عادل ضرغام: غياب الحساسية النقدية أضعف دور الناقد العربي
في ظل ما يشهده المشهد الثقافي من تراجع في غياب المشروع النقدي الجماعي القادر على مواكبة الإبداع واستعادة تأثيره، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: لماذا تراجع النقد الأدبي إلى هامش المشهد؟ إنها الإشكالية التي نحاول تفكيكها والاقتراب من أسبابها، بحثًا في جذور حالة الندرة النقدية التي صنعت فجوة واضحة بين مسار النقد والإبداع.
عن هذه القضية الشائكة يجيبنا الناقد والأكاديمي الدكتور عادل ضرغام في التالي:
قال الناقد والأكاديمي الدكتور عادل ضرغام إن دور الناقد يتغيّر من عصر إلى آخر، موضحًا أن ما قدّمه جيل طه حسين من موازنة بين المعرفي والتفسيري في مقاربة النصوص الأدبية يمثّل ـ في رأيه ـ القمة التي وصل إليها النقد العربي.
من طه حسين إلى بارت ودريدا.. تحولات صورة الناقد
أضاف ضرغام، أن المرحلة التالية تأثّرت بصورة المنظّر الغربي في شعبيته ونجوميته، مثل رولان بارت وجاك دريدا وميشيل فوكو، مشيرًا إلى أن بعض النقاد العرب حاولوا آنذاك ترسيخ هذه الصورة من النجومية على غرار الغربيين، ومن بينهم صلاح فضل وجابر عصفور وآخرون.
ومع هؤلاء ـ كما يقول ضرغام ـ اختلت الموازنة بين الجانبين المعرفي والتفسيري، وهو ما أثّر سلبًا على النقد العربي لفترة طويلة، خصوصًا لدى بعض تلامذتهم الذين لم يمتلكوا القدر نفسه من المتانة الفكرية والعمق الجمالي.
وأكد أن كثيرين من هؤلاء ظنّوا أن الكتابة النقدية لا تتجاوز استخدام المصطلحات الغامضة والتعقيد والألغاز اللفظية.
الناقد بين النص والقارئ.. توازن مفقود
ويتابع ضرغام موضحًا: «الناقد ـ وهو بناء أو تشكيل ذاتي بحت، وليس نتاج نظم تعليمية جاهزة ـ يجب أن يجيد الحركة بين كونه سابقًا للنص، مشيرًا إلى أطره المعرفية، وبين كونه تاليًا له أو وسيطًا بين النص والقارئ».
ويضيف أن هذه الوظيفة الأخيرة غابت لفترات طويلة، نتيجة طغيان النزعة النظرية أو فقدان الحساسية النقدية والفنية.
ويرى أن الوظيفتين ـ المعرفية والتفسيرية ـ لهما الأهمية نفسها، وإذا غابت إحداهما اختل التوازن، فإما أن يتجه النقد نحو الإلغاز والتعمية، أو نحو المدرسية الجافة.
وهم الصراع بين المبدع والناقد
وحول سؤال ما إذا كان النقد قد غاب عن أداء وظيفته المعرفية والتفسيرية، يؤكد الدكتور عادل ضرغام أن النقد ما زال قادرًا على القيام بدوره، لكن الإشكالية تنبع من وهم الصراع بين المبدع والناقد.
ويقول: «لا تكاد تخلو ندوة أدبية من تكرار الجملة الشهيرة (النقد مقصّر، والنقاد لا يتابعون)، وهي مقولة غير دقيقة لعدة أسباب»، موضحًا أن:لا يمكن لأي باحث أو ناقد، مهما بلغت قدرته، أن يلمّ بكل ما يُنتج من أعمال أدبية، فذلك يفوق طاقة الفرد.
تختلف إيقاعات الكتابة؛ فقد يكون الكاتب مهمًا وكبيرًا، لكن إيقاع كتابته لا يتوافق مع طبيعة تفكير ناقد معين، بينما ينسجم مع آخر يكتشف قيمته.
المتابعة النقدية ليست دائمًا علنية؛ فالصمت أحيانًا نوع من النقد، وقد يعبر عن موقف من العمل الأدبي الذي لا ينسجم مع ذائقة الناقد أو معايير الجودة لديه.
استعادة الحس التفسيري ضرورة ملحّة
ويختم ضرغام قائلًا: «لقد تخلّى النقد، تحت تأثير المناهج الوصفية وادعاء العلمية، عن بعض وظائفه الأساسية، ويبدو أننا بحاجة ماسة اليوم إلى استعادة دوره التفسيري والمعرفي بوصفه حلقة الوصل بين الإبداع والمتلقي».