رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عيني عينك .. سوق الحيوانات المفترسة بالسيدة عائشة يخرج لسانه للجميع

سوق الجمعة
سوق الجمعة

في قلب العاصمة المصرية، وتحديدًا عند مسجد السيدة عائشة، مشهد يصعب تصديقه حتى عند رؤيته بالعين المجردة. وسط ضجيج الباعة، وصوت المطارق على الحديد، وصرخات المساومة، يمتد "سوق الجمعة" ككتلة من الفوضى المليئة بالأسرار.

بين أقفاص صدئة وعبوات بلاستيكية، تتحرك كائنات لا مكان لها في مدينة مكتظة بالبشر تماسيح صغيرة تُباع كما لو كانت قططًا أليفة، وثعابين سامة تُعرض كتحف نادرة، وكلاب حراسة شرسة مربوطة بالسلاسل وسط الزحام، وطيور جارحة تفرد جناحيها في انتظار مشترٍ جديد.

هذا السوق، الذي بدأ لتجارة المستعمل والمقتنيات القديمة، تحوّل مع مرور الوقت إلى سوقٍ موازٍ للحياة البرية في قلب العاصمة.. حيث تُباع الخطورة علنًا، وتُشترى الفوضى بالنقود.

المشهد الميداني.. سوق مفتوح للحيوانات الخطرة

مع بزوغ شمس يوم الجمعة، يبدأ العرض، وعلى الأرصفة تمتد صفوف من الأقفاص المعدنية والبلاستيكية. داخل بعضها تلتفّ الثعابين في علب صغيرة، وفي أخرى يرفع الباعة تماسيح صغيرة أمام الكاميرات لجذب المشترين.

السلاحف تتجاور مع الصقور، والكلاب تُروَّج على أنها "حراسة لا تعرف الخوف"، فيما يتجول بين تلك الأقفاص أطفال وفضوليون دون أي إجراءات أمان. وعلى بعد خطوات من كوبري التونسي، في حارتي الخليفة والمدينة القديمة، يتجلّى عالم صغير شديد الخطورة: زواحف تتلوى داخل صناديق، وثعابين ملفوفة على أعمدة حديدية، وتمساح صغير يجلس في وعاء بلاستيكي بجانب بائع يبتسم بثقة.

هكذا، أصبح السوق مركزًا شبه علني لتجارة الحيوانات البرية والمفترسة، تجارة تكررت رغم حملات الضبط المحدودة، ورُصدت في تقارير إعلامية مصرية وأجنبية خلال السنوات الأخيرة.

الأسعار... تماسيح بـ800 جنيه وصقور بعشرات الآلاف

تختلف الأسعار حسب ندرة الحيوان أو خطورته، لكن اللافت أن بعض الكائنات المفترسة تُباع بأسعار زهيدة للغاية مقارنة بخطرها.

فيما يلي رصد ميداني للأسعار المتداولة داخل السوق:

 

تماسيح صغيرة (20–60 سم) من 500 – 4000 جنيه تُعرض في صناديق بلاستيكية أو دلاء ماء.

ثعابين محلية أو مستوردة  من 200 – 3000 جنيه الأنواع السامة أغلى سعرًا؛ بعضها يُروَّج كمستورد من أفريقيا.

صقور وطيور جارحة من 1500 – 30000 جيه السعر يرتفع حسب التدريب والسلالة.

كلاب حراسة (روت فايلر – بيتبول) 800 – 8000 جنيه تُباع باعتبارها «حيوانات حماية».

سلاحف وسحالي من 100 – 1500 جنيه تُعرض كحيوانات زينة.

 

ملاحظات من الواقع الميداني

الحيوانات تُعرض في ظروف غير صحية، داخل أقفاص ضيقة وبتهوية ضعيفة.

غياب الحواجز بين الجمهور والحيوانات، رغم وجود ثعابين وتماسيح.

الأسعار المنخفضة تُغري المشترين، ما يجعل اقتناء هذه الكائنات متاحًا لشرائح واسعة.

أنواع الحيوانات المعروضة بانتظام

كلاب حراسة وعدوانية مثل “الروت فايلر والبيتبول".

ثعابين محلية ومستوردة،  بعضها يُروَّج كسام، رغم أن القانون يمنع تداولها.

تماسيح صغيرة وسلاحف برية تُجلب غالبًا من محافظات الجنوب.

طيور جارحة: كالصقور، إضافة إلى قرود وخفافيش تُعرض في مواسم محددة.

مشاهد من قلب السوق

خلال جولة فريق "إيچبتك"، رُصد بائع يحمل تمساحًا صغيرًا داخل كيس بلاستيكي، يعرضه على الزبائن مقابل ألف جنيه فقط. وفي زاوية أخرى، عرض شاب ثلاثة ثعابين ملوّنة قال إنها "غير سامة"، وباعها بـ400 جنيه.

بائع آخر عرض كلب "روت فايلر" في قفص حديدي مقابل 7000 جنيه، قبل أن يقول مبتسمًا:

"كل اللي بييجي هنا عايز حاجة غريبة... كل أسبوع بيكون في جديد من الصعيد أو السودان."

القانون يقول كلمته… لكن السوق يرد: "لا أحد يراقب"

تُجرّم المادة (28) من قانون البيئة المصري الاتجار في الحيوانات البرية دون تصريح، وتعاقب المخالفين بالغرامة والحبس. كما تُلزم مصر باتفاقية CITES الدولية التي تحظر تجارة الأنواع المهددة بالانقراض.

لكن الواقع مختلف: السوق يعمل علنًا والبيع يتم أمام المارة دون رادع

يقول مصدر بمديرية الطب البيطري – فضّل عدم ذكر اسمه – لـ«إيچبتك»:"قمنا بحملات ضبط وصادرنا تماسيح وثعابين من قبل، لكن السوق بيرجع تاني بعد أسابيع، المشكلة إن مفيش رقابة مستمرة."

مخاطر لا تُقدَّر بثمن

“خطر صحي " الزواحف تنقل أمراضًا خطيرة مثل السالمونيلا .

"خطر أمني " أي عضة أو هروب من كلب أو ثعبان قد تتحول إلى كارثة.

“خطر بيئي " الاتجار بالحيوانات البرية يهدد التوازن الطبيعي ويزيد من خطر الانقراض.

"خطر اجتماعي " بعض الشباب يشترون هذه الحيوانات للوجاهة أو التصوير على "تيك توك"، دون إدراك للعواقب.

بين الفضول والهوس بالخطر

وسط صخب السوق، ورائحة الأقفاص الممزوجة بالتراب والعرق، تتقاطع نظرات الفضوليين مع أعين الكلاب المفترسة والثعابين المتلوية داخل صناديق خشبية ضيقة. وهنا، لا يُباع الحيوان فقط، بل يُباع الإحساس بالقوة والسيطرة.

يقول أحد الزائرين لموقع «إيچبتك»: "شوفت تمساح صغير بيتباع بـ800 جنيه، والناس بتصوره كأنه لعبة! محدش مدرك إن ده ممكن يعور أو يهرب."

فيما قال مصطفى عبد الفتاح، شاب في الثلاثين من عمره جاء من شبرا لمشاهدة السوق: "باجي كل فترة أتفرج بس، السوق ده مختلف… أول مرة أشوف ناس بتبيع تماسيح وثعابين كأنها فراخ!"

أما إبراهيم سيد، أحد الزبائن الدائمين، فيعترف مبتسمًا: "اشتريت كلب بيتبول من هنا بـ8000 جنيه للحراسة، بس طلع صعب السيطرة عليه. السوق خطر، بس الأسعار مغرية جدًا."

وتروي أم محمد، سيدة جاءت لشراء طيور الزينة: "كنت جاية أجيب عصافير لأولادي، لقيت راجل شايل تمساح في كرتونة! خفت أكمل… المفروض ده ممنوع، مش لعبة."

في المقابل، يرى بعض الهواة أن السوق "آمن نسبيًا"، مثل حسن يوسف، أحد المهتمين بتربية الزواحف: "لا يوجد مشكلة طالما الحيوان يُباع بطريقة آمنة،  التماسيح الصغيرة مثلاً بتتباع بـ2500 جنيه، والثعابين ممكن توصل لعشرة آلاف حسب النوع… بس فعلاً مفيش رقابة."

أما محمد عادل، موظف حضر صدفة إلى السوق، فيقول بحزم "السوق مفتوح لكل حاجة، مفيش حد بيسأل الحيوان ده خطر ولا لأ… ولو تمساح هرب أو كلب عض طفل، مين هيتحاسب؟"

ويؤكد محمود صلاح، أحد المترددين على السوق، أن "سوق السيدة عائشة يظل شاهدًا على مفارقة صادمة: تجارة مفترسة في قلب العاصمة، تتحدى القانون والرقابة، وتختبر حدود الخطر في مجتمعٍ تتقاطع فيه الفوضى مع الفضول."

في ختام المشهد..

في قلب العاصمة، حيث تختلط الفوضى بالفضول، يقف "سوق الجمعة" شاهد

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء