"الأقلام قاتلت إلى جانب البنادق"..كواليس الدور الخفي للإعلام في حرب أكتوبر| خاص
في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، نستعيد معًا الدور العظيم الذي لعبه رجال الكلمة بجانب رجال البندقية، ففي الوقت الذي كان فيه الجنود يخوضون معارك التحرير على الجبهة، كان الصحفيون يخوضون معارك الوعي والمعنويات في الداخل والخارج.
حول هذا الدور البطولي، أجرينا هذا الحوار مع الخبير السياسي والصحفي محمد الجوهري، الذي تحدث عن دور الصحافة المصرية في حرب أكتوبر المجيدة وكيف كانت الكلمة سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن الرصاص.
الصحفيون جنود في ميدان الكلمة
قال الأستاذ محمد الجوهري: يمكنني أن أصف أداء الصحفيين في حرب أكتوبر بأنه أداء مشرف للغاية، فقد كان هناك جنود يحملون السلاح، وآخرون يحملون الأقلام، حيث نقلت الصحافة المصرية المعركة من الجبهة إلى قلوب المواطنين، وأسهمت في رفع الروح المعنوية للشعب من خلال تسليط الضوء على البطولات والانتصارات.
وأضاف لـ"إيجبتك": "الإعلام المصري وقتها لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان عنصرًا فاعلًا في توحيد الصف الوطني والتعبئة العامة من خلال الأفلام والمسلسلات الوطنية التي أبرزت روح الفداء والانتماء."

من “الإذاعة البريطانية” إلى الثقة في الإعلام المصري
ويرى الجوهري أن حرب أكتوبر كانت نقطة تحول فارقة في علاقة الشعب المصري بوسائل الإعلام، موضحًا: قبل الحرب، كان بعض المواطنين يلجؤون إلى الإذاعة البريطانية للحصول على المعلومات، رغم أنها كانت تبث سمومها في العسل، ولكن مع انطلاق الحرب، تغير كل شيء؛ فبفضل المصداقية والبطولات التي نقلها الصحفيون من قلب الميدان، استعاد الإعلام المصري مكانته، وعاد الناس يثقون فيه كمصدر أساسي للمعلومة.
الصحافة.. سلاح مكمّل للجيش
شدد الجوهري على أن الصحافة كانت سلاحًا موازيًا لسلاح الجيش في هذه المعركة، قائلًا: "الصحافة لعبت دورًا استخباراتيًا غير مباشر، عندما كانت تنشر أخبارًا عن حياة الجنود اليومية مثل إقامة مباريات كرة القدم أو العمرة، هذه الرسائل كانت تخدم أغراضًا عسكرية وتضلل العدو حول طبيعة الاستعدادات المصرية."
ويتابع: "الصحفيون عاشوا حياة الجنود بكل تفاصيلها، من الطعام إلى المبيت، وكانوا جزءًا من الجبهة بكل معنى الكلمة، كان المراسل الحربي لا يكتفي بالنقل، بل يشارك الجنود في الصمود والمخاطرة."

عبده مباشر.. نموذج الصحفي المقاتل
ويستحضر الجوهري أسماء عدد من الصحفيين الذين خلدوا أسماءهم في سجل البطولة، قائلاً: "من أبرز هؤلاء الأستاذ عبده مباشر، المراسل العسكري الذي نقل للعالم صورًا حقيقية من أرض المعركة.
حكى عن جندي مصري واجه ثلاث دبابات إسرائيلية وحده، ووضع المتفجرات بنفسه أسفل إحداها وفجرها في مشهد بطولي نادر.
ويضيف: "بل إن عبده مباشر نفسه حمل السلاح إلى جانب الجنود في أثناء بعض المعارك، دفاعًا عن الأرض، كذلك كان هناك صحفيون كبار مثل جمال الغيطاني وصلاح أبوضاية، قدّما نموذجًا مشرفًا للصحافة الوطنية الميدانية."
الصحافة العالمية بين الدهشة والتضليل
وعن تعامل الإعلام الدولي مع الحرب، يقول الجوهري: "في البداية كانت الصحافة العالمية مذهولة من أداء الجيش المصري، لكن مع منتصف الحرب بدأت بعض الصحف الأجنبية، خاصة الفرنسية، في تبني الرواية الإسرائيلية وتمرير أجنداتها، وهنا لعب الإعلام المصري دورًا حاسمًا في دحض الشائعات، من خلال التوثيق واللقاءات الميدانية، ليعيد صياغة الحقيقة أمام الرأي العام العالمي."
الكلمة كانت سلاحًا في معركة الشرف
يختم الأستاذ محمد الجوهري حديثه قائلًا: حرب أكتوبر لم تكن فقط معركة عسكرية، بل كانت معركة وعي أيضًا، الصحافة المصرية أثبتت وقتها أنها سلاح وطني لا يقل شأنًا عن البندقية، ونجحت في بناء الثقة بين الدولة والمواطنين، وفي تشكيل وجدان جيل كامل آمن بأن النصر ممكن متى توحدت الكلمة مع الفعل.

