رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن تصريح الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، بشأن سد النهضة مجرد رد دبلوماسي على خطاب إثيوبي متكرر، وإنما كان وضعا للنقاش كله أمام حقيقته القانونية والسياسية: هناك دولة تتعامل مع نهر دولي باعتباره امتدادا لإقليمها، وتريد أن تمنح نفسها سلطة منفردة على مورد تتشارك فيه دول أخرى، بينما قواعد القانون الدولي للأنهار العابرة للحدود لا تعرف هذا النوع من السيادة المطلقة.

حين قال "وزير الري" إن الحديث الإثيوبي عن «حق سيادي» في بناء السدود على نهر تتقاسمه عشر دول يبدو كأنه دعوة إلى «ديانة جديدة»، كان يستخدم عبارة حاسمة، لكنها جاءت في سياق أكثر حسما من حيث المضمون؛ لأن السؤال الحقيقي ليس من يملك الحق في التنمية، وإنما أين تنتهي السيادة الإقليمية عندما يتعلق الأمر بمجرى مائي دولي تتشابك فيه مصالح دول المنبع ودولتي المصب حيث كان "سويلم" واضحا عندما فرق بين بناء مدرسة أو إقامة مشروع داخل حدود الدولة، وبين إقامة سد على نهر دولي مشترك، لأن الفارق ليس وجهة نظر مصرية، وإنما تحكمه قواعد القانون الدولي.

القاهرة لا تواجه مجرد مشروع هندسي، وإنما تواجه محاولة لتكريس سابقة سياسية في إدارة الأنهار الدولية، تقوم على أن تبدأ دولة بالإنشاء بشكل منفرد، ثم تحول الأمر الواقع بعد اكتمال المشروع إلى حق مكتسب، وكأن مرور الوقت يمكن أن يغير القواعد القانونية أو ينتقص من حقوق الدول الأخرى، مصر لا تتعامل مع اكتمال السد باعتباره نهاية للقضية، ولا ترى أن وجود منشأة قائمة على الأرض يعني القبول تلقائيا بقواعد تشغيلها أو بأي سيطرة منفردة على تدفقات المياه، الموقف المصري يتمسك بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم الملء والتشغيل، ويرفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تمس حقوق دول المصب أو تفرض واقعا جديدا على نهر دولي.

الخطاب الإثيوبي نفسه بدأ يقدم للقاهرة معطيات سياسية وقانونية واضحة لا تحتاج إلى كثير من التأويل و تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي التي تحدث فيها عن أن تدفقات المياه إلى دول المصب ستكون تحت سيطرة بلاده، إلى جانب الحديث عن المضي في إنشاء سدود جديدة، نقلت النقاش من الإطار التقليدي الذي يركز على «التنمية» و«توليد الكهرباء» إلى مسألة أكثر مباشرة تتعلق بالتحكم في تدفقات نهر دولي، وهو تحول مهم في طبيعة الخطاب الإثيوبي وفي دلالاته السياسية.

الرسالة الأهم في تصريحات وزير الري أنها أغلقت الباب أمام وهم أن مصر ستعتاد تدريجيا على الأمر الواقع، القاهرة لن تسمح بأن يتحول سد النهضة إلى أداة للتحكم في «مفتاح الحياة» بالنسبة إلى المصريين، وتحتفظ بالإجراءات التي يكفلها القانون الدولي لحماية أمنها المائي وحقوق شعبها، كما أن الموقف المصري المعلن لا يعارض التنمية أو إنشاء السدود من حيث المبدأ، وإنما يربطها بالتنسيق ودراسة الآثار والالتزام بالقانون الدولي.

إن توجيه وزير الري حديثه إلى الشعب الإثيوبي حول الكهرباء المنتجة من السد يحمل بعدا سياسيا مختلفا، والسؤال الذي طرحه بشأن مدى وصول الكهرباء إلى المواطنين، في ظل الحديث عن استخدام الكهرباء في أنشطة مثل تعدين العملات المشفرة، يضع الحكومة الإثيوبية أمام اختبار داخلي يتعلق بكيفية ترجمة مشروع السد إلى منفعة حقيقية للمجتمع الإثيوبي، وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحا: مصر لا تقول للإثيوبيين إن التنمية حق ممنوع عليهم، وإنما تقول إن التنمية لا تمنح دولة حق تحويل نهر دولي إلى مجال سيطرة منفردة.

هذه نقطة فارقة يجب أن تصل بوضوح إلى الرأي العام الأفريقي قبل الحكومات؛ لأن معركة مصر ليست ضد حق إثيوبيا في التنمية، وإنما ضد تأسيس قاعدة تقول إن دولة المنبع تستطيع أن تقرر منفردة مصير تدفقات المياه لدول المصب لذلك فإن الرد لم يكن مجرد «ضربة» إعلامية، بل محاولة لإعادة تعريف القضية من داخلها، وبدل من أن تظل مصر في موقع الدفاع عن حصتها من المياه أمام خطاب إثيوبي يكرر مفردات السيادة والتنمية، وضعت القاهرة السؤال في مكانه الصحيح: من الذي منح دولة واحدة حق التصرف المنفرد في نهر دولي؟ ومن أين جاءت فكرة أن اكتمال السد يسقط حقوق الآخرين؟ وهل يمكن أن تصبح المنشآت التي تقيمها دولة منبع دون اتفاق ملزم واقعا قانونيا جديدا تفرضه القوة والوقت؟

مصر لا تدافع فقط عن مياه تصل إلى أراضيها، وإنما عن مبدأ أوسع في العلاقات الدولية: أن الجغرافيا لا تمنح دولة حقا مطلقا في التحكم في مورد مشترك، وأن الأمر الواقع لا يصبح قانونا لمجرد أنه اكتمل على الأرض، ولهذا جاءت عبارة «ديانة جديدة» في مكانها السياسي؛ لأنها تختصر جوهر الأزمة كلها، هناك من يريد اختراع قاعدة لا يعرفها القانون الدولي: سيادة بلا حدود على نهر بلا سيادة منفردة، ومصر تقول بوضوح إن النيل ليس ملكا لدولة واحدة، وإن حماية أمنها المائي ليست موضوعا قابلا للتفاوض إلى ما لا نهاية، وإن أي مستقبل مستقر للنهر لا يمكن أن يقوم إلا على القانون، والاتفاق، والتعاون، واحترام حقوق دولتي المصب.

أما الرسالة التي يجب أن تصل إلى أديس أبابا فهي أبسط من كل السجالات: بناء السد قد يغير شكل النهر، لكنه لا يغير قواعد القانون الدولي، ولا يسقط حقوق مصر، ولا يمنح إثيوبيا صكا مفتوحا للتحكم في مياه تصل إلى شعب آخر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء