رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سماسرة الحلم.. ضحايا البحث عن فرصة سفر يدفعون الثمن لبائعي الوهم

شركات السفر الوهمية
شركات السفر الوهمية

في شوارع ضيقة، وعلى مقاهي الأحياء الشعبية، تدور الحكايات عن فرص ذهبية في بلاد بعيدة، شاب يسمع من صديقه عن مكتب «يوفر سفرًا مضمونًا» وآخر يجمع ما ادخره طوال سنين ليضمن لنفسه مكانًا في رحلة لا يعرف إن كانت ستبدأ أم تنتهي قبل أن تبدأ.

هنا في سوق لا يعلن عن نفسه، يعمل سماسرة الحلم، وجوه تعرف كيف تبيع الأمل، وكيف تقنعك بأن الغد سيكون أفضل ما إن تطأ قدماك أرض الغربة.

لكن ما لا يقوله هؤلاء، أن الطريق إلى الحلم مفروش بالأوراق المزورة، والوعود الكاذبة، والدموع التي لا يجد أصحابها من يسمعهم.

في هذا التحقيق، نغوص في عالم خفي يختلط فيه الطمع باليأس، والفرص بالوهم.

عالم «سماسرة السفر» الذين يتاجرون في الرغبة الفطرية لدى الشباب في الهروب من واقع قاسٍ إلى مستقبل مجهول.

وجوه تعد بالجنة، لكنها كثيرًا ما تلقي بضحاياها في الجحيم.

بداية الخيط.. منشور على "فيسبوك"

كل شيء يبدأ ببساطة شديدة بمنشور على «فيسبوك»، أو رقم يتداوله الأصدقاء في جلسة على المقهى، يحمل وعودًا مغرية.

"فرص عمل حقيقية في الخارج – عقود مضمونة – استلام التأشيرة خلال أيام".

كلمات كافية لإشعال شرارة الحلم داخل شابٍ يبحث عن بصيص أمل بعد أن ضاقت به الحياة هنا.

يتواصل مع السمسار، فيجد صوتًا هادئًا واثقًا، يعرف كيف يختار كلماته بدقة، وكيف يزرع الطمأنينة في قلب ضحيته الأولى.

يُخبره أن الأوراق سهلة، وأن السفر مضمون، وأنه فقط "يحتاج إلى الجدية" و"دفعة بسيطة لتأكيد الحجز".

“من تلك اللحظة تبدأ الحكاية "

الشاب يهرع لتجميع ما تبقّى لديه من مدخرات، وربما يقترض من أسرته أو يبيع ما يملك، فقط ليحجز مكانًا في قطار الحلم قبل أن يفوته.

ولا يدري أنه في الحقيقة يحجز مقعده في رحلةٍ إلى المجهول.

أرقام تكشف حجم الكارثة

شهد عام 2024 ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات جرائم النصب الإلكتروني عالميًا،وفق تقرير FBI Internet Crime Report 2024 الصادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي،والذي كشف أن إجمالي الخسائر الناتجة عن هذا النوع من الجرائم تجاوز 12.5 مليار دولار، بزيادة تقارب 28% مقارنة بعام 2023.

وأشار التقرير إلى أن احتيالات الاستثمار الوهمي عبر الإنترنت جاءت في صدارة الجرائم بنسبة 36%، تلتها جرائم الابتزاز الإلكتروني بنسبة 19%، ثم الاحتيال عبر البريد الإلكتروني (Phishing) بنسبة 17%.

كما أوضح التقرير أن الولايات المتحدة، وبريطانيا، والهند، والإمارات هي الأكثر تضررًا، فيما جاءت مصر ضمن قائمة العشرين دولة الأعلى تسجيلًا لحالات النصب الإلكتروني بحسب تقييم الإنتربول لعام 2024.

وعلى الصعيد المحلي، كشف تقرير وزارة الداخلية – الإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات (2025) عن تسجيل أكثر من 32 ألف بلاغ نصب إلكتروني في مصر خلال عام 2024، بزيادة بلغت 21% عن العام السابق.

وأوضح التقرير أن أبرز أنماط الاحتيال الإلكتروني في مصر تمثلت في:

مكاتب السفر الوهمية عبر صفحات «فيسبوك» و«تليجرام» بنسبة 37%.

إعلانات التوظيف المزيفة بالخارج بنسبة 25%.

الاحتيال البنكي الإلكتروني بنسبة 18%.

الابتزاز الإلكتروني، خاصة ضد النساء بنسبة 11%.

وقدّر المركز القومي للاستعداد لطوارئ الحاسب والشبكات (EG-CERT) التابع لوزارة الاتصالات حجم الخسائر المالية الناتجة عن هذه الجرائم بأكثر من 1.3 مليار جنيه مصري خلال عام واحد فقط.

وأكدت الجهات الأمنية أن أغلب هذه الجرائم تُرتكب عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الوهمية التي تستغل ثقة المواطنين، داعيةً إلى عدم التعامل إلا مع الجهات الرسمية المعتمدة.

حالات إنسانية.. وجوه من واقع موجع


أحمد.. حلم السفر إلى إيطاليا انتهى بباب مغلق

كان أحمد، شابًا في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل في ورشة صغيرة بمحافظة الشرقية، ظلّ يحلم بالسفر إلى إيطاليا ليبدأ حياة جديدة.

شاهد إعلانًا على «فيسبوك» لمكتب «سفر مضمون – عقود رسمية وموافقات حكومية».

تواصل معهم عبر «واتساب»، ورد عليه شخص باسم "الأستاذ حسام"، طلب منه 45 ألف جنيه مقدمًا ووعده بتأشيرة خلال أسبوعين.

لكن المكتب أغلق صفحته فجأة والعنوان وهمي، والرقم اختفى.

يقول أحمد بمرارة "كان نفسي أبدأ حياة جديدة، لكني بدأت رحلة وجع طويلة... اتعلمت إن الحلم اللي يتباع على الإنترنت بيبقى غالي جدًا".

مروة.. عقد مختوم على الورق فقط

مروة، خريجة تجارة من المنوفية، حلمها السفر للإمارات، تلقت عبر جروب «تليجرام» عرضًا مغريًا براتب 6000 درهم وسكن وتأمين شامل.

دفعت 10 آلاف جنيه رسوم اعتماد، واستلمت عقدًا مختومًا، لكنه مزور،واكتشفت الحقيقة في المطار، وحررت بلاغًا رسميًا ضد المكتب غير المرخص "العقد كان مختوم.. لو ماكنتش رحت المطار بنفسي مكنتش هعرف إني كنت ضحية نصب".

كريم.. المهندس الذي خُدع بوهم الهجرة

كريم، مهندس من القاهرة، شاهد إعلانًا عن "هجرة إلى كندا خلال 90 يومًا" دفع 60 ألف جنيه، ثم اختفى الموقع.

يقول كريم " الناس دي بتشتغل باحتراف.. دي شبكات كاملة بتحلمك إنك تمشي على السجادة الحمراء، وفي الآخر بتسيبك تايه ".

أمين.. باع سيارته من أجل تأشيرة كاذبة

باع أمين سيارته ودفع 25 ألف جنيه لمكتب وعده بفرصة عمل في الخليج،لكن الرقم أغلق والمكتب اختفى.

"جلست قدام الحيطة، مش فاهم إزاي اتسرق مني الحلم بسهولة كده".

سارة.. حلمت بمستقبل جديد وانتهت بخيبة قاسية

سارة خريجة تجارة، تلقت رسالة على «إنستجرام» من حساب وهمي، دفعت 12 ألف جنيه، واختفى المكتب.

"ما كنتش عايزة غير فرصة.. بس دفعت ثمنها غالي".

سامي.. العامل الذي وجد نفسه في بلد لا يعرفها

سافر سامي عبر طرق غير شرعية بعدما أوهمه مكتب أنه سيرسله إلى ليبيا، لكنه تُرك في منطقة حدودية وتعرض للابتزاز، قبل أن يُعاد إلى مصر محطمًا.

جهود الدولة لمواجهة الوهم

أكد محمد جبران، وزير العمل، أن الوزارة لا تعترف بأي مكتب تشغيل عمالة بالخارج دون ترخيص رسمي،موضحًا ضبط أكثر من 250 مكتبًا وهميًا، وإحالة أصحابها للنيابة.

وأشار إلى تطوير بوابة إلكترونية تتيح بيانات المكاتب المرخصة رسميًا.

وقال وزير العمل في تصريحات صحفية "لن نتهاون مع أي مكتب أو شخص يتاجر بأحلام الشباب ". 

من جانبها، أعلنت وزارة الهجرة  في بيان صحفي عن حملة موسعة بالتعاون مع الداخلية والعمل لمواجهة الكيانات الوهمية على الإنترنت،

موضحة أنها أغلقت 60 صفحة إلكترونية وأحالت 32 قضية للنائب العام.

وأكدت أن منصة "الهجرة الآمنة" هي المنصة الحكومية الوحيدة لتلقي طلبات العمل بالخارج، داعية المواطنين للإبلاغ عن أي جهة مشبوهة عبر الخط الساخن (19849).

الرأي القانوني .. القانون يواجه الوهم

أكد عربي شحاتة، المحامي والخبير القانوني، أن ما يسمى بـ"السفر المضمون" أو "عقود العمل المزيفة" يمثل جريمة نصب إلكتروني يعاقب عليها القانون المصري.

وأوضح أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 يجرّم إنشاء صفحات أو مواقع وهمية لخداع المواطنين.

كما أشار إلى أن قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 ألزم المكاتب بالحصول على تراخيص رسمية، وفرض عقوبات صارمة على المخالفين.

وأكد أن تزوير التأشيرات أو العقود جريمة قائمة بذاتها، تُعاقب بالحبس والغرامة وفق قانون العقوبات، داعيًا الضحايا إلى المطالبة بالتعويض المدني وملاحقة الجناة قضائيًا.

الرأي الديني.. الفتوى تحسم الجدل

أكدت دار الإفتاء المصرية أن بيع تأشيرات السفر بالاحتيال من خلال مكاتب غير مرخصة حرام شرعًا، لما فيه من تزوير وغش وكذب، ومخالفة للقوانين والأعراف الدولية.

وأوضحت أن التأشيرة وسيلة لحفظ الأمن، والالتزام بها واجب شرعًا، واستشهدت بالآية الكريمة:

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]

كما نقلت عن ابن النجار الفتوحي قوله "العادة محكمة، وما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن".

وشددت على أن بيع أو شراء التأشيرات خارج القنوات الرسمية جريمة شرعية وقانونية يعاقب عليها القانون رقم (97) لسنة 1959 والمعدل بالقانون (78) لسنة 1968.

الرأي الاجتماعي.. فخ الثراء السريع

د. هند فؤاد: ضعف الثقة والطموح السريع وقود الظاهرة

أكدت الدكتورة هند فؤاد السيد، أستاذ مساعد علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن جرائم النصب والاحتيال في مصر شهدت ارتفاعًا ملحوظًا بعد عام 2011، موضحة أن الظاهرة لا ترتبط فقط بوجود نصّابين محترفين، وإنما تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة في المجتمع المصري.

وأشارت الدكتورة هند في تصريح خاص  ل" إيجبتك "، في دراستها المعنونة "ظاهرة المستريح الأبعاد ودوافع الاستمرار"، إلى أن من أبرز أسباب انتشار جرائم الاحتيال، ومن بينها ممارسات سماسرة السفر، هو ضعف الثقة في المؤسسات الرقابية، مما يدفع بعض المواطنين إلى البحث عن حلول بديلة وغير قانونية لتحقيق طموحاتهم.

وأضافت أن الطموحات الاقتصادية الكبيرة لدى فئات من الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، الذين يسعون إلى فرص هجرة أو مكاسب مالية سريعة، جعلتهم أكثر عرضة للوقوع ضحايا لمكاتب وهمية أو وعود زائفة بالسفر.

وأكدت أن البيئة الاجتماعية والثقافية في الوقت الراهن تُضفي قيمة متزايدة على مفهوم "الثراء السريع" و"النجاح بأي وسيلة"، دون إدراك كافٍ للمخاطر القانونية والأخلاقية المترتبة على الانسياق وراء مثل هذه الوعود.

واختتمت الباحثة بأن معالجة الظاهرة تتطلب استعادة الثقة المجتمعية في مؤسسات الدولة، وتكثيف برامج التوعية القانونية والاجتماعية لحماية الأفراد من الوقوع في فخاخ النصب والاحتيال، سواء في مجالات الاستثمار أو السفر أو العمل الخارجي.

د. رشاد عبداللطيف: قلة الوعي ومنصات الوهم

أكد الدكتور رشاد عبداللطيف، أستاذ تنظيم المجتمع بكلية الخدمة الاجتماعية – جامعة حلوان، أن الرغبة في الثراء السريع وقلة الوعي القانوني أبرز أسباب انتشار الظاهرة.

وأوضح أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة رئيسية لترويج هذه العروض، داعيًا إلى توعية مجتمعية مستمرة ونشر الثقافة القانونية لحماية الشباب من الوقوع في فخ الوهم.

بين حلم السفر ورغبة الثراء السريع، تتقاطع خيوط الوهم مع طموحات مشروعة، لكن ما بينهما يقف سماسرة بلا ضمير، يبيعون الأمل ويشترون الثقة بثمنٍ بخس.

القانون يطاردهم، والدين يُحرم أفعالهم، وخبراء الاجتماع يحذرون من الوقوع في فخاخهم، لكن المعركة الحقيقية تظل في وعي الناس؛ فكل إعلان كاذب يجد من يصدقه، وكل عقد مزور يجد من يوقّعه، يفتح بابًا جديدًا لوهمٍ آخر.

في النهاية مواجهة هذه الظاهرة لا تكتمل إلا بتضافر الجهود "قانون يردع، ودين يوجّه، وإعلام يوعي، ومجتمع لا يمنح الثقة إلا لمن يستحقها" .

فالأحلام لا تُشترى من وسطاء، ولا تُباع على صفحات مجهولة .. بل تُبنى بالعلم والعمل لا بالأوهام.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء