أسامة طلعت: حفظ الهوية الوطنية خط الدفاع الأول والتراث المصري كنز حي تحافظ عليه الأجيال
احتفلت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بمرور 156 عامًا على افتتاح «الكتبخانة الخديوية»، النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، بحضور نخبة من قيادات الهيئة والباحثين والمؤرخين والمتخصصين في مجال حفظ التراث وتحقيقه.
بدأت فعاليات الاحتفالية بالسلام الجمهوري، وأدارت الندوة الباحثة مروة الشريف، مدير النشر بالهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، التي أكدت أن الاحتفاء بذكرى تأسيس الدار هو احتفاء بصرح تاريخي حمل منذ عام 1870 مسؤولية حفظ ذاكرة الأمة وصون تراثها وإتاحته للأجيال المتعاقبة.
وأوضحت الشريف أن دار الكتب ظلت طوال مسيرتها بيتًا للمخطوطات والوثائق وشاهدًا على تطور الحركة المعرفية والثقافية في مصر والعالم العربي، مشيرة إلى أن تغير الأزمنة وتطور وسائل المعرفة لم ينالا من قيمة الكتاب والتراث باعتبارهما جسرًا حيًا يصل الماضي بالحاضر ويمتد إلى المستقبل لخدمة الباحثين والدارسين.
حفظ الهوية
وفي كلمته الرئيسية، أكد الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، أهمية الحفاظ على الهوية الوطنية، مشيرًا إلى اهتمامه بـ«مؤتمر الهوية الوطنية» المقام في مكتبة الإسكندرية تحت رعاية رئيس الجمهورية، ومؤكدًا أن ترسيخ الهوية المصرية وتأصيلها يمثلان أهمية كبيرة في العصر الراهن.
وأوضح أن الحديث عن الهوية لا يقتصر على كونه قضية فكرية، وإنما يرتبط بضرورة الحفاظ على تماسك المجتمعات في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات ومشروعات تستهدف، بحسب رؤيته، إعادة تشكيل الإقليم والتأثير في الهويات الوطنية ومقومات الدول ومواردها.
واستعرض الدكتور أسامة طلعت قراءة تاريخية لمحاولات تفكيك الهويات وزرع الطائفية، مشيرًا إلى أنها ظهرت في مراحل تاريخية مختلفة تحت شعارات متعددة، مستشهدًا بالحملات الصليبية في أواخر القرن الخامس الهجري، ووعد بلفور ومشروعات التقسيم الحديثة، وصولًا إلى أطروحات «الفوضى الخلاقة» خلال العقود الأخيرة.
وأكد رئيس الهيئة أن «الجين الحضاري» للمواطن المصري، الممتد عبر آلاف السنين، يظهر بوضوح خلال الشدائد والمحطات الفارقة، لافتًا إلى ما وصفه بصلابة الشعب المصري وتماسكه والتحامه حول هويته الوطنية ومؤسساته عبر مختلف العصور.
وأشار إلى أن مصر تمثل نموذجًا لامتزاج الحضارات والديانات وتعايشها على أرضها، مؤكدًا في ختام كلمته أن التراث المصري بمختلف مكوناته من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل رصيدًا أساسيًا لذاكرة الأمة.
وأشاد طلعت بدور العاملين في دار الكتب والوثائق القومية والكوادر التي تعاقبت على العمل بها في حمل مسؤولية صون هذا التراث، مؤكدًا قدرة مصر على الحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.
تاريخ الكتبخانة
وتناول الأستاذ الدكتور أيمن فؤاد سيد، خلال كلمته، تاريخ خزائن الكتب والمكتبات في مصر والعالم الإسلامي، مشيرًا إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق.
واستعرض عددًا من التجارب التاريخية، من بينها «دار الحكمة» في بغداد و«بيت الحكمة» في القاهرة خلال العصر الفاطمي، إلى جانب خزائن الكتب التي ارتبطت بالمدارس والمساجد الجامعة.
وأوضح أنه مع ظهور المدارس في العصرين الأيوبي والمملوكي، أصبحت خزائن الكتب جزءًا أساسيًا من تلك المؤسسات، مستشهدًا بالمدرسة الصالحية والمدرسة المحمودية التي أنشأها جمال الدين محمود الاستادار، والتي ضمت نحو 4000 كتاب تفرقت لاحقًا في مكتبات مختلفة حول العالم.
وتحدث أيمن فؤاد سيد عن انتقال عدد من المخطوطات والكتب إلى إسطنبول عقب دخول العثمانيين مصر عام 1517، إلى جانب خروج مخطوطات أخرى إلى المكتبات الأوروبية، ومنها المكتبة الوطنية في باريس ومكتبة الإسكوريال في إسبانيا، عبر الرحالة والقناصل.
تأسيس دار الكتب
وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، أوضح أن فكرة إنشاء مكتبة وطنية تبلورت عقب عودة البعثات المصرية من فرنسا، ومن بينها بعثة الأنجال عام 1844، التي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل.
وأشار إلى أن علي مبارك اقترح إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، ليصدر قرار تأسيسها في مارس 1870، وتُفتتح في 24 سبتمبر من العام نفسه بالطابق الأرضي من قصر مصطفى فاضل في «درب الجماميز».
وضمت الدار عند تأسيسها مجموعات من الكتب التي كانت موزعة بين المدارس والخزائن، باستثناء الأزهر، إلى جانب مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكانت تضم عددًا من المخطوطات النادرة.
ومع تزايد مقتنيات الدار وتأثرها بالرطوبة، تقرر إنشاء مبنى جديد لها في منطقة باب الخلق خلال عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس عام 1897، وافتُتح المبنى عام 1904.
وتولى إدارة الدار في بداياتها أربعة من المستشرقين الألمان، قبل أن يتولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916.
واختتم أيمن فؤاد سيد كلمته بالإشارة إلى الدور الثقافي والعلمي الذي اضطلعت به دار الكتب، معتبرًا إياها مركزًا للإشعاع الثقافي والعلمي، كما أشاد بدور «لجنة إحياء الأدب العربي»، التي أصبح مركز تحقيق التراث امتدادًا لها، في نشر وتوثيق أمهات الكتب العربية.
كما استعاد ذكرياته الخاصة مع الدار، مشيرًا إلى أن والده كان أول أمين للمخطوطات بها عقب فصل قسم المخطوطات عن المطبوعات عام 1951.
العدالة الثقافية
واستعرض الأستاذ الدكتور مينا رمزي، رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، عددًا من المشروعات التنموية والتطويرية التي شهدتها الدار ومكتباتها الفرعية، مؤكدًا أن خطة التطوير تستهدف إحداث أثر مستدام تستفيد منه الأجيال المقبلة.
وأوضح أن الخطة تركز على محور العدالة الثقافية ونشر الوعي، من خلال التوسع في إتاحة المعرفة لمختلف فئات المجتمع.
وأشار إلى افتتاح عدد من المكتبات الجديدة في المدن والمناطق الأكثر احتياجًا للخدمة الثقافية، من بينها مكتبة «نادي الزهور» في أغسطس 2024 لخدمة نحو 45 ألف مستفيد، ومكتبة «المحروسة» في أكتوبر 2024 لخدمة 24 ألف نسمة، ومكتبة «منشأة البكاري» في سبتمبر 2026 لخدمة 153 ألف نسمة، إلى جانب إعادة افتتاح مكتبة «15 مايو» بعد سنوات من الإغلاق لخدمة نحو 250 ألف نسمة.
كما أطلقت الهيئة مكتبتين متنقلتين في يونيو 2025 للتنقل بين المحافظات والمناطق النائية، وقدمتا الخدمة لنحو 28 ألف مستفيد.
التحول الرقمي
وفي مجال التحول الرقمي، أوضح مينا رمزي تدشين معمل جديد لرقمنة المخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، والعمل من خلاله على مشروع لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة، إلى جانب إعداد كتالوج للمجموعة، مشيرًا إلى إنجاز نحو 50% من المشروع حتى الآن.
وأضاف أنه جرى تطوير معمل المسح الرقمي ودعمه بستة أجهزة حديثة، ما أسهم في رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية.
كما تمت فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى النظام الرقمي.
وأشار رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب إلى إطلاق مشروع «الإيداع الإلكتروني» لتيسير حصول الناشرين والمؤلفين على أرقام الإيداع، مع تعميم المشروع في جميع المحافظات والعمل على إدخاله في محافظة القاهرة.
كما أُعيد إصدار «نشرة الإيداع» أو الببليوغرافيا الوطنية إلكترونيًا عبر موقع الهيئة، بما يخدم الباحثين ويدعم حماية حقوق الملكية الفكرية وأنظمة الفهرسة الوطنية والعربية.
حماية المخطوطات
واستعرض الدكتور مينا رمزي استكمال مشروع ترميز نحو 60 ألف مجلد مخطوط باستخدام نظام «البار كود»، وهو ما أسهم في اختصار مدة الجرد إلى أيام معدودة وإتاحة تتبع حركة المقتنيات بصورة أكثر دقة.
وأوضح أنه في إطار تطبيق سياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.
وشملت إجراءات الحماية تصنيع أكثر من 56 ألف حافظة كرتونية خالية من الحموضة للمخطوطات، إلى جانب توفير بيئة حفظ مطابقة للمعايير وتحديث مخازن المخطوطات وفق المواصفات العالمية.
كما أُعيد تشغيل نظام الإطفاء والإنذار بالغاز «FM» في متحف باب الخلق، إلى جانب تدشين نظام إطفاء متكامل بالإدارة العامة للمخطوطات بمبنى الكورنيش، وتخضع اختباراته النهائية تمهيدًا للتشغيل الكامل.
وتواكب ذلك مع التوسع في برامج تدريب خريجي المكتبات، بهدف تأهيل الكوادر الشابة للعمل في مجال المكتبات وحفظ التراث وإدارة المقتنيات الثقافية.





