ضربات الطاقة الروسية.. خبراء يحذرون من ضغوط على التضخم وأسعار الوقود
تتزايد تداعيات التصعيد العسكري بين روسيا وأوكرانيا على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، مع استهداف منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة الروسي، بالتزامن مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والمخاطر التي تواجه حركة الملاحة وإمدادات النفط والغاز.
ويرى خبراء اقتصاديون في تصريحات خاصة لموقع "إيجبتك" أن التأثير المباشر للهجمات لا يقتصر على سوق النفط الخام، وإنما يمتد إلى قطاع التكرير والمنتجات البترولية وسلاسل الإمداد وتكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن احتمالات انعكاس اضطرابات الطاقة والغذاء على التضخم العالمي.
وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى السوق المصرية، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية، ومدى انعكاس هذه التطورات على تكلفة المنتجات البترولية محليًا.
ضرب مصافي روسيا يضغط على سوق المشتقات
قال الدكتور عز حسانين، الخبير الاقتصادي، إن التأثير الأكبر للضربات التي تستهدف منشآت الطاقة الروسية يتركز في سوق المنتجات النفطية المكررة والاقتصاد الداخلي الروسي، بينما ينعكس تأثيرها على أسواق النفط العالمية بصورة أكبر من خلال تذبذب أسعار الخام وارتفاع أسعار بعض المشتقات، خاصة الديزل ووقود الطائرات.
وأوضح حسانين أن استهداف وحدات التكرير يخفض قدرة روسيا على معالجة النفط الخام وتحويله إلى منتجات مكررة، ما يضغط على المعروض المحلي من البنزين والديزل.
وأشار إلى أن مصفاة موسكو تغطي، بحسب تقديره، نحو 40% من احتياجات العاصمة من البنزين والديزل، وبالتالي فإن تعطلها أو انخفاض معدلات تشغيلها قد يزيد الضغوط على سوق الوقود المحلية.
وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع السلطات الروسية إلى فرض أو تمديد القيود على صادرات البنزين والديزل، بهدف إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية.
توقف المصافي قد يزيد صادرات الخام الروسي
ولفت حسانين إلى أن توقف بعض المصافي عن العمل يخفض الطلب الداخلي الروسي على النفط الخام، وفي حال عدم توافر طاقات تخزينية كافية، قد تتجه الكميات التي لم تعد المصافي قادرة على معالجتها إلى الأسواق الخارجية.
وأوضح أن الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الهند والصين، قد تستقبل جزءًا من هذه الكميات، بما قد يزيد المعروض من الخام في تلك الأسواق ويدفع إلى تقديم خصومات سعرية للحفاظ على القدرة التنافسية.
كما أشار إلى أن اضطراب قطاع التكرير الروسي قد يرفع هوامش أرباح المصافي في مناطق أخرى، مع تراجع الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة، خصوصًا الديزل، بالتزامن مع استمرار الطلب.
وبحسب حسانين، يمكن أن تستفيد المصافي العاملة في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا من زيادة الطلب على منتجاتها لتعويض جانب من النقص الناتج عن اضطرابات التكرير الروسي.
علاوة مخاطر على النفط وارتفاع تكاليف النقل
وعلى مستوى الأسواق العالمية، أوضح حسانين أن أسواق النفط، بما فيها خاما برنت وغرب تكساس، تتفاعل سريعًا مع أخبار استهداف البنية التحتية للطاقة من خلال إضافة علاوة مخاطر إلى الأسعار، نتيجة مخاوف المتعاملين من اتساع نطاق الاستهداف ليشمل خطوط الأنابيب أو موانئ التصدير الرئيسية.
وأشار إلى أن انخفاض إمدادات المشتقات، خاصة الديزل ووقود الطائرات، يمكن أن يرفع تكاليف النقل والشحن البحري، بما ينعكس على التكلفة النهائية للسلع والخدمات ويضيف ضغوطًا إلى معدلات التضخم.
ويرى حسانين أن استمرار اضطرابات قطاع التكرير الروسي قد يزيد الطلب العالمي على المنتجات المكررة القادمة من الخليج ومصر لتعويض جزء من الفجوة في الإمدادات.
محمد محمود: التأثير يمتد إلى الحبوب والغذاء
من جانبه، قال محمد محمود، الباحث والخبير الاقتصادي، إن التطورات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية تحمل انعكاسات متعددة على سلاسل الإمداد العالمية، موضحًا أن استهداف منشآت وبنية تحتية مرتبطة بقطاع الطاقة قد يمتد تأثيره إلى عدد من السلع الاستراتيجية ولا يقتصر على المنتجات النفطية.
وأضاف أن أسواق الحبوب والغلال قد تكون من بين الأسواق المتأثرة، باعتبار روسيا من كبار مصدري هذه السلع، وهو ما قد يضيف ضغوطًا على أسعار الغذاء والإمدادات عالميًا.
وأشار محمود إلى أن التطورات تأتي في توقيت حساس بالنسبة لأسواق الطاقة، في ظل المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة وإمدادات الطاقة، إلى جانب المخاطر المحتملة في مضيقي هرمز وباب المندب، بما يزيد من حالة عدم الاستقرار في أسواق النفط والغاز.
ولفت إلى أن استهداف سلاسل الإمداد والنقل المرتبطة بروسيا قد يؤدي إلى رفع تكلفة الشحن والتأمين البحري على السفن وناقلات البضائع التي تتعامل مع الموانئ الروسية، بما يضيف أعباء جديدة على حركة التجارة.
وحذر محمود من أن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، بالتزامن مع احتمالات اضطراب إمدادات الطاقة والغذاء، قد يزيد الضغوط التضخمية عالميًا، خاصة على الاقتصادات الناشئة والدول النامية.
أحمد خزيم: تزامن الأزمات يرفع المخاطر الاقتصادية
وفي السياق ذاته، قال الدكتور أحمد خزيم، الخبير الاقتصادي، إن العالم يمر بمرحلة شديدة التعقيد، مع تزامن عدة بؤر للتوتر في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا.
وأوضح أن تداخل الأزمات السياسية والعسكرية مع أسواق الطاقة والتجارة العالمية يرفع مستوى المخاطر الاقتصادية، مشيرًا إلى أن استهداف منشآت الطاقة الروسية يضيف ضغوطًا جديدة إلى أسواق الطاقة، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء في أوروبا.
وأضاف أن أي اضطراب في إمدادات النفط أو الغاز قد ينعكس على تكاليف الإنتاج والصناعة والنقل داخل الأسواق الأوروبية والعالمية، في حين تمثل أزمة الطاقة نقطة التقاء رئيسية بين التطورات الجيوسياسية والاقتصاد العالمي.
وأشار خزيم إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط بالتوازي مع الضغوط على قطاع الطاقة الروسي قد يؤدي إلى زيادة تكلفة النفط والغاز عالميًا، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ومعدلات التضخم.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف الوقود والشحن يمكن أن يمتد إلى أسعار الغذاء والمواد الخام والسلع الصناعية، فضلًا عن التأثير على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
كما أشار إلى أن ارتفاع أسعار الذهب رغم مستويات الفائدة المرتفعة يعكس، من وجهة نظره، زيادة الطلب على الأصول التي يلجأ إليها البنوك المركزية والمستثمرون للتحوط من المخاطر المالية والجيوسياسية.
أسامة كمال: النفط قد يتحرك بين 90 و150 دولارًا
وعلى صعيد تطورات أسعار النفط، قال المهندس أسامة كمال، وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق ورئيس لجنة الطاقة والبيئة والقوى العاملة بمجلس الشيوخ، إن التصعيد الحالي بين روسيا وأوكرانيا قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
وأوضح كمال أن روسيا تمثل مصدرًا مهمًا لإمدادات الطاقة إلى الصين، وبالتالي فإن أي اضطرابات في الإنتاج أو التصدير الروسي قد تنعكس على سوق النفط الصينية والعالمية، خاصة في ظل التوترات القائمة في مناطق إنتاج ونقل الطاقة.
وتوقع كمال أن تتراوح أسعار النفط عالميًا بين 90 و150 دولارًا للبرميل حتى نوفمبر المقبل، مشيرًا إلى أن الفترة المقبلة ستكشف اتجاه السياسات الأمريكية تجاه التصعيد والتوترات الجيوسياسية.
وبحسب بيانات وزارة البترول المصرية الواردة في التصريحات، سجل خام برنت نحو 103.49 دولار للبرميل في 18 سبتمبر.
توقعات بعدم تحريك أسعار الوقود في مصر حتى نهاية العام
وعن انعكاس ارتفاع أسعار النفط عالميًا على السوق المصرية، قال أسامة كمال إنه «يتمنى ويتوقع عدم تحريك أسعار المنتجات البترولية في مصر حتى نهاية العام».
وأوضح أن استقرار الأسعار المحلية يمثل عاملًا مهمًا للحد من الضغوط التضخمية وتقليل تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
وتستقر أسعار المنتجات البترولية في مصر، وفق البيانات الواردة في التصريحات، عند مستوياتها المعلنة منذ مارس الماضي، إذ يبلغ سعر بنزين 80 نحو 20.75 جنيه للتر، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، وبنزين 95 نحو 24 جنيهًا، بينما يبلغ سعر السولار 20.50 جنيه للتر.
النفط والطاقة.. قناة جديدة لانتقال التوترات إلى الاقتصاد العالمي
وتشير مجمل التصريحات إلى أن التأثير الاقتصادي للتصعيد الروسي الأوكراني يتجاوز حركة أسعار النفط الخام، ليمتد إلى سوق المشتقات والتكرير والشحن والتأمين والغذاء وسلاسل الإمداد.
ويختلف حجم التأثير النهائي بحسب مدة تعطل منشآت الطاقة، وحجم الإمدادات المتأثرة، وقدرة الأسواق الأخرى على تعويض النقص، إلى جانب مسار التوترات في مناطق إنتاج ونقل الطاقة والممرات البحرية الرئيسية.
وبالنسبة للاقتصاد العالمي، فإن استمرار اضطرابات الطاقة والنقل قد يزيد تكلفة الإنتاج والتجارة، بينما تظل أسواق الدول المستوردة للطاقة أكثر تعرضًا لتغيرات أسعار النفط والغاز والشحن، في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية مسار التضخم والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.


