مصر والصين.. من الشراكة التجارية إلى إعادة تشكيل خريطة الاستثمار والصناعة
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين تقتصر على حركة الواردات والصادرات أو تنفيذ مشروعات البنية الأساسية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة متعددة المسارات تشمل التصنيع، والطاقة، والنقل، والموانئ، والتكنولوجيا، والتمويل، مع اتجاه مصري واضح نحو تحويل الاستثمارات الصينية من مجرد مصدر للسلع إلى قاعدة للإنتاج والتصدير.
وتكتسب هذه الشراكة أهمية أكبر مع استمرار الصين كأحد أكبر الشركاء التجاريين لمصر، بالتوازي مع مساعي القاهرة لزيادة التصنيع المحلي وجذب استثمارات ذات قيمة مضافة، خصوصًا في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يسمح بالوصول إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
أكثر من 2800 شركة صينية تعمل في مصر باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار
تكشف بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة عن اتساع قاعدة الشركات الصينية الموجودة في السوق المصرية؛ إذ بلغ عدد الشركات الصينية العاملة في مصر نحو 2800 شركة، بإجمالي تكاليف استثمارية تتجاوز 8 مليارات دولار.
وتنتشر هذه الاستثمارات في مجموعة واسعة من الأنشطة، من الأجهزة المنزلية والإلكترونيات والمنسوجات والصناعات الكيماوية إلى الاتصالات والطاقة، فيما تستهدف الحكومة المصرية خلال المرحلة المقبلة جذب مزيد من الاستثمارات الصينية إلى قطاعات السيارات، ومواد البناء، والمنسوجات، والإلكترونيات، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في طبيعة الاستثمارات المستهدفة؛ فالحكومة المصرية تربط جذب الشركات الصينية بزيادة التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وربط الإنتاج بالسلاسل العالمية، بدلًا من اقتصار العلاقة على استيراد المنتجات الصينية.
وفي أغسطس 2026، عقدت الهيئة العامة للاستثمار أول اجتماع للجنة المصرية الصينية لترويج الأعمال والاستثمار، بمشاركة ممثلي الشركات والجهات المعنية من البلدين، بهدف معالجة تحديات الشركات الصينية العاملة في مصر وفتح قنوات مباشرة لجذب استثمارات جديدة.
«تيدا» تتحول إلى منصة للتصنيع الصيني في قناة السويس
تمثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر والصين في العين السخنة، التي تطورها شركة «تيدا – مصر»، أحد أبرز النماذج على انتقال التعاون من التجارة إلى التصنيع.
وتشير بيانات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى أن الاستثمارات الصينية داخل نطاق «تيدا» توسعت بصورة ملحوظة، حيث بلغ عدد الشركات نحو 200 شركة وفق بيانات 2024، بينما تجاوزت الاستثمارات في المشروعات الصينية داخل المنطقة مليارات الدولارات.
والأهم أن الاستثمارات الجديدة لم تعد تتركز في الصناعات التقليدية فقط. ففي نوفمبر 2024، أطلقت شركة China Glass Holding مشروعًا لإنتاج الزجاج المسطح والزجاج المستخدم في الخلايا الشمسية باستثمارات تبلغ 300 مليون دولار، بطاقة إنتاجية يومية تصل إلى 1000 طن من الزجاج المسطح و800 طن من الزجاج الكهروضوئي، مع توفير نحو 1000 فرصة عمل عند اكتماله.
كما شهدت المنطقة إطلاق مشروع «Elite Solar PV» لإنتاج الخلايا الشمسية وتجميع مكونات الأنظمة الكهروضوئية بطاقة 2 جيجاوات واستثمارات بلغت 150 مليون دولار، مع توفير 600 فرصة عمل مباشرة.
وفي قطاع الإلكترونيات، يجري تنفيذ مشروع بالتعاون مع مجموعة «Hisense» الصينية باستثمارات 38 مليون دولار لإنتاج مليون وحدة سنويًا، مع توفير 337 فرصة عمل.
هذه المشروعات تكشف عن تغير جوهري في نموذج التعاون؛ فالموقع المصري لم يعد مجرد سوق للمنتجات الصينية، وإنما أصبح جزءًا من استراتيجية الشركات الصينية لبناء طاقات إنتاجية قريبة من الأسواق المستهدفة.
العاصمة الإدارية والعلمين.. الحضور الصيني في الإنشاءات الكبرى
كان قطاع الإنشاءات أحد أبرز أبواب دخول الشركات الصينية إلى السوق المصرية خلال العقد الماضي، ويأتي مشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة في مقدمة هذه المشروعات.
وتتولى شركة CSCEC الصينية تنفيذ مشروع منطقة الأعمال المركزية، الذي يضم 10 مبانٍ إدارية، و5 أبراج سكنية، و4 فنادق، إلى جانب البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 متر، ويعد أطول برج في أفريقيا.
كما تعمل الشركة في مدينة العلمين الجديدة على مشروع عمراني ضخم تبلغ مساحته الإجمالية نحو 1.09 مليون متر مربع، ويتضمن برجًا رئيسيًا وأربعة أبراج سكنية ومكونات تجارية وخدمية.
وبذلك أصبح قطاع التشييد أحد المجالات التي تعكس انتقال العلاقة الاقتصادية إلى نموذج يجمع بين رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والتنفيذ على نطاق واسع.
السخنة.. الصين تدخل قلب منظومة اللوجستيات المصرية
يمثل ميناء العين السخنة أحد أهم محاور التعاون الاقتصادي المصري الصيني، ليس فقط بسبب موقعه على البحر الأحمر، وإنما لارتباطه بالممر اللوجستي الذي يستهدف ربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط وشبكة النقل الداخلية.
ويعد مشروع محطة الحاويات في البحر الأحمر RSCT أحد أبرز هذه المشروعات. وتدير المحطة شراكة تضم Hutchison Ports وCMA CGM وCOSCO Shipping، وبدأت التشغيل التجاري في يناير 2026.
وتبلغ أطوال الأرصفة المستهدفة في المشروع 2.6 كيلومتر على مرحلتين، فيما تصل مساحة المحطة إلى نحو 1.6 مليون متر مربع، وتبلغ طاقتها التصميمية نحو 3.5 مليون حاوية مكافئة سنويًا، مع إمكانية استقبال سفن يصل طولها إلى نحو 400 متر.
كما تضم المحطة تجهيزات صينية الصنع من شركة Shanghai Zhenhua Heavy Industries – ZPMC، تشمل 6 أوناش رصيف و18 ونشًا آليًا لساحات التداول.
وتتجاوز أهمية المشروع حدود تشغيل محطة حاويات؛ إذ تعمل الدولة على دمج الميناء مع شبكة الطرق والسكك الحديدية والممرات اللوجستية، بما يدعم استراتيجية تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتجارة واللوجستيات وإعادة التصدير.
وبحسب وزارة النقل، يشمل التطوير الشامل لميناء السخنة إنشاء 18 كيلومترًا من الأرصفة الجديدة، و17 كيلومترًا من الطرق الداخلية، و17 كيلومترًا من خطوط السكك الحديدية ضمن مكونات المشروع، إلى جانب إنشاء خمسة أحواض جديدة وتطوير ساحات ومناطق لوجستية.
الطاقة والتكنولوجيا.. توسع خارج البنية الأساسية
امتدت الشراكة المصرية الصينية إلى قطاع الطاقة والصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر، وهو ما يظهر بوضوح في المشروعات الجديدة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
فمشروع الزجاج الشمسي، ومشروع الخلايا الشمسية، إلى جانب مشروعات الصناعات الكيماوية والإلكترونيات، تعكس اتجاهًا نحو بناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة تخدم مشروعات الطاقة المتجددة، بدلًا من استيراد المكونات النهائية.
وفي سبتمبر 2024، بدأت شركة «Chemtics Egypt Chemicals» مشروعًا داخل منطقة «تيدا» باستثمارات 30 مليون دولار لإنتاج أكثر من 40 ألف طن سنويًا من هيبوكلوريت الكالسيوم.
كما شهدت المنطقة خلال 2025 توقيع وتنفيذ مشروعات صينية جديدة في الأجهزة المنزلية والصناعات الإلكترونية، من بينها مشروعان باستثمارات إجمالية بلغت 58 مليون دولار وتوفر نحو 450 فرصة عمل.
التمويل.. الصين شريك في بنية التمويل وليس الاستثمار فقط
لم تتوقف العلاقات الاقتصادية عند الاستثمارات المباشرة والمشروعات الصناعية، بل امتدت إلى التمويل التنموي وأسواق المال.
وفي أكتوبر 2023، وقعت مصر والصين مذكرة تفاهم بشأن مبادلة الديون من أجل التنمية، لتصبح مصر أول دولة توقع هذا النوع من الاتفاق مع الوكالة الصينية للتعاون الدولي من أجل التنمية «CIDCA». ويستهدف البرنامج استخدام آلية مبادلة أجزاء من الديون لتمويل مشروعات تنموية يتم الاتفاق عليها بين الجانبين.
كما تبلغ محفظة التعاون التنموي مع الصين نحو 1.7 مليار دولار وفق بيانات وزارة التعاون الدولي، وتشمل قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والتدريب المهني وغيرها.
ومن أبرز محطات التعاون المالي إصدار مصر في 2023 سندات «باندا» في السوق الصينية بقيمة 500 مليون دولار، لتمويل مشروعات خضراء، بدعم من ضمانات مؤسسات تنموية دولية.
وتكشف هذه الخطوة عن محاولة مصر تنويع مصادر التمويل والوصول إلى أسواق رأس المال الآسيوية، بالتوازي مع توسيع استخدام أدوات التمويل المبتكرة.
التجارة تتجاوز 20 مليار دولار.. لكن العجز يبقى التحدي الأكبر
رغم توسع الاستثمارات، لا تزال التجارة هي أكبر مكونات العلاقة الاقتصادية بين البلدين، مع استمرار اختلال واضح لصالح الصين.
وبحسب أحدث البيانات المتداولة استنادًا إلى بيانات التجارة المصرية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.8 مليار دولار خلال 2025، مقابل نحو 17.4 مليار دولار في 2024، وفي المقابل، بلغت الصادرات المصرية إلى الصين نحو 819 مليون دولار، بينما اقتربت الواردات المصرية من الصين من 20 مليار دولار.
وبالتالي فإن التحدي الرئيسي أمام القاهرة لم يعد زيادة حجم التجارة فقط، وإنما إعادة تشكيل مكوناتها عبر زيادة الصادرات المصرية ذات القيمة المضافة، وتعظيم استفادة الشركات المصرية من السوق الصينية.
وهنا تكتسب الاستثمارات الصينية في مصر أهمية إضافية؛ فكلما تحولت الشركات الصينية من الاستيراد إلى التصنيع المحلي، وأصبح جزء من إنتاجها موجهًا إلى التصدير، يمكن أن تتحول العلاقة التجارية تدريجيًا من مصدر لضغط العجز التجاري إلى أداة لدعم الصادرات المصرية.
الإعفاءات الجمركية الصينية تفتح نافذة جديدة أمام الصادرات المصرية
شهد عام 2026 تطورًا مهمًا في فرص وصول المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، بعدما بدأت بكين في الأول من مايو تطبيق ترتيبات إعفاء جمركي تشمل 53 دولة أفريقية لديها علاقات دبلوماسية مع الصين.
وتشمل السياسة الجديدة الدول الأفريقية غير المصنفة ضمن أقل البلدان نموًا، ومن بينها مصر، مع تطبيق المعاملة التفضيلية على مدى عامين وفق الترتيبات الصينية.
ولم تكن الخطوة نظرية بالنسبة للصادرات المصرية؛ ففي الأول من مايو دخلت شحنة من البرتقال المصري بوزن 516 طنًا إلى ميناء وايقاو تشياو في شنغهاي، وكانت أول شحنة من المنتجات المصرية تستفيد من النظام الجديد في المدينة، مع توفير نحو 320 ألف يوان من الرسوم الجمركية على الشحنة.
وتعطي هذه الخطوة دفعة محتملة لصادرات الحاصلات الزراعية المصرية، خصوصًا مع وجود خبرة سابقة في تصدير البرتقال والمنتجات الزراعية إلى السوق الصينية.
من تصدير البرتقال إلى تصدير الصناعة
الفرصة الأكبر أمام مصر في العلاقة مع الصين لا تتمثل فقط في زيادة صادرات السلع الزراعية، وإنما في الانتقال إلى مرحلة تصدير المنتجات المصنعة.
فالمعادلة الجديدة يمكن أن تقوم على ثلاثة مستويات متوازية: جذب الشركات الصينية للإنتاج داخل مصر، توطين جزء أكبر من سلاسل التوريد، ثم استخدام مصر كمنصة للتصدير إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
وتملك مصر مقومات تدعم هذا النموذج، في مقدمتها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والموانئ على البحر الأحمر والمتوسط، واتفاقيات التجارة مع الأسواق الإقليمية، فضلًا عن الموقع الجغرافي الذي يسمح للشركات الآسيوية بالاقتراب من الأسواق المستهدفة.
وتشير تحركات الحكومة المصرية إلى أن هذا هو الاتجاه الذي تسعى إليه بالفعل؛ إذ أكدت الهيئة العامة للاستثمار أن جذب الاستثمارات الصينية يستهدف نقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل، مع تركيز متزايد على قطاعات التصنيع والطاقة المتجددة والسيارات والإلكترونيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
الشراكة المصرية الصينية تدخل مرحلة مختلفة
بعد أكثر من عقد على التحول الكبير الذي شهدته العلاقات الاقتصادية عقب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الصين في 2014، تبدو العلاقة الاقتصادية بين البلدين أمام مرحلة جديدة.
فالصين أصبحت لاعبًا أساسيًا في الصناعة والبنية الأساسية واللوجستيات والاستثمار داخل مصر، بينما تحاول القاهرة الانتقال من موقع المستورد الكبير للمنتجات الصينية إلى موقع أكثر توازنًا يجمع بين استقبال الاستثمارات الصينية، وتوطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات.
وتدعم المؤشرات الحالية هذا التحول؛ فوجود نحو 2800 شركة صينية باستثمارات تتجاوز 8 مليارات دولار، ومشروعات صناعية جديدة بمئات الملايين من الدولارات، ومحطة حاويات صينية الإدارة في السخنة، إلى جانب التوسع في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، كلها تشير إلى أن الصين لم تعد مجرد شريك تجاري لمصر، وإنما أصبحت جزءًا من إعادة تشكيل خريطة الاستثمار والإنتاج المصرية.
ويبقى الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة في قدرة مصر على تحويل هذا الحجم من التعاون إلى صادرات واستثمارات إنتاجية وسلاسل قيمة محلية، بما يقلص الفجوة التجارية ويزيد من القيمة المضافة للاقتصاد المصري.