أهل الفن في أكتوبر 73.. فاتن حمامة تعالج الجرحى ونادية لطفي للتبرعات
في زمن الحرب تتجلّى حقيقة الانتماء، وتُختبر القلوب قبل المواقف وخلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، لم يكن الفنانون المصريون مجرد متفرجين على الحدث، بل كانوا جنودًا من نوعٍ آخر، حملوا رسائل الوعي والأمل والدعم، وساهموا في رفع معنويات الجنود والشعب بكل ما امتلكوه من موهبة وإخلاص.
أم كلثوم
أدرك الفنانون أن النصر لا يتحقق بالسلاح وحده، بل أيضًا بالكلمة واللحن والموقف، فكانت أم كلثوم في مقدمة الصفوف، تجوب العواصم العربية لإحياء حفلات تذهب عائداتها بالكامل إلى صندوق دعم المجهود الحربي، لتصبح كوكب الشرق أيقونةً للفن الوطني في زمن التحدي.
نادية لطفي
ولم تكن وحدها، فقد انضم إليها عدد كبير من الفنانين الذين سخّروا شهرتهم لخدمة الوطن، وكانت نادية لطفي مثالًا حيًا للفنانة المخلصة؛ إذ تركت الأضواء وتوجّهت بنفسها إلى الجبهة أثناء الحرب، حاملةً كاميرتها لتوثّق لحظات البطولة، وتقضي أيامًا وسط الجنود تشاركهم طعامهم وتستمع إلى قصصهم، في موقف إنساني نادر يعكس عمق وطنيتها.

وتواجدت نادية لطفي على الجبهة خلال جميع الحروب لمساعدة الجنود المصابين، حيث شاركت في تمريضهم ورعايتهم صحياً ومعنوياً، وكانت لا تكتفي بالبقاء في مواقع القتال، بل كانت تعود إلى القاهرة لتقوم بجمع التبرعات من الفنانين، وتخصصها لشراء المستلزمات الضرورية للجنود، ثم تعود بها مرة أخرى إلى الجبهة.

تحية كاريوكا
أما تحية كاريوكا، فكان لها حضور قوي على المستوى الشعبي والإنساني؛ إذ شاركت في تنظيم حملات تبرع للمجهود الحربي، وجمعت التبرعات من زملائها في الوسط الفني، كما قدّمت عروضًا فنية خاصة للجنود في المستشفيات والمعسكرات، لتمنحهم لحظات من الفرح وسط أجواء الحرب، فضلاً عن أنها كانت من بين الفنانات اللائي تطوعن في التمريض خلال فترة الحرب، وذلك حسبما ذكرت بعض المجلات وقتها.

فاتن حمامة
في المقابل شاركت فاتن حمامة في أعمال درامية وسينمائية تعزز الوعي الوطني، وساهمت في حملات إعلامية هدفت إلى دعم الروح المعنوية للمصريين خلال الحرب، مُستخدمة مكانتها كـ سيدة الشاشة العربية للتعبير عن صورة المرأة المصرية القوية والصامدة.
كما أنها كانت من أوائل المتطوعين في جمعية الهلال الأحمر، حيث التحقت بها لتلقّي التدريب اللازم على أعمال التمريض، من أجل تقديم الرعاية للمصابين والجرحى خلال فترات الحرب.
ولم تكتفِ بالدعم الطبي فقط، بل حرصت على زيارة المستشفيات باستمرار لتقديم الدعم النفسي والمعنوي لأبطال الحرب، فكانت سندًا حقيقيًا لهم في لحظات الألم والمعاناة.

إلى جانب ذلك، لعبت دورًا كبيرًا في جمع التبرعات، وتنظيم حملات توعوية وثقافية جمعت فيها كبار الفنانين والكتّاب والروائيين، بهدف توثيق الأحداث التي عاشها الجنود والضحايا بشكل واقعي، دون تزوير أو مبالغة، لتكون شهاداتهم صوتًا صادقًا للتاريخ.
شادية وعبد الحليم حافظ
كما قدّمت شادية واحدة من أكثر الأغنيات تأثيرًا وهي أم البطل التي خلدت تضحيات الأمهات المصريات، بينما صدح صوت عبد الحليم حافظ بأغنية عاش اللي قال التي أصبحت نشيدًا للفرح بالنصر وشاركت وردة الجزائرية بأغنية على الربابة بغني التي عبّرت عن حزنٍ ممزوج بالفخر، مجسّدةً مشاعر كل بيت مصري قدّم شهيدًا.
سعيد صالح ومحمد صبحي وسناء يونس
إلى جانب الغناء، كانت هناك مشاركات ميدانية عديدة من فرق المسرح والفنون الشعبية، حيث قدّم فنانون مثل سعيد صالح ومحمد صبحي وسناء يونس عروضًا مباشرة على الجبهة، ليؤكدوا أن الكلمة والضحكة قد توازي رصاصة في قيمتها حين تُبثّ في وقت الشدّة.
وهكذا، ظلّت تلك المواقف محفورة في ذاكرة الوطن، لتشهد بأن الفنان الحقيقي لا يعيش في برجٍ من زجاج، بل في قلب وطنه، يقاسمه الحلم والمحنة، ويغنّي له في الحرب كما في السلام.

