رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

500 مليار جنيه على طاولة المركزي.. كيف يستخدم «سحب السيولة» لتحجيم التضخم؟

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

امتص البنك المركزي المصري نحو 499.8 مليار جنيه من 11 بنكًا عبر عملية الودائع الرئيسية لأجل 7 أيام، بعائد ثابت 19.5%، في تحرك يعكس استمرار استخدام أدوات السوق المفتوحة لضبط مستويات السيولة والحفاظ على فاعلية السياسة النقدية.

وتأتي العملية في وقت يواصل فيه البنك المركزي التعامل مع معدلات التضخم المرتفعة، مستندًا إلى مزيج من أدوات السياسة النقدية، لا يقتصر على أسعار الفائدة، وإنما يمتد إلى إدارة السيولة المتاحة لدى البنوك وتأثيرها على سوق النقد والائتمان.

ورغم ضخامة الرقم، فإن «سحب السيولة» لا يعني خروج 499.8 مليار جنيه نهائيًا من الاقتصاد، وإنما إيداعها لدى البنك المركزي لفترة محددة، بما يساعد على تنظيم فائض السيولة لدى البنوك والحفاظ على أسعار الفائدة قصيرة الأجل بالقرب من المستويات المستهدفة.

ولم يعد التعامل مع التضخم في مصر مقتصرًا على قرار لجنة السياسة النقدية بشأن رفع أو خفض أسعار الفائدة، فهناك أداة أخرى تعمل بصورة أكثر هدوءًا وبشكل متكرر داخل الجهاز المصرفي: إدارة السيولة عبر عمليات السوق المفتوحة.

وفي 15 سبتمبر 2026، تحرك البنك المركزي المصري مجددًا في هذا المسار، مع عملية ودائع لأجل 7 أيام وبسعر عائد ثابت يبلغ 19.50%، في إطار إدارة السيولة المصرفية. وتأتي العملية بعد استحقاق ودائع العملية السابقة البالغة 347.087 مليار جنيه، التي أُجريت في 8 سبتمبر واستحقت في 15 سبتمبر. ووفق البيانات الخاصة بالعملية الجديدة، تقدمت البنوك بعروض بقيمة 499.840 مليار جنيه، قبل قبولها بالكامل.

المشهد يبدو للوهلة الأولى مجرد رقم ضخم في سوق بين البنوك، لكن خلف هذا الرقم توجد واحدة من أهم حلقات تنفيذ السياسة النقدية في مصر.

لماذا يهتم المركزي بالسيولة الموجودة لدى البنوك؟

البنك المركزي لا يدير فقط كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، وإنما يعمل أيضًا على ضبط الأوضاع النقدية وأسعار الفائدة قصيرة الأجل بما يتماشى مع موقف السياسة النقدية.

عندما تمتلك البنوك سيولة زائدة عن احتياجاتها، يمكن لهذه الأموال أن تتحرك بين البنوك عبر سوق الإنتربنك، أو تُستخدم في شراء الأصول المالية أو تمويل الائتمان، بحسب ظروف السوق، وهنا تظهر أهمية عمليات السوق المفتوحة.

فعندما يربط البنك المركزي ودائع البنوك لديه، فإنه يمتص جزءًا من السيولة المتاحة داخل الجهاز المصرفي لفترة محددة. والأموال لا تختفي من الاقتصاد، لكنها تنتقل مؤقتًا من أرصدة البنوك القابلة للاستخدام إلى ودائع لدى البنك المركزي.

وبالتالي، فإن الهدف الأساسي ليس «حبس الأموال»، وإنما إدارة حجم السيولة المتاحة للبنوك بما يساعد على إبقاء أسعار الفائدة قصيرة الأجل بالقرب من المستويات التي تستهدفها السياسة النقدية.

499.8 مليار جنيه.. ماذا تعني العملية الأخيرة؟

تكشف العملية الأخيرة عن حجم الطلب من جانب البنوك على أداة الودائع ذات العائد الثابت، فمع سعر عائد يبلغ 19.50% لأجل 7 أيام، تستطيع البنوك إيداع جزء من السيولة المتاحة لديها لدى البنك المركزي، والحصول في المقابل على عائد محدد، وتكتسب العملية أهمية إضافية لأنها جاءت في يوم استحقاق العملية السابقة البالغة 347.087 مليار جنيه.

وهذا يعني أن إدارة السيولة لا تتم من خلال عملية واحدة ضخمة ثم تتوقف، وإنما عبر دورة مستمرة: استحقاق ودائع، ثم إعادة امتصاص السيولة وفق احتياجات الجهاز المصرفي وظروف السوق.

وتوضح البيانات الرسمية للبنك المركزي أن العملية السابقة في 8 سبتمبر كانت بقيمة 347.087 مليار جنيه من خلال 9 بنوك، وبنسبة تخصيص 100%، وبسعر 19.50%.

من 134.7 مليار إلى 34.3 مليار جنيه

توضح الأرقام الفصلية أن حجم السيولة الزائدة في الجهاز المصرفي لم يعد عند المستويات المرتفعة التي شهدتها فترات سابقة، حيث تراجع متوسط فائض السيولة لدى الجهاز المصرفي إلى نحو 34.3 مليار جنيه خلال الربع الثاني، مقابل 134.7 مليار جنيه خلال الربع الأول، بحسب تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من 2026، الصادر عن البنك المركزي المصري.

وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، مثل متوسط فائض السيولة نحو 2.9% من الاحتياطي الإلزامي في الربع الثاني، مقابل 11.7% في الربع الأول.

لكن الصورة تغيرت خلال يوليو، إذ ارتفع فائض السيولة إلى نحو 136.4 مليار جنيه بنهاية الشهر، مع تراجع النقد المتداول خارج البنك المركزي وانحسار التأثيرات الموسمية التي ضغطت على السيولة خلال الربع الثاني.

وهذه النقطة تحديدًا تفسر لماذا تحتاج إدارة السيولة إلى تدخلات متكررة؛ فحجم السيولة لا يتحرك في اتجاه واحد، وإنما يتأثر بحركة النقد، ومدفوعات الضرائب، والإنفاق الحكومي، وإصدارات أدوات الدين، والاحتياجات الموسمية للسوق.

أين يدخل التضخم في المعادلة؟

يعمل البنك المركزي المصري  وفق إطار لاستهداف التضخم، ولذلك لا يكفي أن يحدد سعرًا للفائدة ثم يترك أسعار الفائدة الفعلية في سوق النقد تتحرك بعيدًا عنه.

عمليات السوق المفتوحة تساعد البنك على تنفيذ موقف السياسة النقدية عمليًا.

فكلما كانت السيولة الزائدة مرتفعة، يمكن أن تتعرض أسعار الفائدة قصيرة الأجل لضغوط هبوطية، وهو ما قد يضعف انتقال أثر السياسة النقدية إلى السوق.

أما امتصاص السيولة الزائدة فيساعد على إبقاء ظروف سوق النقد متسقة مع سعر العملية الرئيسية، وبالتالي يدعم انتقال أثر أسعار الفائدة إلى تكلفة التمويل والائتمان والطلب داخل الاقتصاد.

ومن هنا تأتي صلة الأداة بالتضخم: إدارة السيولة ليست علاجًا مباشرًا لارتفاع الأسعار، لكنها جزء من الآلية التي تجعل السياسة النقدية أكثر قدرة على التأثير في الطلب والتوقعات التضخمية.

لماذا أبقى المركزي على الفائدة؟

في آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية في 20 أغسطس 2026، قرر البنك المركزي الإبقاء على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%، مع تثبيت سعر الائتمان والخصم عند 19.50%.

ويعكس القرار استمرار البنك المركزي في الحفاظ على موقف نقدي تقييدي نسبيًا.

وأوضح المركزي أن الإبقاء على أسعار العائد يستهدف الحفاظ على هامش موجب مناسب في سعر العائد الحقيقي، بما يساعد على ترسيخ توقعات التضخم ودعم مسار انخفاض التضخم.

وفي أغسطس، سجل التضخم العام للحضر 14.5% على أساس سنوي، مقابل 14.9% في يوليو، بينما بلغ التضخم الأساسي الذي يحسبه البنك المركزي 14.9% مقابل 14.7% في يوليو. وعلى المستوى الشهري، سجل التضخم العام 0.1% والتضخم الأساسي 0.3%.

أي أن معركة التضخم لم تنتهِ، حتى مع تباطؤ المعدل السنوي العام في أغسطس.

مصر ليست وحدها

فالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يستخدم أدوات سوق النقد وعمليات الـReverse Repo للمساعدة في ضبط أسعار الفائدة قصيرة الأجل، ويصف رسميًا عمليات الـON RRP بأنها أداة مساندة تساعد على التحكم في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، كما تعمل على امتصاص السيولة عند الحاجة.

وفي 2026، واصل الاحتياطي الفيدرالي استخدام أدوات إدارة الاحتياطيات وعمليات السوق المفتوحة للحفاظ على مستوى «كافٍ» من الاحتياطيات داخل النظام المصرفي، مع وصول أرصدة الاحتياطيات لدى البنوك إلى نحو 3.1 تريليون دولار في يوليو.

وفي منطقة اليورو، تظهر بيانات البنك المركزي الأوروبي أيضًا الدور الكبير لتسهيلات الإيداع وعمليات السوق المفتوحة في إدارة السيولة والقاعدة النقدية؛ إذ أظهرت بيانات يونيو 2026 تغيرات كبيرة في صافي وضع عمليات السوق المفتوحة والتسهيلات، مرتبطة بصورة رئيسية بتغير مستوى ودائع البنوك لدى المركزي الأوروبي.

 «سحب الأموال» أم ضبط تكلفة المال

فلا يمكن اعتبار الرقم البالغ 499.840 مليار جنيه مبلغًا خرج نهائيًا من الاقتصاد، إلا أنه الأدق أن البنك المركزي يستخدمه كجزء من إدارة مستمرة للسيولة المصرفية، بحيث لا يؤدي فائض الأموال لدى البنوك إلى إضعاف إشارات السياسة النقدية أو دفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل بعيدًا عن المستوى المستهدف، لاسيما أن هذه الأداة جنبًا إلى جنب مع سعر الفائدة الأساسي، والاحتياطي الإلزامي، وسائر أدوات السياسة النقدية.

وبينما يستهدف المركزي تضخمًا عند 7% ±2 نقطة مئوية خلال النصف الثاني من 2027 وفق أحدث توقعات لجنة السياسة النقدية، فإن الطريق إلى هذا الهدف لا يعتمد على قرار واحد، وإنما على إدارة متكاملة لسعر الفائدة والسيولة والائتمان وتوقعات التضخم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء