لم تكن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية ورئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة مجرد زيارة عمل في جدول العلاقات المصرية السعودية، المشهد الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي حمل رسائل سياسية تتجاوز حدود اللقاء الثنائي، و التفاصيل التي خرجت من المباحثات تقول إن القاهرة والرياض تتعاملان مع المرحلة الحالية باعتبارها اختبارا حقيقيا لمفهوم الأمن العربي، وإن مساحة التفاهم بين البلدين اتسعت لتشمل ملفات تمس صميم أمن المنطقة ومستقبلها.
العلاقات المصرية السعودية تتجاوز عبارات الأخوة والتاريخ إلى مساحة أكثر عمقا في الحسابات السياسية، عنوانها وحدة المصالح الأمنية، وحين تؤكد مصر أن أمن المملكة ودول الخليج جزء من أمنها القومي، فإنها تضع قاعدة واضحة في تعاملها مع أي تهديد يمكن أن يمس أمن الخليج أو استقرار السعودية، وتزداد أهمية هذا الموقف في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، التي لم تعد تسمح بالنظر إلى أمن كل دولة باعتباره شأنا منفصلا؛ فما يصيب دولة عربية محورية يمكن أن تمتد تداعياته سريعا إلى محيطها، بما يجعل حماية الاستقرار مسؤولية مشتركة ومصلحة متبادلة.
المنطقة لا تعيش أزمة واحدة يمكن احتواؤها ثم العودة إلى الهدوء، وإنما تواجه مجموعة من الملفات المتداخلة؛ من أمن الخليج والممرات البحرية، إلى الحرب في غزة، مرورا باليمن والسودان، وصولا إلى مستقبل التوازنات الإقليمية نفسها وفي مثل هذه البيئة، تصبح الاتصالات المباشرة بين القاهرة والرياض ضرورة سياسية، لأن القرارات التي تتخذ في ملف من هذه الملفات يمكن أن تنتج تداعيات في ملفات أخرى.
قضية الملاحة البحرية تقدم نموذجا واضحا على ذلك، الحديث المصري السعودي عن أمن مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر ليس منفصلا عن الاقتصاد أو الأمن القومي، الممرات البحرية ليست مجرد طرق للسفن، وإنما شرايين لحركة التجارة والطاقة، وأي اضطراب طويل فيها يرفع تكلفة الصراع على الجميع ومصر، بحكم موقع قناة السويس، معنية مباشرة بأمن البحر الأحمر وحركة التجارة الدولية، بينما ترتبط السعودية جغرافيا وأمنيا بالمنطقة نفسها، لذلك فإن التنسيق بين البلدين في هذا الملف يذهب أبعد من التضامن السياسي، إلى حماية مصالح استراتيجية مشتركة.
وتحضر القضية الفلسطينية بقوة في الحسابات المصرية والسعودية، باعتبار أن ما يجري في غزة لم يعد شأنا فلسطينيا منفصلا عن أمن المنطقة ومستقبلها، الحرب وما خلفته من تداعيات إنسانية وسياسية وضعت الصراع أمام استحقاقات لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني ومنع فرض واقع جديد بالقوة ويظل التوافق بين القاهرة والرياض قائما على التمسك بحل الدولتين ومقررات الشرعية الدولية، ورفض الانتهاكات الإسرائيلية، مع ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، ووقف الاعتداءات في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
المهم هنا أن القاهرة والرياض لا تتعاملان مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفا للمواقف السياسية فقط، وإنما باعتبارها قضية ترتبط مباشرة باستقرار الإقليم فاستمرار الحرب، أو التعامل مع التهجير باعتباره حلا، أو محاولة فرض واقع جديد بالقوة، كلها سيناريوهات لا تنتهي عند حدود فلسطين، آثارها تمتد إلى الدول المجاورة، وإلى الأمن العربي، وإلى شكل النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة، ولذلك فإن تطابق الموقف المصري السعودي في هذه النقطة يمنح التحرك العربي مساحة أكبر من الاتساق في مواجهة واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدا.
أما السودان، فربما يكشف عن مستوى آخر من التقارب بين البلدين، التأكيد على وحدة السودان، وحصرية مؤسساته الوطنية، ورفض مساواة القوات المسلحة السودانية بالمليشيات والكيانات الموازية، لا يتعلق فقط بتوصيف الصراع الداخلي، وإنما بالموقف من الدولة نفسها، السودان الذي يفقد مؤسساته المركزية لا يخسر استقراره وحده؛ وإنما يفتح المجال أمام تفكك جغرافي وسياسي يمكن أن تمتد تداعياته إلى محيطه العربي والأفريقي.
وهنا تظهر قيمة التفاهم المصري السعودي مرة أخرى، مصر تنظر إلى السودان باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، والسعودية معنية باستقرار البحر الأحمر والأمن العربي ومحيطها الإقليمي وبالتالي فإن الاتفاق على دعم استقرار السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية ليس مجرد تطابق في المواقف، وإنما التقاء لمصالح استراتيجية حقيقية.
لكن ربما يكون الجزء الأكثر أهمية في الزيارة هو ما يتعلق بالعلاقة الثنائية نفسها، الرئيس السيسي وولي العهد السعودي لم يكتفيا باستعراض قوة العلاقات، وإنما تحدثا عن إجراءات عملية لزيادة التعاون التجاري والاستثماري وإزالة العقبات أمام نمو العلاقات الاقتصادية وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ لأن العلاقات السياسية القوية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية تحميها وتوسع نطاقها.
الاقتصاد هنا ليس ملفا جانبيا، عندما تتزايد الاستثمارات، وتتوسع التجارة، وتتداخل المصالح، يصبح التعاون بين البلدين أكثر عمقا وأقل ارتباطًا بالظروف السياسية العابرة مصر تمتلك سوقا كبيرة وموقعا استراتيجيا وقاعدة بشرية وإنتاجية واسعة، والسعودية تمتلك إمكانات استثمارية ضخمة ورؤية اقتصادية تسعى إلى إعادة تشكيل موقعها في الاقتصاد العالمي، الجمع بين هذه الإمكانات يمكن أن ينتج علاقة اقتصادية تتناسب بالفعل مع الوزن السياسي للبلدين.
ولهذا فإن الرسالة الأهم في الزيارة ربما تكمن في الانتقال من قوة العلاقات إلى توظيف هذه القوة، القاهرة والرياض لا تحتاجان إلى إثبات أن علاقاتهما تاريخية؛ هذه حقيقة مستقرة ما تحتاجانه هو تحويل هذا الرصيد إلى سياسات ومشروعات ومواقف مشتركة تستطيع التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
في العلاقات الدولية، لا تقاس قوة التحالفات بعدد البيانات التي تصدر عنها، وإنما بقدرتها على البقاء متماسكة عندما تتغير الظروف والعلاقة المصرية السعودية مرت باختبارات كثيرة، وظلت قادرة على الاحتفاظ بمساحة واسعة من التفاهم، الزيارة الحالية تأتي لتضع هذا التفاهم أمام ملفات أكثر تعقيدا، وفي توقيت يحتاج فيه الطرفان إلى بعضهما سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
القاهرة والرياض لا تملكان رفاهية التعامل مع الإقليم باعتباره مجموعة أزمات منفصلة، أمن الخليج يتصل بأمن البحر الأحمر، والبحر الأحمر يتصل بالتجارة الدولية، وغزة تتصل باستقرار المنطقة، والسودان يتصل بالأمن العربي والأفريقي، والاقتصاد أصبح جزءا من معادلة القوة السياسية هذه التشابكات تجعل التنسيق المصري السعودي أكثر من خيار دبلوماسي؛ تجعله أحد أدوات التعامل مع مرحلة يعاد فيها ترتيب الكثير من قواعد الإقليم.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة، فهي لم تكن زيارة لتأكيد ما هو قائم فقط، وإنما فرصة لوضع العلاقة أمام مسؤولياتها الجديدة، مصر والسعودية تمتلكان رصيدا سياسيا كبيرا، لكن قيمة هذا الرصيد تظهر عندما يتحول إلى قدرة على حماية المصالح، ودعم الاستقرار، وفتح مسارات للتعاون، والتعامل مع الأزمات بعقل بارد قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.
وفي منطقة اعتادت أن تدفع ثمن غياب التفاهم، تبدو الرسالة المصرية السعودية واضحة: التنسيق بين القاهرة والرياض ليس ترفا في هذه المرحلة، وإنما جزء من معادلة الاستقرار نفسها.