الناقد الأدبي محمد عبد الباسط عيد: لا نقد دون سؤال وحرية
في ظل ما يشهده المشهد الثقافي من تراجع وغيابٍ للمشروع النقدي الجماعي القادر على مواكبة الإبداع واستعادة تأثيره، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح لماذا تراجع النقد الأدبي إلى هامش المشهد؟ إنها الإشكالية التي نحاول تفكيكها والاقتراب من أسبابها، بحثًا في جذور حالة الندرة النقدية التي صنعت فجوة واضحة بين مسار النقد والإبداع.
عن هذه القضية الشائكة يجيبنا الدكتور محمد عبد الباسط عيد الناقد الأدبي والأكاديمي يحاول قراءة الواقع واستشراف سبل استعادة الدور الحيوي للنقد الأدبي في الساحة الثقافية.
النقد صناعة ثقيلة
قال الدكتور محمد عبد الباسط عيد إن النقد بالأساس صناعة ثقافية ثقيلة، بل من أصعب الصناعات، ونحن نحتاج إلى سنوات من العمل المتصل لتكوين الناقد، فمن هو الناقد؟
وأضاف: «الناقد هو ابن عصره وابن سؤال لحظته التاريخية، هذا السؤال الذي يطرحه الناقد أمامنا في أبحاثه يتكوّن من اطلاع موسّع على تراثه، وإدراك دقيق لبنية هذا التراث، فضلًا عن استيعاب تأويلاته المتعددة التي قدّمها الدارسون، كما يتكوّن من معرفة عميقة بتراث الآخرين، ومن وعي راسخ بشبكة التداخل المركّبة التي تصنع اللحظة الراهنة بكل حمولتها الروحية والاجتماعية والسياسية».
لا نقد دون حرية وقدرة على مواجهة الخطابات التسلطية
تابع عبد الباسط: «الناقد صاحب رؤية واسعة، ولديه تصورات جمالية وسياسية واجتماعية تضيء الطريق وتفتح أبواب المعرفة والوعي أمام الناس وأنت تدرك بالتأكيد أن النقد قرين المساءلة، فلا نقد دون سؤال، والسؤال في جوهره ابن الحرية، ومن ثم، لا نقد دون حرية ودون قدرة على مواجهة الخطابات التسلطية بكل أشكالها ومستوياتها، وهو أمر محفوف بالمخاطر في ثقافتنا وواقعنا».
شدد على أن هناك معضلة في تراجع التعليم، ولا يخفى حال التعليم في بلادنا، كما لا يخفى غياب الحافز المادي والمعنوي الذي يشجع الباحث على أن يقتطع من عمره سنوات طويلة يقضيها في التأهيل والإعداد.
رواج المناهج الشكلية
واصل: «راجت المناهج الشكلية التي تكتفي بالشكل دون الجوهر، وبالجمالي المعزول عن الاجتماعي والسياسي وربما لهذا السبب راجت مقولة اللعب في الدراسات الأدبية، وأصبح النقد نشاطًا نخبويا معزولًا عن جماهيره الطبيعية، وعن دوره كوسيط بين الإبداع من جهة والقراء من جهة أخرى».
ندرة في النقاد
واختتم عبد الباسط: «إذا كان الحال كذلك، فهذا يعني ببساطة أننا نعاني من ندرة في النقاد، وهي لا تنفك عن ندرة في الإبداع الجيد فرغم كثرة ما يُكتب ويُنشر تحت لافتات الشعر والقصة والرواية، إلا أن الأعمال المتميزة قليلة وليس أمام النقد إلا أن يصمت أمام الأعمال الرديئة والمتوسطة، هذا الزحام الهائل في النشر يفرض علينا الاختيار، ومع ذلك أقول دائمًا إن العمل الجيد يضيء، ولا يمكن تجاهله، فهو يفرض نفسه على الجميع، نقادًا وقرّاءً، وظني أنه لا يوجد عمل جيد تجاهله النقد».