دبلوماسيون يكشفون لـ"إيجبتك" تفاصيل وتحديات خطة مصر لإعمار غزة بعد إنتهاء الحرب
"وضعت الحرب أوزارها".. جملة يتمناها كل إنسان في غزة المكلومة التي شهدت مأساة يندى لها الجبين على مدار نحو 24 شهرًا، إذ سقطت عليها مل يقرب من 200 ألف طن من المتفجرات حولت القطاع إلى مكان غير صالح للحياة، وباتت الآمال معلقة في الوقت الحالي علي تنفيذ خطة ترامب الهادفة إلى كتابة كلمة النهاية للعدوان الإسرائيلي المتواصل منذ السابع من أكتوبر 2023 ليبدأ بعد ذلك تحد جديد، هو عملية إعادة الإعمار.
إعادة إعمار غزة
وتعد عملية إعادة إعمار غزة، التحرك الأهم لمنع تهجير سكان القطاع ومنحهم أمل بأن الحياة يمكن أن تعود كما كانت قبل السابع من أكتوبر.
وفي هذا السياق، استطلع "إيجبتك" آراء دبلوماسيين وخبراء حول الخطة المصرية لإعادة إعمار غزة، وسبل تنفيذها والتحديات التي تواجهها وكافة التفاصيل المتعلقة بها.
وقال السفير معتز أحمدين مندوب مصر السابق في الأمم المتحدة، إن خطة الإعمار التي اعتمدتها القمة العربية الإسلامية في القاهرة في مارس ٢٠٢٥، متكاملة، ولا يجب أن نعتبرها خطة مصرية فحسب لأنها تم إعدادها بأسلوب محترف بالتنسيق والتشاور مع الدول العربية والإسلامية المعنية، علي المستوي السياسي، ومع الاتحاد الأوروبي علي المستوي التقني والسياسي، ومع الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة المعنية بالعمل الميداني في غزة وعلي رأسها وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، ومنظمة الصحة العالمية، وكذلك منظمات غير حكومية مستقلة تعمل في المجال الإنساني علي المستويين التقني والاقتصادي، ثم تم اعتمادها من القمة، وأعلن الاتحادان الأوروبي والإفريقي ترحيبهما الشديد بها، وحتي الولايات المتحدة رحبت بها من حيث المبدأ.
إعمار غزة مسئولية دولية
وأضاف السفير معتز أحمدين في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن مصر لا تستطيع قيادة الإعمار بمفردها، وليس ذلك مطلوبًا بالمناسبة بل يجب إشراك دول الإقليم، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة في ذلك الجهد لإضفاء الوزن السياسي، وتوفير الغطاء المالي الاستثماري المطلوب، والضمانات اللازمة لعدم تكرار إسرائيل الكرة وتدمير ما يتم بناؤه، وهذا فضلًا عن أن لا مصر ولا أي دولة أخري تملك وحدها الموارد والمعرفة التقنية اللازمة لتنفيذ هذه المهمة.
وأشار مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة، إلى أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، تتعامل بمنطق تجاري مصلحي قائم علي الربح الشخصي، وقد ظهر ذلك في خطة ترامب الأخيرة، التي لم تأت بأفكار جديدة بل اقتبست الأفكار العربية الثلاثة: لجنة الإدارة التقنية، وخطة إعادة الإعمار العربية الإسلامية الدولية، وقوات حفظ السلام الأممية، وركَّبَت فوقهم إطارًا بيروقراطيًا معقدًا يتمثل في مجلس السلام، والمجموعة الاستشارية الاقتصادية المكلفة بإعداد خطة ترامب لتنمية غزة، وقوات الاستقرار الدولية.

وأوضح :"هذه كلها بني مؤسسية معقدة سيتم تمويلها بالأموال العربية، بهدف تحقيق أرباح خيالية لترامپ، وأسرته - صهره زوج ابنته، وفئة محدودة من مساعديهم - بل أن إحدي نسخ الخطة التي كان يعمل عليها الخبراء الإسرائيليون نصت صراحةً علي أن الهيئة الاقتصادية المرتبطة بالخطة تعمل علي تطوير مشروعات تهدف إلي الربح".
وأكد السفير معتز أحمدين، أن مصر قدمت بالتعاون مع الشركاء العرب والمسلمين، والأوروبيين والمنظمات الدولية فكرة التعاون والتنسيق المشترك كل في تخصصه بالاعتماد علي البيانات الدقيقة والمجانية المتوفرة لدي المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية غير الربحية لتطوير الخطة المبدئية، وعليها أن تتمسك بمشاركة الأطراف الإقليمية والدولية المستعدة للمشاركة وفقًا لفكرة أن الخطة هي خطة تنمية إقتصادية، لها أهداف إنسانية تتمثل في رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وتوفير حياة كريمة علي أرضه دون تهجير؛ وأهداف سياسية تتمثل في تثبيت فرص السلام والتعايش بكرامة، وتعزيز إمكانيات الشعب الفلسطيني سواءً كان ذلك في دولة مستقلة أو صيغة تضمن حصول جميع الفلسطينيين علي حقوق المواطنة كاملة دون تمييز في دولة علمانية، وليس علي أساس أن عملية الإعمار فرصة استثمارية لنهب الأموال، وبناء الثروة bonanza كما وصفها وزير المالية الإسرائيلي سموترتش.
وأضاف :"تأكيد أن ذلك جهد دولي سياسي إنساني منسق يجب أن يستند إلي المصلحة العامة للشعب الفلسطيني والإقليم لا يسعي للربح المادي من خلال مناقصات دولية، ودراسات جدوي تعدها مكاتب استشارية تُضَخِّمُ التكاليف من بضعة مليارات علي النحو الوارد في الخطة إلي حفنة ترليونات كما يسعي ترامپ للاستفادة المادية من معاناة الشعب الفلسطيني".
وفي السياق نفسه، يقول السفير المصري السابق في إسرائيل حازم خيرت، حول متى يمكن البدء في تنفيذ الخطة المصرية للإعمار بأن الخطة جاهزة وتمت دراستها ونظم لها مؤتمر دولى وحصلت على الدعم العربي ودعم إقليمي.
السكن المؤقت بداية إعمار غزة
وأوضح السفير المصري السابق في إسرائيل في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، أن خطة إعمار غزة وبدايتها تكون بتوفير سكن مؤقت وعملية إعادة الإعمار سوف تستوعب 1.5 مليون إنسان داخل الأرض وانتهت مصر من تدريب قوات الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى إنشاء صندوق ائتماني لدعم فلسطين تحت اشراف دولي.

وأضاف خيرت، أن الخطة مدروسة بكافة تفاصيلها والتكلفة التقديرية لها حوالي 53 مليار دولار على المرحلتين، الأولى تستغرق عامين تكلف 20 مليار دولار والمرحلة الثانية تكلف 30 مليار دولار، مشيرا إلى أن ماقاله ترامب في تهجير الفلسطينيين قد تراجع عنه والخطة المصرية جاهزة كحائط صد لمنع التهجير.
وبسؤال السفير حازم خيرت حول مشاركة الدول الأوروبية في إعادة الإعمار قال إنه من الطبيعي مشاركة الدول الأوروبية لكن أتصور بأن دول الخليج هى التي سوف تساهم بشكل كبير في إعادة الإعمار.
وحول مطالبة فلسطين؛ إسرائيل بالمشاركة في إعادة الإعمار يقول السفير خيرت بأنه يجب المطالبة بذلك لكن بدعوة من المجتمع الدولي وليس فلسطين فقط لأن إسرائيل هي من دمرت قطاع غزة وستمتنع بطبيعة الحال في ظل حكم اليمين المتطرف.
هل تصمد خطة ترامب لإنهاء الحرب ؟
وحول صمود خطة السلام الأمريكية برعاية ترامب يقول السفير خيرت بإنها بها بعض الثغرات وعدم وضوح الرؤية في بعض بنودها خاصة حول الجداول الزمنية لتنفيذ بنودها وبالتالي قد يحدث بها العثرات.
وفي ذات السياق، قال خبير العلاقات الدولية أحمد العناني، إن مصر تتحرك بخطى ثابتة نحو إطلاق خطة شاملة لإعادة إعمار قطاع غزة، في أعقاب الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، وتركّز الخطة على إعادة بناء البنية التحتية والمساكن والمؤسسات الحيوية، بمشاركة دول عربية وداعمين دوليين، فيما تؤكد القاهرة أن نجاح الإعمار مرهون بوقف العدوان وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع.
وأكد خبير العلاقات الدولية في تصريحات خاصة لـ"إيجبتك" أن خطة إعادة إعمار غزة تمثل مشروعًا طموحًا واسع النطاق تقوده مصر، مشددًا على أن أي عملية إعمار حقيقية لن تبدأ إلا بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي بالكامل من القطاع، وإدخال المساعدات الإنسانية اللازمة للبدء في إزالة آثار العدوان.
وأضاف العناني أن القاهرة تتحرك حاليًا على مسارين متوازيين: الأول هو وقف الحرب والضغط من أجل تهدئة شاملة، والثاني هو إدخال المساعدات والتمهيد لبدء خطة إعادة الإعمار.
وأوضح أن مصر تنظر إلى إعادة إعمار غزة باعتبارها "إعادة للحياة والروح" إلى قطاع تعرض للتدمير الممنهج، سواء في بناه التحتية أو في مؤسساته الصحية والتعليمية والخدمية.
تنفيذ إعمار غزة يحتاج لتحالف واسع
وكشف العناني أن الخطة المصرية تعتمد على تحالف واسع يشمل دول الخليج العربي وبعض الدول الأوروبية المانحة، إلى جانب مصر التي تملك الإمكانيات البشرية والفنية والخبرات الميدانية، ما يجعلها في موقع محوري لقيادة هذا المشروع.
وأشار إلى أن مصر تمتلك شركات كبرى ومعدات حديثة وخبرات تراكمية في إدارة مشروعات كبرى، ما يتيح لها التحرك السريع لإعادة بناء المنازل، المستشفيات، والمدارس، وإعادة المهجّرين إلى مناطقهم
وأوضح العناني أن المرحلة الأولى من خطة الإعمار ستستغرق من عام إلى عامين فقط لإزالة الركام وتمهيد الطرق وإعادة البنية التحتية القادرة على استيعاب معدات الإعمار.

وأضاف: "لن يتم أي شيء في ظل استمرار وجود قوات الاحتلال داخل غزة، فالإعمار يتطلب بيئة آمنة ومستقرة على الأرض".
وأكد العناني أن الخطة المصرية لا تتضمن أي دور للمستثمرين الأجانب أو أطراف تسعى لتحويل غزة إلى "مشروع اقتصادي مشبوه، في إشارة إلى ما تم تداوله إعلاميًا عن "ريفييرا الشرق".
وأضاف: "مصر حريصة على أن يكون الإعمار عملية وطنية – إقليمية، تحفظ كرامة الفلسطينيين، وتقطع الطريق على محاولات تدويل القطاع اقتصاديًا لخدمة أجندات سياسية غير معلنة".
واشنطن تغيب عن الإعمار
وعن تطورات ما بعد موافقة حماس المشروطة على خطة ترامب بشأن غزة، أوضح العناني، أن الولايات المتحدة لن يكون لها دور قيادي في عملية الإعمار كما كانت تأمل، مشيرًا إلى أن واشنطن ستتجه إلى نقل إدارة المرحلة المقبلة إلى مجلس تكنوقراطي فلسطيني ومجلس سلام دولي للإشراف على التنفيذ.
واختتم العناني حديثه بالتأكيد على أن مصر لن تترك غزة وحدها، وستظل تضطلع بدورها الإقليمي والتاريخي في دعم الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن الإعمار يجب أن يكون أداة لتعزيز الاستقرار وليس بوابة لإعادة إنتاج الاحتلال أو تكريس الانقسام.





