الموت في صورة علاج|«إيجبتك» تفتح ملف «مافيا الدواء المغشوش»
في علبة صغيرة لا يتجاوز حجمها كف اليد، قد يختبئ الموت في صورة علاج. دواء يظنه المريض طوق نجاة من مرض يهدد حياته، بينما هو في الحقيقة سم بطيء يتسلل إلى جسده، يسرق صحته وربما يسرق روحه. إنها ليست مجرد عملية غش تجاري عابرة، بل شبكة معقدة تتشابك فيها خيوط المال الحرام بأرواح أبرياء يبحثون عن الشفاء.
تجارة الأدوية المغشوشة أصبحت اليوم واحدة من أخطر المافيات عالميًا، أخطر حتى من تجارة المخدرات، لأنها لا تقتل لحظة التعاطي، بل تتخفى وراء ستار «العلاج»، لتصيب ملايين الضحايا في صمت.
هذا التحقيق يتتبع خيوط الظاهرة من مصانع بير السلم إلى موانئ التهريب، مرورًا بالصيدليات وصفحات الإنترنت، ليكشف: من يربح؟ ومن يدفع الثمن؟
حملات ضبط بالملايين
كشفت هيئة الدواء المصرية، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والرقابية، عن واحدة من أكبر الضربات لتجار الأدوية المغشوشة خلال الأسبوع الماضي. فقد أسفرت الحملات عن ضبط أدوية مهربة ومغشوشة وغير مسجلة بالهيئة، وأخرى مدرجة بجداول المخدرات، بلغت قيمتها نحو 3 ملايين جنيه.
وبحسب بيانات الهيئة، تم ضبط ما يقرب من 6 آلاف عبوة أدوية مهربة ومقلدة، بقيمة 2 مليون جنيه، بالإضافة إلى مخازن غير مرخصة وصيدليات تبيع مستحضرات مجهولة المصدر ومنتهية الصلاحية بقيمة مليون جنيه.
كما تم تحرير 22 محضرًا ضد صيدليات خالفت القوانين، وضبط 6 مؤسسات صيدلية غير مرخصة، بالإضافة إلى رصد صفحة عبر فيسبوك كانت تروج للأدوية المغشوشة إلكترونيًا.
شهادة من قلب المهنة
يقول أحد الصيادلة –رفض ذكر اسمه– لموقع إيجبتك: "شركات الأدوية ومندوبيها بقوا كتير جدًا، وفي مخازن بتبيع أدوية من غير فواتير… معظمها أدوية جنسية أو تجميل. أنا شخصيًا برفض التعامل معاهم، لكن في ناس معدومي الضمير بيشتروا".
وأضاف: الخصومات على الأدوية دي تصل إلى 70% و80% وده بيحقق ربح كبير. والصيادلة نفسهم بيخفوا الأدوية دي في أماكن سرية أما في سيارتهم في الشارع أو مخازن وشقق مأجرة وده عشان التفتيش لما يوصل ميضبطش حاجة لكن ده مضر جدا لأن معضمها مصنوعة من السيراميك والجبس والمكن الصيني بقي كتير وسهل وأسعارة رخيصة.
وبعض الأكشاك أصبحت تبيع مسكنات وأدوية بدون أي رقابة، مطالبًا بحملات مفاجئة تتبع المندوبين للوصول إلى مصانع بير السلم.
مختبرات بير السلم
إسلام، خريج كلية علوم قسم كيمياء، كشف جانبًا مظلمًا آخر، قال: اتعرض عليا أصنّع تركيبات لأدوية محظورة داخل مخازن مقابل فلوس مغرية، لكني رفضت".
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»: “طلبوا مني حتى التركيبات وهما هيتصرفوا ويصنعوها وكان العرض المالي مغري جدا وكان معظمها أدوية مخدرة ومسكنة. كمان طلبوا أعرفهم بعض التركيبات من الأدوية المتاحة في الصيدليات اللي بخلطها بتتحول لمخدرات قوية وتم الرفض لكن هناك الكثيرون من معدومي الضمير هيقبلوا العرض”.
اعترافه يكشف كيف يجذب تجار السوق السوداء خبرات علمية لتنفيذ وصفات خطيرة خارج أي إطار قانوني أو رقابي.
وقال أحد الصيادلة أيضا رفض ذكر اسمه، إن هناك بعض الأدوية بخلطها تتحول لمخدر قوي يستخدمه الشباب كمخدرات.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»: الحل هنا هو فرض قانون قوي يمنع بيع أي دواء دون روشتة. أيضا هناك البعض يشتري اسم طبيب صيدلي لفتح صيدلية ويستخدمها لأعمال منافية لقوانين الدواء ويبييع ما يشاء دون أي رقابة من ضمنها الأدوية المفشوشة المصنوعة من مواد مسرطنه لا علم لنا بها.
ثغرات قانونية وعقوبات مشددة
قال المحامي عربي شحاتة إن قانون العقوبات حدد عقوبات مشدد ورادعة بالحبس والغرامة لكل من تسول له نفسه ارتكاب الاتجار في الأدوية المغشوشة والتسويق لها من خلال الإعلانات ومواقع التواصل الاجتماعي، كما حذّر القانون التعامل مع العقاقير مجهولة المصدر من خلال وسائل التواصل وشاشات التلفاز.
وأضاف عربي في تصريح خاص لـ«إيجبتك»، أن القانون حدد عقوبة في المادة 7، بالحبس شهر غرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، وتصل لـ100 ألف جنيه، أما في حالة سبّبت العقاقير ضررًا مباشرًا على مستخدميها أو عاهة مستديمة، فتكون العقوبة حينها بالسجن مدة تبدأ من 3 سنوات، وغرامة تبدأ من 200 ألف جنيه لـ500 ألف جنيه.
قانون العقوبات غلّظ عقوبة الغش والتدليس في المادة رقم 48 لسنة 1941، والمعدل بالقانون سنة 1994، وحدد عقوبات للشخص الذي يجلب تلك المنتجات من الخارج أو حتي تصنيعها دون ترخيص، وتكون عقوبته بالحبس مدة 7 سنوات.
"التتبع الدوائي".. الحل المؤجل؟
أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن منظومة التتبع الدوائي التي أعلنتها هيئة الدواء تعد الحل الأمثل للقضاء على أدوية بير السلم، لكنها تحتاج إلى تمويل ضخم وآليات واضحة للتنفيذ.

وأوضح أن الشركات ستضطر لشراء ماكينات بملايين الدولارات لترقيم كل عبوة دوائية برمز "كيو آر كود"، يتم تتبعه من المصنع حتى المريض عبر النظام الإلكتروني، وهو ما يفرض أعباء إضافية على الشركات والموزعين والصيدليات.
وأشار إلى أن القرار الوزاري الأخير ألزم جميع الأطراف بإعادة تكويد الأدوية المستوردة حتى فبراير 2026، وإلا ستُعتبر غير صالحة للتداول، محذرًا من أن تطبيق المنظومة بالجدول الزمني الحالي قد يؤدي إلى أزمة دوائية مطلع 2026.
ولفت رئيس الشعبة إلى أن نحو 45% من الصيدليات في القرى والنجوع غير مؤهلة للدخول في النظام لغياب خدمة الإنترنت، مشددًا على ضرورة توفير تدريب وتمويل كافٍ قبل إلزام السوق بالتنفيذ.
ومن جانبه، قال الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة صيادلة القاهرة، إن الحل الأبرز للحد من بيع الأدوية المغشوشة يتمثل في تطبيق منظومة التكويد والترقيم، موضحًا أن هذه الآلية تحتاج إلى وقت طويل ومصاريف هائلة، وهو ما يصعُب تحمله بشكل مباشر.

وأضاف في تصريح خاص لموقع «إيجبتك»، أن تطبيق المنظومة سيرفع سعر عبوة الدواء، ما يمثل عبئًا إضافيًا على المواطن، مشيرًا إلى أن منظومة التتبع الدوائي تواجه تحديات حقيقية على أرض الواقع، أبرزها الأعباء المالية وضعف التشغيل لدى كثير من الصيدليات، بجانب الحاجة إلى توفير أجهزة حديثة وشبكة إنترنت قوية.
وأكد أن المنظومة الجديدة، رغم أنها لن تقضي بشكل كامل على ظاهرة الأدوية المغشوشة، إلا أنها ستُغلق أمامها الباب بنسبة كبيرة، كونها ستكون متصلة مباشرة بهيئة الدواء المصرية.
وأشار رئيس لجنة التصنيع الدوائي إلى أن العديد من الشركات الكبرى تستخدم هذا النظام بالفعل، نظرًا لالتزامها بتصدير منتجاتها للخارج، لافتًا إلى أن دولًا عدة نجحت في تطبيق هذه الآلية بفعالية.
دار الإفتاء تحرِّم غش الأدوية
أصدرت دار الإفتاء المصرية بيانًا رسميًا عبر موقعها الإلكتروني، أكدت فيه أن قيام بعض الصيادلة بالاتجار في الأدوية المهرَّبة مجهولة المصدر، وغير المصرح بتداولها من وزارة الصحة، يُعد حرامًا شرعًا، لما قد يترتب عليه من أضرار جسيمة تلحق بمتناوليها.
وأكد البيان أن الإسلام كرّم الإنسان، وأوجب الحفاظ على النفس والعقل، باعتبارهما من الضروريات الخمس التي تقوم عليها المقاصد العليا للشريعة، مشيرًا إلى أن غش الدواء والاتجار فيه يمثل اعتداءً مباشرًا على تلك المقاصد.
واستشهدت دار الإفتاء بعدد من النصوص الشرعية التي تنهى عن الإضرار بالنفس، من بينها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].
وأوضح البيان أن تداول هذه الأدوية المهرَّبة يعد مخالفة شرعية وقانونية، إذ يتحمل كل من يشارك في بيعها أو توزيعها المسؤولية عن أي ضرر يصيب المواطنين. كما أشار إلى أن ذلك يُعد مخالفة صريحة لوليّ الأمر الذي أمر الله بطاعته في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59].
وفي السياق ذاته، ذكرت دار الإفتاء أن القانون المصري يجرّم تداول الأدوية غير المصرح بها، حيث تنص المادة (28) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم (127 لسنة 1955) على ضرورة مطابقة جميع الأدوية والمستحضرات للمواصفات المعتمدة بدساتير الأدوية. كما تشترط المادة (41) الحصول على ترخيص من وزارة الصحة قبل ممارسة أي نشاط يتعلق بتوزيع أو بيع الأدوية.
واختتمت دار الإفتاء بيانها بالتأكيد على أن تجارة الأدوية المغشوشة والمهرَّبة جريمة مزدوجة: خيانة للدين، وخطر داهم على حياة الناس، داعية الصيادلة والتجار إلى تقوى الله في شباب الأمة وصحتها.