لماذا قال الله «من أنفسكم» عن النبي؟ سلامة داود يكشف السر البلاغي للآية
توقف الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر السابق، عند الدلالات البلاغية والتعبيرية في خواتيم سورة التوبة، موضحًا أن الآيات التي تناولت صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم تكشف عن جوانب متعددة من عظمة الخطاب القرآني ودقة اختيار الألفاظ.
وأوضح خلال تقديمه برنامج «بلاغة القرآن والسنة»، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أن خواتيم سورة التوبة من أواخر الآيات التي نزلت من القرآن الكريم، وتحمل معاني متعددة تتعلق بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم ورحمته وحرصه على أمته.
تأكيدات متتالية لإبراز مكانة الرسول
وأشار سلامة داود إلى قول الله تعالى: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم»، موضحًا أن الآية جاءت في سياق بلاغي يتضمن أكثر من وسيلة للتأكيد على مضمونها.
ولفت إلى أن التعبير القرآني يبدأ بقوله «لقد جاءكم»، بما يتضمنه من أدوات تؤكد وقوع الفعل وتحقق المجيء، وهو ما يلفت الانتباه إلى أهمية الرسالة والنعمة التي حملها الرسول إلى الناس.
وأكد أن علماء البلاغة والتفسير توقفوا كثيرًا أمام أسرار التعبير القرآني، باعتبار أن ألفاظ القرآن لا تنفصل عن دلالاتها العميقة، وأن كل اختيار لفظي يحمل من المعاني ما يتجاوز القراءة المباشرة للنص.
القرآن لا تنتهي معانيه
واستشهد رئيس جامعة الأزهر السابق بما أورده الإمام الزركشي عن سهل بن عبد الله، في حديثه عن اتساع معاني القرآن الكريم، مؤكدًا أن الإنسان مهما بلغ من الفهم والتدبر فلن يحيط بكل ما أودعه الله في آياته من معانٍ.
وأوضح أن هذا الاتساع في الدلالات يرتبط بكون القرآن كلام الله تعالى، وأن معانيه لا تنفد ولا تنتهي، وهو ما يجعل التدبر فيه بابًا مفتوحًا أمام العلماء والباحثين وأهل العلم على اختلاف عصورهم.
«جاءكم رسول».. الهداية وصلت إلى الناس
وتناول سلامة داود دلالة قوله تعالى «جاءكم رسول»، موضحًا أن التعبير يحمل معنى التيسير والرحمة الإلهية بالعباد.
وأشار إلى أن الإنسان لم يُترك مطالبًا بالبحث وحده عن طريق الهداية، وإنما أرسل الله إليه رسولًا يحمل إليه الحق والنور، ويبين له طريق الإيمان والاستقامة.
وأضاف أن وصول الرسول إلى الناس يمثل واحدة من أعظم النعم، لأن الرسالة جاءت إليهم بصورة واضحة، وحملت لهم طريق الهداية دون أن يُتركوا في حيرة أو مشقة البحث عن الحق دون دليل.
لماذا قال القرآن «من أنفسكم»؟
وتوقف رئيس جامعة الأزهر السابق عند التعبير القرآني «من أنفسكم»، موضحًا أن اختيار هذه الصيغة يحمل دلالات خاصة تتصل بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم وخصوصية نسبه وأصله.
وأشار إلى أن التعبير يبرز قرب الرسول من قومه، فهو منهم يعرفونه ويعرفون سيرته وأخلاقه ونشأته، كما يرتبط بشرف أصله وطهارة نسبه.
وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ في بيئة عُرف فيها شرف الأصل، وأن الحديث عن نسبه وسيرته قبل البعثة يكشف عن جوانب من الإعداد الذي سبق حمله للرسالة.
شرف النسب وطهارة السيرة
وأكد سلامة داود أن الإشارة إلى كون النبي صلى الله عليه وسلم «من أنفسكم» تحمل أيضًا معنى الاعتزاز بأصله وشرف نسبه، إذ نشأ في أطهر البيوت وأشرفها، وكانت سيرته معروفة بين قومه قبل نزول الوحي.
وأضاف أن هذا الجانب يتكامل مع بقية أوصاف الآية، التي انتقلت من بيان مجيء الرسول إلى الحديث عن شدة تألمه لما يصيب الناس، وحرصه عليهم، ثم وصفه بالرأفة والرحمة بالمؤمنين.
وتكشف هذه المعاني، بحسب ما أوضحه، عن بناء قرآني متكامل يجمع بين بيان فضل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإبراز رحمته بأمته، والتذكير بالنعمة التي تمثلت في وصول الرسالة والهداية إلى الناس.
ويؤكد هذا التدبر أن الآية القرآنية الواحدة يمكن أن تحمل طبقات متعددة من المعاني البلاغية والدلالات، وهو ما يجعل دراسة أساليب القرآن الكريم والتوقف أمام ألفاظه من المجالات التي تتجدد معانيها مع استمرار التدبر والبحث.

