكن مع الساعات الأولى من يوم الثامن من أكتوبر 1973، تبددت أسطورته في معركة خلدها التاريخ العسكري المصري.

نقطة التحول.. الكمين المصري
عقب نجاح قوات الجيش المصري في عبور قناة السويس يوم السادس من أكتوبر وتحطيم خط بارليف، حاولت إسرائيل استعادة زمام المبادرة بشنّ هجوم مضاد في اليوم الثاني للحرب، عبر قوات مدرعة يقودها ياجوري نفسه.
غير أن القوات المصرية كانت قد أعدت كمينًا محكمًا بالقرب من منطقة الدفرسوار، ضمن نطاق الفرقة 16 مشاة ميكانيكي، وما إن تقدمت دبابات ياجوري حتى انهالت عليها نيران الدبابات والمدفعية المصرية، فدُمرت عشرات الآليات، وقُتل وأُصيب عدد كبير من جنوده.
وبين الدخان واللهيب، أُصيب ياجوري بجراح طفيفة، وحاصرته مجموعة من الجنود المصريين، ليجد نفسه مضطرًا إلى رفع يديه مستسلمًا، في مشهد دوّن التاريخ تفاصيله بدقة.

صورة هزت إسرائيل
لم تكن واقعة الأسر مجرد حدث ميداني، بل تحولت إلى أيقونة للنصر المصري، فقد بثّ الإعلام المصري صور عساف ياجوري مكبّل اليدين وهو يُقتاد إلى أحد مراكز الأسر، لتتلقفها وسائل الإعلام العالمية في اليوم التالي.
كانت الصورة كفيلة بإحداث زلزال نفسي داخل إسرائيل، التي لطالما روجت أن جيشها لا يُهزم ولا يُؤسر، بينما في مصر، استقبل الشارع الخبر بفرحة غامرة، ورآه المصريون تجسيدًا عمليًا لانكسار “الأسطورة الإسرائيلية”.

شهادة الاحتلال
بعد الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى عام 1974، قال عساف ياجوري في أحد لقاءاته الصحفية، “لم أصدق أن المصريين استطاعوا عبور القناة بهذا التنظيم والدقة، ما رأيته كان جيشًا جديدًا يقاتل بإيمان حقيقي، وإرادة لا تُقهر.
كانت تلك الشهادة في حد ذاتها تأكيدًا لانتصار الروح المصرية التي خاضت المعركة.
أسر عساف ياجوري
يقف وراء أسر عساف ياجوري مجموعة من أبطال القوات المسلحة الذين نفذوا الكمين ببسالة نادرة، وسط تفوق مدرعات العدو تكنولوجيًا. لم تُسلَّط الأضواء على أسمائهم كثيرًا، لكن بطولاتهم بقيت محفورة في الذاكرة العسكرية، وأثبتت أن الإيمان والعزيمة قد تفوقان السلاح.

وعقب عودته إلى إسرائيل، اعتزل ياجوري العمل العسكري، واتجه إلى العمل السياسي ضمن حركة “السلام الآن”، وأصبح أحد الداعين إلى التسوية مع العرب، متأثرًا بتجربته في الأسر التي وصفها بأنها “غيرت نظرته للحرب والحياة”.
يظل أَسر عساف ياجوري حتى اليوم أحد أكثر الأحداث رمزية في حرب أكتوبر، لأنه لم يكن مجرد أسر لضابط عدو، بل إعلانًا رسميًا بانتهاء زمن الهزيمة.
لقد برهن الجندي المصري في تلك الواقعة أن الشجاعة والانضباط والتضحية يمكنها أن تُسقط أعتى الجيوش، وأن الإرادة الوطنية حين تتوحد لا تعرف المستحيل، وفي ذكرى أسره، يتجدد الفخر المصري بجيش كتب التاريخ بدمائه، وأثبت أن “ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة”.

