رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حسام زيدان: ابن وحشية وذو النون المصري حاولا فك الهيروغليفية قبل شامبليون|خاص

الباحث الأثري حسام
الباحث الأثري حسام زيدان

قال الباحث الأثري حسام زيدان أن «لوحة رشيد الحجرية» تعد من أهم القطع الأثرية التي ساعدت في معرفة المزيد عن الكتابة المصرية القديمة، موضحًا أن الأدق هو استخدام تعبير «لوحة رشيد الحجرية» وليس «حجر رشيد»، لأن أي قطعة حجرية تحمل نقوشًا تتحول من مجرد حجر إلى لوحة.

وأوضح زيدان في تصريحات خاصة لـ إيجبتك، أن لوحة رشيد تحمل نصوصًا بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة، مشيرًا إلى أن اكتشافها جاء خلال وجود الحملة الفرنسية في مصر، عندما كان أحد الضباط الفرنسيين، ويدعى بوشار، مسؤولًا عن تعديل حصن قايتباي في رشيد بما يتناسب مع احتياجات الدفاع الفرنسية.

اكتشاف اللوحة

وأشار إلى أن القوات الفرنسية كانت تهدم أجزاء من جدران الحصن، وخلال هذه الأعمال عثر بوشار على اللوحة الحجرية داخل أحد الجدران، فأبلغ القيادة الفرنسية بالأمر، وصدرت تعليمات بنسخ النصوص الموجودة على اللوحة وتوزيع النسخ على علماء أوروبا لدراستها ومحاولة فك رموزها.

وأضاف أن جان فرانسوا شامبليون اطلع على هذه النسخ بعد نحو عشرين عامًا من اكتشاف اللوحة، خصوصًا أن اللوحة الأصلية كانت قد انتقلت إلى إنجلترا بعد خروج القوات الفرنسية من مصر.

خروج اللوحة

وأوضح زيدان أن انتقال اللوحة إلى بريطانيا ارتبط بهزيمة الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، موضحًا أن القوات العثمانية كانت متعاونة مع الإنجليز في مواجهة القوات الفرنسية.

وأشار إلى أن المفاوضات بدأت بعد ذلك لخروج الفرنسيين من مصر، واشترطت إنجلترا أن تغادر القوات الفرنسية من دون أخذ ما استولت عليه من مصر.

وأكد أنه يفضل وصف الوجود الفرنسي في مصر بأنه «احتلال» وليس «حملة»، موضحًا أن الفرنسيين كانوا يسعون إلى احتلال مصر وتحويلها إلى قاعدة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق.

ولفت إلى أن العلماء الذين جاءوا مع الاحتلال الفرنسي درسوا طبيعة مصر وآثارها، وشاركوا في إعداد كتاب «وصف مصر»، معتبرًا أن توثيق الآثار ودراستها كان جزءًا من عملية التمهيد للاحتلال الكامل لمصر، وليس بدافع الحب للحضارة المصرية.

وأوضح أن من بين ما احتفظ به علماء الاحتلال الفرنسي القطع الأثرية التي عثروا عليها، ومن بينها لوحة رشيد الحجرية وما يقرب من 25 قطعة أثرية مصرية أخرى، قبل أن تنتقل هذه المجموعة إلى بريطانيا، وتعرض اللوحة حاليًا في المتحف البريطاني.

أهمية اللوحة

وأشار حسام زيدان إلى أن أهمية لوحة رشيد الأساسية تتمثل في أنها أتاحت مقارنة النص اليوناني، الذي كان معروفًا ويمكن قراءته، بالنصين الديموطيقي والهيروغليفي، وهو ما ساعد في الوصول إلى مفاتيح قراءة الكتابة المصرية القديمة.

وأوضح أن من الأخطاء الشائعة تسمية الهيروغليفية بـ«أبجدية»، لأن الهيروغليفية خط وليست لغة، مؤكدًا أن اللغة المصرية القديمة كانت لها ثلاثة خطوط، من بينها الهيروغليفية والديموطيقية.

وضرب مثالًا باللغة العربية، موضحًا أن اللغة الواحدة يمكن أن تكتب بأكثر من خط، مثل الخط الكوفي والنسخ والرقعة، وهو ما يوضح الفرق بين اللغة والخط.

جهود قبل شامبليون

وأكد زيدان أن القول بأن شامبليون كان أول من توصل إلى قراءة الهيروغليفية ليس دقيقًا، مشيرًا إلى وجود علماء عرب ومسلمين سبقوه إلى محاولة فك رموز الكتابة المصرية القديمة.

وأوضح أن من أبرز هؤلاء ابن وحشية النبطي، وذو النون المصري، إلى جانب علماء آخرين، مشيرًا إلى أن نحو 12 عالمًا عربيًا حاولوا الوصول إلى مفاتيح اللغة المصرية القديمة.

ولفت إلى أن هؤلاء العلماء استطاعوا الوصول إلى بعض المفاتيح، لكنهم لم يصلوا إلى ما توصل إليه شامبليون بصورة متكاملة، خاصة فيما يتعلق بوضع القواعد التي ساعدت على قراءة اللغة المصرية القديمة.

وأضاف أن علماء كثيرين من جنسيات مختلفة عملوا على فك الهيروغليفية، من العرب والفرنسيين والإيطاليين والألمان وغيرهم، إلا أنه يرى أن شامبليون لم يذكر جهود جميع من سبقوه بالشكل الكافي.

دور القبطي

وأشار زيدان إلى أن شامبليون استفاد كذلك من جهود العالم المصري يوحنا الشفتشي، الذي كان عالمًا باللغة القبطية، موضحًا أن اللغة القبطية تحمل أصداء من اللغة المصرية القديمة.

وأوضح أن المصريين القدماء كتبوا لغتهم، لكننا لا نعرف بشكل دقيق حتى الآن كيف كانوا ينطقونها، لافتًا إلى أن معرفة اللغة تحتاج إلى معرفة شكل الحروف وطريقة نطقها.

وأضاف أن اللغة المصرية القديمة تُوصف بأنها لغة بائدة، لأن الباحثين يعرفون أشكال الحروف والرموز، لكنهم لا يعرفون على وجه الدقة كيفية نطق كل رمز منها.

وأوضح أن يوحنا الشفتشي ساعد في إعطاء قيم صوتية لبعض الحروف التي شاهدها شامبليون، اعتمادًا على النطق القبطي، وهو ما ساعد في الوصول إلى قراءة أفضل للكتابة المصرية القديمة.

وأشار إلى أن عددًا من الكلمات المصرية القديمة لا يزال موجودًا في العامية المصرية حتى اليوم، موضحًا أن هناك كلمات يرى بعض الباحثين أنها امتدت من اللغة المصرية القديمة إلى الاستخدام الشعبي الحديث.

استرداد الآثار

وتطرق الباحث الأثري إلى قضية استرداد الآثار المصرية الموجودة في الخارج، مؤكدًا أن السؤال الأساسي ليس متى يمكن استرداد القطع، وإنما هل من حق مصر استردادها أم لا.

وأوضح أن الآثار الموجودة خارج مصر خرجت بطرق مختلفة، منها البيع والإهداء، إلى جانب نظام اقتسام الآثار الذي كان معمولًا به مع بعض البعثات الأثرية الأجنبية قبل صدور قانون حماية الآثار عام 1983.

وأشار إلى أن بعض القطع خرجت بالبيع، موضحًا أن المتحف المصري بالتحرير كان يبيع بعض القطع الأثرية حتى عام 1983، بينما خرجت قطع أخرى عن طريق الإهداء من حكام مصر في فترات سابقة.

وأضاف أن من بين القطع التي خرجت بالإهداء تمثال رمسيس الثاني الموجود أمام معبد الأقصر، والذي أهداه محمد علي إلى فرنسا، إلى جانب آثار أخرى خرجت في فترات لاحقة.

وأوضح أن هناك أيضًا قطعًا خرجت ضمن نظام اقتسام الآثار مع البعثات الأجنبية، وكان من حق البعثة الحصول على جزء مما تكتشفه وفق القواعد المعمول بها في ذلك الوقت، قبل أن ينهي قانون حماية الآثار لعام 1983 هذا النظام.

آثار توت عنخ آمون

ولفت زيدان إلى أن آثار مقبرة توت عنخ آمون لم تخرج وفق نظام اقتسام الآثار، لأن الجانب المصري لم يوافق على حصول هوارد كارتر على أي قطعة من مقتنيات المقبرة.

وأوضح أن جميع القطع التي بلغ عددها 5384 قطعة بقيت في مصر، مؤكدًا أن هذا المثال يوضح أن خروج القطعة الأثرية من مصر ليس بالضرورة أمرًا نهائيًا يمنع المطالبة باستردادها.

وقال إن القطع التي خرجت بالبيع أو الإهداء أو وفق نظام الاقتسام لا يعني ذلك بالضرورة أن مصر فقدت حقها في المطالبة بها، موضحًا أن هناك حالات تاريخية خرجت فيها الآثار في ظل ظروف وقوانين مختلفة تمامًا عن الوضع الحالي.

لوحة رشيد

وأكد زيدان أن لوحة رشيد الحجرية لا تنتمي إلى أي من فئات البيع أو الإهداء أو اقتسام الآثار، وإنما يرى أنها قطعة أثرية «مغتصبة» خرجت من مصر نتيجة ظروف الاحتلال.

وأشار إلى أن اللوحة، من وجهة نظره، تمثل حالة مختلفة عن القطع التي خرجت وفق إجراءات قانونية كانت سارية في فترات تاريخية سابقة، ولذلك فإن المطالبة باستردادها تستند إلى طبيعة خروجها من مصر.

رأس نفرتيتي

وتحدث زيدان كذلك عن رأس الملكة نفرتيتي، موضحًا أنه يرى أنها أيضًا خرجت من مصر بطريقة تستوجب المطالبة باستردادها.

وأشار إلى أن عالم الآثار الألماني لودفيج بورخارت، الذي اكتشف الورشة التي عُثر فيها على رأس نفرتيتي، خدع البعثة المصرية، بحسب روايته، عندما أمسك التمثال وغطاه بطبقة من الطين، وقدم لهم إياه على أنه تمثال طيني.

وأوضح أن رأس نفرتيتي من القطع التي شهدت حملات عديدة للمطالبة باستردادها، إلى جانب لوحة رشيد الحجرية وغيرها من القطع المصرية الموجودة في الخارج.

جهود الاسترداد

وأكد زيدان أن هناك جهودًا مصرية رسمية وشعبية متعددة لاسترداد الآثار المصرية الموجودة في الخارج، مشيرًا إلى أن الدكتور زاهي حواس تقدم بطلبات رسمية لاسترداد بعض القطع، كما شارك عدد كبير من المتخصصين والمهتمين في حملات للمطالبة باسترداد الآثار المصرية.

وأوضح أن وزارة السياحة والآثار لديها إدارة متخصصة في استرداد الآثار، وأن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في استعادة أعداد كبيرة من القطع الأثرية، بمشاركة جهات ومؤسسات مصرية مختلفة.

وأشار إلى أن استرداد قطعة أثرية واحدة قد يكون له تأثير كبير في دراسة التاريخ، لأن القطعة الواحدة يمكن أن تحمل معلومة تغير فهم جانب كامل من التاريخ.

وضرب زيدان مثالًا ببردية وادي الجرف، موضحًا أن اكتشافها ساعد في تقديم أدلة مهمة حول بناء الهرم الأكبر، وما ارتبط بالعمال والمهندسين ورؤساء العمال وتنظيم العمل والطعام والرعاية الطبية.

وأكد أن مثل هذه الوثائق والقطع الأثرية تمثل جزءًا من التاريخ، وأن أهمية الأثر لا تتوقف على شهرته أو قيمته الفنية فقط، وإنما على المعلومات التي يمكن أن يقدمها للباحثين.

واختتم الباحث الأثري حسام زيدان حديثه بالتأكيد على أهمية مواصلة المطالبة باسترداد لوحة رشيد الحجرية ورأس الملكة نفرتيتي وغيرها من الآثار المصرية الموجودة في الخارج، مشددًا على أن جميع القطع الأثرية المصرية تمثل جزءًا من تاريخ مصر، ولا يمكن حصر الاهتمام في عدد محدود من القطع الشهيرة فقط.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء